صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعين النووية 19- احفظ الله يحفظك

تاريخ الإضافة 26 مارس, 2026 الزيارات : 10518

19- احفظ الله يحفظك

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي ﷺ يوما فقال لي: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

وفي رواية غير الترمذي (احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.) [1]

شرح الحديث

اصطفى الله تعالى هذه الأمة من بين سائر الأمم، ليكتب لها التمكين في الأرض، وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بوجود تربية إيمانية جادة تؤهلها لمواجهة الصعوبات التي قد تعتريها، في سبيل نشر هذا الدين، وإقامة شرع الله في الأرض.

ومن هذا المنطلق، حرص النبي ﷺعلى غرس العقيدة في النفوس المؤمنة، وأولى اهتماما خاصا للشباب، وفي الحديث الذي نتناوله، مثال حيّ على هذه التنشئة الإسلامية الفريدة، للأجيال المؤمنة في عهد النبوة، بما يحتويه هذا المثال على وصايا عظيمة، وقواعد مهمة، لا غنى للمسلم عنها.

وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث، قوله ﷺ:

 (احفظ الله يحفظك)

 يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه، قال عز وجل ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق: 32-33]

 وفسر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.

وقوله ﷺ(يحفظك) يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله فإن الجزاء من جنس العمل كما قال تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: 40]، وقال ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152]

وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:

أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله:

قال الله عز وجل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: 11]

قال ابن عباس رضي الله عنهما – هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه.

وقال على – رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة. [2]

وقال ابن عمر قال لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهل ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) [3]

ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.

 وكان محب الدين الطبري قد جاوز المئة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.

وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس فقال إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره فضيعه الله في كبره.

ويقول ابن الجوزي: وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه!

فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى كما قال بعض السلف: (من اتقى الله فقد حفظ نفسه ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه والله غنى عنه)[4]

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: 82] أنهما حفظا بصلاح أبيهما

وقال سعيد بن المسيب لابنه لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية (وكان أبوهما صالحا).[5]

سفينة مولى النبي ﷺ مع الأسد:

ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى كما جرى لسفينة مولى النبي ﷺعندما ركب سفينة في البحر، وفجأة انكسرت السفينة وتعلق رضي الله عنه في لوح السفينة التي تكسرت، فأخذت الأمواج اللوح وجعلت تدفعه إلى الشاطئ؛ حتى قذفه الموج على الشاطئ سالما….

فنظر حوله، فوجد نفسه في غابة بها أشجار كثيرة، وفجأة سمع صوتا رهيبا مخيفا، فالتفت فإذا بأسد متوحش قادم عليه يريده ……. فلجأ إلى الله تعالى، ثم أقبل سفينة إلى الأسد في شجاعة وثقة بالله وقال له: يا أبا الحارث (كنية الأسد عند العرب) أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ، فلما سمع الأسد ذلك منه هدأ وطأطأ رأسه وأصبح كالقط الوديع، ثم أقبل على سفينة رضي الله عنه يدفعه بمنكبه حتى أخرجه من الغابة كأنه يحرسه ويدله على الطريق، ثم التفت الأسد إلى سفينة رضي الله عنه و همهم بصوت ضعيف كأنه يودعه.[6]

كرامة لعقبة بن نافع

وهذا عقبة بن نافع عندما قرر أن يؤسس مدينة القيروان بتونس لتكون قاعدة حربية للجيش، وانطبقت كل الشروط على منطقة أحراش مليئة بالوحوش والحيات، فقال له رجاله: “إنك أمرتنا بالبناء في شعاب وغياض (مستنقعات) لا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من دواب الأرض” وكان في عسكره خمسة عشر رجلاً من أصحاب الرسول ﷺفجمعهم وقال:”إني داع فأمّنوا”، وبالفعل دعا الله عز وجل طويلاً والصحابة والناس يأمّنون.

ثم قال عقبة مخاطباً سكان الوادي: أيتها الحيّات والسباع، نحن أصحاب رسول الله ﷺ، فارتحلوا عنا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه”.

فحدثت بعدها كرامة عجيبة حيث خرجت السباع من الأحراش تحمل أشبالها والذئب يحمل جروه، والحيّات تحمل أولادها في مشهد لا يرى مثله في التاريخ، فحاول بعض الجنود قتل البعض منهم أي من الوحوش والحيات فنادى عقبة في الناس:”كفوا أيديكم عنهم حتى يرتحلوا عنا لقد عاهدناهم باسم الله؛ فكيف نخون عهد الله؟!![7]

وعكس هذا أن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم كما قال بعض السلف إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.

النوع الثاني من الحفظ: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه:

فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان.

 وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺأنه أمره أن يقول عند منامه (إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)[8]

وعن عمر أن النبي ﷺعلمه أن يقول: (اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدا واحفظني بالإسلام راقدا ولا تطمع في عدوا ولا حاسدا) [9]

وفي الجملة فإن الله عز وجل يحفظ المؤمن الحافظ لحدود دينه ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ وقد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون كارها له كما قال في حق يوسف عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24]

قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24] قال يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.

وقال الحسن البصري: وقد ذكر أهل المعاصي هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم.

ومفهوم المخالفة أن من ضيع أوامر الله ونواهيه وظلم وطغى ضيعه الله وأذله وأخزاه

ما أهون العباد على الله، لو أضاعوا أمره:

عندما فتح المسلمون جزيرة قبرص بكى أبو الدرداء، فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله!

فقال أبو الدرداء: بينما هذه الأمة قاهرة ظاهرة، إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى، ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.

نعم ما أهونهم على الله، لو أضاعوا أمره…!!

فبينما هم في عزة وتمكين وقوة وجبروت صاروا إلى ما ترى!![10]

قوله: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله

وهذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه.

وفي الحديث عن النعمان بن بشيرعن النبي ﷺقال: (الدعاء هو العبادة) [11]

لماذا كان الدعاء هو العبادة؟

هذا كقوله الحج عرفة فأكبر مظهر من مظاهر العبادة الدعاء لماذا؟ لأن الدعاء فيه من التضرع إلى الله وإظهار الضعف والحاجة إليه أعظم ما يكون من العبد، فلذلك كان هو العبادة.

وكان الإمام أحمد يدعو قائلا: (اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك)

ودعاء المسألة يكون العبد فيه أخشع ما يكون وفِكْره حاضر، وكلما كان الفكر والقلب حاضرا في العبادة، كلما كان صاحبها أقرب إلى الله، فمن كان قلبه حاضرًا، كان دعاؤه مستجابًا.

أيضًا الدعاء هو العبادة لأن الدعاء ملازم للتوكل وللاستعانة، فإن التوكل هو اعتماد القلب على الله، والاستعانة هي اللجوء إليه طلباً للعون، والتعبير عن هذين الأمرين التوكل والاستعانة سيكون باللسان دعاءً وطلبًا، والتوكل مِن أعظم العبادات؛ لذلك كان الدعاء هو العبادة.

ومما نعلمه: أن الله من رحمته بعباده أن ينزل عليهم الحاجات، ويضيق عليهم أمور، من أجل أن يخرج منهم هذا الدعاء.

ولابد أن تتصور أن الداعي عندما يدعو الله، من المؤكد أنه يدعوه لمصلحة ومنفعة تلحقه في الدنيا أو الآخرة.

لذلك كان بعض السلف يقول: إنه تكون لي حاجة إلى الله فأدعوه فيفتح لي من لذيذ مناجاته ما أتمنى أن حاجتي لم تُقضَ!

 لماذا؟ كأنه يخشى من انصراف قلبه عن هذه اللذة، يخشى أنه إن حُقّق له مراده يقع في قلبه برود تجاه الدعاء.

لذلك من فضل الله على العبد أن يورثه الله حاجة يلجأ بها إليه.

ومما يُشاهَد كثيرًا أنَّ عددا من الناس يجدون في قلوبهم ثِقَلًا عند الدعاء، وليس ذلك إلا من وسوسة الشيطان وتثبيطه؛ فلذلك ينبغي للعبد ألا يحصر قصده في الدعاء على مجرد تحصيل المطلوب، حتى لا يتسلط عليه هذا المعنى، بل يجمع قلبه على أن دعاءه عبادةٌ يتقرب بها إلى الله تعالى، وقربةٌ يقصد بها رضاه، فإن الدعاء من أعظم العبادات بل هو خلاصة العبودية وروحها، إذ يجذب القلب إلى الله، ويُلجئ العبد إلى التذلل والخضوع والتضرع بين يديه.

 وهذا هو المقصود الأعظم من الدعاء: دوام الافتقار والانكسار بين يدي الرب سبحانه؛ ولهذا السبب فإن الشيطان يثقل الدعاء على العبد ويكرهه، لما فيه من تحقيق العبودية، وهذا النوع من الدعاء الذي يمتلئ ذلًا وانكسارًا وافتقارًا أكمل وأعظم أثرًا من كثير من صور العبادات الأخرى.

ومما يُعين على نفع الدعاء وتأثيره: فهمُ العبد لما يدعو به، فإن الفهم يجمع القلب ويُحضره، فيكون الدعاء أبلغ وأقرب للإجابة،  والله سبحانه يحب أن يُسأل، ويُرغَب إليه في الحاجات، ويُلحَّ عليه في الدعاء، ويغضب على من ترك سؤاله، مع أنه سبحانه قادرٌ على أن يُعطي الخلق جميعًا ما سألوه من غير أن ينقص ذلك من ملكه شيئًا، بخلاف المخلوق فإنه يكره أن يُسأل، ويحب ألا يُسأل، لعجزه وفقره وحاجته.

 قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]

وجاء في الحديث عن سلمان عن النبي ﷺ أنه قال: ” إن ربكم حييٌّ كريمٌ يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه، فيردّهما صفراً أو قال: خائبتين ” [12]

وعن أبي هريرة مرفوعا (من لا يسأل الله يغضب عليه) [13]

وفي حديث آخر عن أنس بن مالك (يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع)[14]

وشسع النعل: السير الذي يشد به

وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال:

الله يغضب إن تركت سؤاله — وبني آدم حين تسأله يغضب

فلا تسألن بني آدم حاجة —وسل الذي أبوابه لا تحجب

لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها:

التقى الخليفة سليمان بن عبد الملك عند الكعبة بسالم بن عبد الله بن عمر وقد استغرق في صلاته وتسبيحه وركن بعدها إلى جدار وقد انشغل بذكر الله …. فقال له سليمان: سلني حاجة أقضها لك!

فلم يجب سالم… فكرر سليمان عليه القول..

فقال سالم: والله لأستحي أن أكون في بيت الله عز وجل ثم أسأل أحد غيره! …

فانتظر سليمان حتى خرجوا من الكعبة وكرر عليه قائلا: ها نحن قد خرجنا من المسجد فسلني حاجة أقضيها لك!

قال سالم: أمن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟

استغرب سليمان وأخذته الدهشة وقال: بل من حوائج الدنيا يا سالم! فنظر إليه وابتسامة عريضة على شفتيه وقال: إنني لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها، فكيف اطلبها ممن لا يملكها؟!!![15]

وهذه أبيات للفقيه الشافعي أبو بكر الشيرازي

قصدت باب الرجا والناس قد رقدوا — وبت أشكوا إلى مولاي ما أجد

وقلت يا أملي في كل نائبة — يا من إليه لكشف الضر اعتمد

اشكوا إليك أمورا أنت تعلمها — مالي على حملها صبرا ولاجلد

وقد بسطت يدي بالذل مفتقرا — إليك ياخير من مدت اليه يد

فلا تردنها يارب خائبة —   فبحر جودك يروي كل من يرد

 

فوائد من وصف دعاء زكريا عليه السلام: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} [مريم 3]

يقول ابن القيم رحمه الله – في كتاب بدائع الفوائد مختصرا:

وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة:

أحدها: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعاءه الخفي وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.

ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى؛ فإذا كان يسمع الدعاء الخفي؛ فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به.

ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته وكسره وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوله بالنطق فقلبه سائل طالب مبتهل ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا.

رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.

خامسها: أنه أبلغ في جمعه القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرّقه ويشتّته، فكلما خفض صوته كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى.

سادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسأله مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى سبحانه على عبده زكريا بقوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه وإنه أقرب إليه من كل قريب وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه، ولله المثل الأعلى سبحانه وقد أشار النبي ﷺهذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: “اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته”[16]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186] وقد جاء أن سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: {وَإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ}[17]، وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء وإنما يسأل مسألة القريب المناجي لا مسألة البعيد المنادي.

سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه وهذا نظير من يقرأ ويكرر رافعا صوته فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته.

ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره.

تاسعها: إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وألا يقصد إظهارها له، وقد قال يعقوب ليوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف: 5]

وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار فأصبح يقلب كفيه ولهذا يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم.

عاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه فهو ذكر وزيادة كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي ﷺ: “أفضل الدعاء: الحمد لله” [18]فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض لأن الحمد يتضمن الحب والثناء والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب فالحامد طالب لمحبوبه فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما فتأمل هذا الموضع ولا تحتاج إلى ما قيل إن الذاكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض، كما قال أمية بن أبي الصلت:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني — حياؤك إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوما —–   كفاه من تعرضه الثناء[19]

 

قوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله)

الاستعانة: هي طلب العون من الله تعالى في أمور الدنيا والآخرة، والتبرؤ من الحول والقوة والتفويض إليه، كما قال الله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود:123].

 والمعنى: وإذا استعنت أي أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، فإنه المستعان، وعليه التكلان.

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: وأما الاستعانة بالله -عز وجل- دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -عز وجل-، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -عز وجل-، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.[20]

وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)[21]

 يعني: لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله -سبحانه وتعالى-؛ لأنّه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلْت من الأسباب فإنّها لا تنفع إلاّ بإذن الله -تعالى-، فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله -عزّ وجلّ-.واذا استعنت بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانبك، وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك الي قوة وَذُلك الي عز؛ فالاستعانة بالله علاج لغرور العبد وكبريائه، ويجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، لأنك خُلقت ضعيفًا، قال تعالى: (خُلق الإنسان ضعيفًا) [النساء: 28].

ومعنى ضعيف: يعني أنه لا يقوم بنفسه، يحتاج إلى الهواء ليتنفس، إلى الماء ليشرب، إلى الطعام ليتقوى، يحتاج دائمًا إلى معونة، يحتاج إلى مدد، يحتاج إلى من يساعده.

كثير من الناس يظن أنه طالما أن عنده القدرة على فعل شيء سيفعله وينسى أو يتغافل عن الاستعانة بالله، وأن أي شيء في هذا الكون لن يتم ولن يقع إلا بأمر الله وإرادته، قال جل وعلا: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الإنسان: 30]. وفي الآية الأخرى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: 23-24]

“لشيء” هنا نكرة تفيد العموم، أي شيء كبير أو صغير، لا ينبغي أبدًا أن تظن أنك قادر وحدك على إنجازه إلا إذا شاء الله أن ينجز.

فمن الممكن أن يكون عندك القدرة على الفعل، وأدوات الفعل، ثم لا يتم الأمر، لماذا؟ لأن الله لم يشأ.

وديننا يعلمنا الارتباط الدائم بالله: وقول: أنا معتمد على نفسي، معتز بنفسي. أنا مبدع أنا عندي مواهب، كل هذا لا غبار عليه، لكن قل: مستعينًا بالله؛ لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله فعال لما يريد.

 والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا الاستعانة بالله مع وجود الأسباب ومع انعدام الأسباب، مع وجود القدرة ومع انعدام قدرة العبد، حتى قالوا: اطلب من الله المستحيل، يعني ما يتصور عقلك أنه لن يتم؛ اطلبه من الله؛ لأن الأمور تجري بمقادير الله سبحانه وتعالى.

فالاستعانة بالله ثمرة من ثمرات العبودية الكاملة لله، وهي أن تعلن ضعفك وفقرك وحاجتك إلى الله سبحانه وتعالى في أمور الدنيا، وفي جلب ما ينفعك ودفع ما يضرك.

ومن العلماء من قال: تستعين بالله على ما لا تستطيع دفعه من المعصية.

لو أنك مفتون بمعصية من المعاصي، استعن بالله عليها، أن تسأل الله العافية، وأن يعينك على ترك هذه المعصية، وادع بهذا الدعاء: “اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن”

أنواع الاستعانة

والاستعانة تنقسم إلى قسمين:

  • قسم محمود.
  • وقسم مذموم

فالقسم المذموم: هو الاستعانة بالخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله: كإجابة الدعاء وكشف البلاء، والهداية، والإغناء، ونحو ذلك، فالله تعالى هو المتفرد بذلك الذي يسمع ويرى، ويعلم السر والنجوى، وهو القادر على إنزال النعم، وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم، والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خَلَقَها ويَسَّرها، فهو مُسبب الأسباب التي بها يحصل ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلي أن يقول في صلاته (وإياك نستعين).

أما القسم الثاني المحمود: فهو الاستعانة بالله تعالى وحده، والتبرؤ من الحول والقوة، وتفويض الأمر إلى الله عز وجل.

التعلق بالأسباب:

والاستعانة بالله لا تعني إهمال الأخذ بالأسباب ولا التعلق بالأسباب على أنها الفاعلة إنما القلب يتعلق بالله والجوارح تعمل بالأسباب التي هيأها الله في الكون.

وبعض الناس تعلقت قلوبهم بالأسباب، وانصرفت عن مسبب الأسباب، ونسي هؤلاء قول الله تعالى في سورة الفاتحة [وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ].

فمنهم من يتعلق قلبه ببعض الأشخاص فينافقهم أو يدافع عنهم بباطل، ومنهم من يتعلق قلبه بمكانته وسلطته ويظن أنها سبيله إلى العلو والمفاخرة بين أبناء جنسه، وهكذا دواليك، وقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن الأمر بيد الله أولاً وآخراً، وأن شؤون الخلق مدبرة تحت مشيئته وقوته وحكمته.

الوصية الثالثة

وهي قوله ﷺ: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك

 إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.

يبين الرسول ﷺ في هذا الكلمات أن الأمة لو اجتمعت واتفقت كلها على نفــــع إنســــان بشيء لم يستطيعــــوا نفعه إلا بشيء قد كتبه الله وقدره له، وإن وقع منهم نفع له فإنما هو من الله تعالى؛ لأنه هو الذي كتبه وقدره؛ فالرسول ﷺ لم يقل لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك، وإنما قال: (لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)، فالناس ينفع بعضهم بعضاً، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل فيه لله عز وجل أولاً، فهو الذي سخر لك من ينفعك، ويحسن إليك، ويزيل كربتك.

وكذلك لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، والإيمان بهذا يستلزم أن يكون الإنسان متعلقاً بربه، ومتكلاً عليه، لا يهتم بأحد؛ لأنه يعلم أنه لو اجتمع كل الخلق على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه ، وحينئــــذ يعلق رجاءه بالله، ويعتصم به، ولا يهمه الخلق، ولو اجتمعوا عليه، فيجب أن يصل هذا الأمر عند كل مسلم درجة اليقين الذي لا شك فيه ، أنه لا يملك الضر والنفع أحد إلا الله ، وما الخلق إلا أسباب فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ  وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: 17]

وكان النبي ﷺ يقول في دعائه دبر كل صلاة مكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.) [22]

ومعنى (اللهم لا مانع لما أعطيت) يعني ما قدر الله أن يحصل لك، سيحصل لك لا أحد يستطع أن يمنعه، فإذا قدر الله أنه يولد لك ولد أو أنك تتزوج فلانة، أو أنك ترزق مال، أو منـزل، لا أحد يستطيع منع ذلك أو رده، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: 2]

وأما قوله ﷺ (ولا معطي لما منعت)، معناه أن ما منعه ولم يقدره لك لا أحد يستطيع أن يوصله إليك، فإذا كان الله قدر أنه لا يولد لك لا أحد يستطيع أن يأتي لك بولد، وإذا كان الله قدر لك أنك تموت ما أحد يستطيع منع ذلك، وإذا قدر الله لك أنك تكون غنياً لا أحد يستطيع أن يمنعك وهذا معنى قوله جل وعلا: (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) فالآية بمعنى الحديث.

وأما قوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) الجد الغنى، والسلطان، فلا ينفع ذا الغنى، والمال، والوظائف لا ينفعه غناه من الله جل وعلا، فلا يغنيه عن الله سبحانه وتعالى، من ذلك جده، وغناه، ووظائفه يعني لا أحد يغنيه بدلاً من الله، إذا جاءه الجد وهو الموت ، بل ما أراده الله به نافذ، متى شاء ربه سلبه هذا كله يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ  وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15] فالعباد في أشد الفقر إلى ربهم وليس لهم غنى عنه سبحانه وتعالى أبداً، بل فقراء إليه وإن كان ملوكاً، وإن كانوا أغنياء وإن كانوا أصحاب ثروات طائلة، فهم فقراء إليه، ومتى شاء سلبهم ملكهم ومالهم في طرفة عين سبحانه وتعالى.

أهمية اليقين بالله:

إن الاعتقاد بتفرّد الله سبحانه بالضر والنفع والعطاء والمنع، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدّر عند الله؛ إن الاعتقاد بذلك يحقق تمام التعلق بالله واللجأ إليه وسؤاله في كل حال، كما يورث أنفة واستغناء عن الناس، وكلما أيقن العبد أن النفع والضر بيد الله وحده أوجب ذلك إفراده سبحانه بالطاعة والعبادة، وأن يقدم طاعة الله على طاعة الخلق جميعاً.

كما ورد في الأثر عن أبي سعيد الخدري: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا ترده كراهة كاره 

وقال ابن القيم رحمه الله في “زاد المعاد”: لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه “[23]

ولأهمية اليقين فقد نبه الله نبيه ﷺ ألا يركن لأهل الشك ومن ليس لديهم اليقين الكامل بالله رب العالمين قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم: 60]

واليقين عده البعض الإيمان كله قال بعض السلف: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله”

وقال ابن القيم: “ اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم. [24]ولقد كان من دعاء النبي ﷺ كما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا ، اللهم أمتعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا ، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا ، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا ، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا ، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا في دِينِنَا ، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا ، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا ، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا. )[25]

وعن عامر بن عبد قيس رحمه الله، قال: «ثلاث آيات من كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلق:

  • ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (يونس: 107)
  • ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6)
  • ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (فاطر: 2)[26]

ثمرة اليقين:

والإيما بهذا الأمر يزيل أمراضا كثيرة نشكو منها كالقلق والخوف من المستقبل والاضطرابات النفسية وهذه الأمراض كلها من مخلفات الحضارة المادية التي جعلت الإنسان مع ضعف إيمانه بالله يخاف من أي لحظة مقبلة فهو خائف من الغد، يتوقع دائما الكوارث والمصائب والبلايا، ولذا نرى في الغرب كل شيء وأي شيء يقومون بالتأمين عليه بالأموال الطائلة، وكل هذا بسبب القلق من اللحظة المقبلة!!

لكن يبقى السؤال هب أن إنسانا أمّن على حياته هل يحول ذلك بينه وبين الموت؟!! أو أمّن على صحته هل يحول ذلك بينه وبين المرض؟!! أبدا لا يرد ذلك شيئا من قضاء الله فهو الفعال لما يريد.

والمسلم يوقن أن هذا الكون ليس بفوضى لأن كل شيء عند الله بمقدار وبحكمة وبتقدير وتدبير، وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فاليقين بذلك كله يحرر الإنسان من القلق والخوف؛ لأن الإنسان بطبيعته يخاف على نفسه وماله وعياله.

قال النبي ﷺ في وصف حال الإنسان (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة.) [27]

يعني: أصدق الأسماء التي تعبر عن الصفات المغروسة في البشر اسم حارث وهمام؛ لأن كل إنسان حارث، يعني: أنه عامل أو كاسب، وكل إنسان همام، أي: كثير الهم والإرادة، فالإنسان مجبول على أن يقصد شيئاً ويريده، لكن ما يربط على القلوب بالسكينة هذا اليقين أن الذي يملك الضر والنفع هو الله.

اليقين عند الأنبياء

اليقين عند إبراهيم عليه السلام

وأنبياء الله علمونا هذا اليقين كما في قصة الخليل إبراهيم لما كسر الأصنام لقومه فحكموا عليه بالإعدام حرقا ، فلجأوا إلى قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من شرك وسفه وطغيان، فكادهم الله جل جلاله وأعلى كلمته، وأنجى عبده إبراهيم.

قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء: 68-70].

وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، ثم ألقوا إبراهيم عليه السلام مقيدًا مكتوفًا في النار فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: 173-174] [28]

فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلبوا، فكأن الله يريد أن يقول لهم إن آلهتكم عاجزة أن تنتقم لنفسها فضلا عن أنها عاجزة عن نصرتكم، وها أنتم أوقدتم النار، وألقيتم إبراهيم فيها فهل تملكون أمر النار؟!! أنتم لا تملكون شيئا لأن النار صارت بأمر الله بردا وسلاما على إبراهيم!!!

فالظالم يظن أنه يقدر على كل شيء فيفعل في ظنه ما يشاء ولا يرعوي لكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اليقين عند هود عليه السلام

ولنتأمل موقف هود عليه السلام حينما هددوه بانتقام آلهتهم:  ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ  قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ  فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ  مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا  إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 53-56]

فهو يتحدى قومه قائلاً: اطلبوا لي الضرر كلكم بكل طريق تتمكنون بها مني، ثم لا تنظرون أي لا تمهلون فما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه وتقديره، فلو اجتمعتم جميعاً على الإيقاع بي ، والله لم يسلطكم عليّ لم تقدروا على ذلك .

موسى وفرعون:

وها هو كليم الله موسى عليه السلام يقول لأصحابه حينما أدركهم فرعون فوجدوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا  إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ  فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: 61-66] ، فالبحر انشق ماؤه بطريق يابس وتجمد الماء على الجوانب ، ويعبر موسى وينجو ومن معه من بني إسرائيل ويهلك الله فرعون ومن معه .

النبي وصاحبه في الغار:

وهذا الحبيب محمد ﷺ يقول لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار وقد أحدقت بهما الإخطار ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا ” قال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40]

من يمنعك مني؟

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفلنا معه، فأدركتنا القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة، فعلق بها سيفه، قال: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس.

وفي رواية أخرى عند مسلم: قال له: من يمنعك مني؟ فقال: الله، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله.[29]

ودلالة هذه القصة على اليقين عند النبي ﷺ عظيمة جدًا، وهي من أوضح صور تحقيق التوكل الكامل على الله مع طمأنينة القلب، ويتجلى ذلك في عدة معانٍ عميقة:

أولًا: قوله ﷺ: «الله» وهو أعزل أمام رجل يحمل سيفًا مسلولًا فوق رأسه يدل على يقين جازم لا يتزعزع بأن النفع والضر بيد الله وحده، فلم يلتفت إلى السبب الظاهر (السيف) بل إلى المسبب سبحانه، وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: 36).

ثانيًا: لم يكن جوابه مجرد كلمة، بل حال قلب؛ لأنه لو كان في قلبه أدنى اضطراب لظهر ذلك، لكن ثباته وسكونه في أخطر لحظة دليل على أن اليقين عنده ﷺ ليس علمًا نظريًا بل يقين قلبي لا شك فيه.

ثالثًا: تكراره «الله» ثلاثًا يدل على رسوخ هذا اليقين واستحضاره الكامل، كأن قلبه معلق بالله وحده لا يلتفت لغيره، وهذا هو أعلى درجات التوكل.

رابعًا: نتيجة هذا اليقين كانت مباشرة: سقوط السيف من يد الرجل دون سبب بشري ظاهر، وهذا يبيّن أن من صدق مع الله في التوكل كفاه الله، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).

غزوة الأحزاب:

وفي شوال من السنة الخامسة من الهجرة النبوية المباركة وقع ابتلاء شديد على المسلمين إذ اجتمعت عليهم جموع المشركين مع غدر اليهود وتخذيل المنافقين وجاءوا بجيش قوامه عشرة ألاف، في واقعة سميت بغزوة الأحزاب، واجتمع عليهم الجوع الشديد، وبرد الشتاء، مع خوف العدو، كما قال جابر رضي الله عنه: (إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْية شديدة فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا هذه كُدْية عرضت في الخندق فقال أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا) [30]

وتتواصل المحن عليهم، ويعظم البلاء بهم ؛ إذ سرت في الناس شائعة أن اليهود داخل المدينة قد نقضوا عهد النبي ﷺ وأنهم سيحالفون المشركين على المسلمين، وأن الخطر قد أحاط بنساء المسلمين وذراريهم داخل حصون المدينة، وانضم إليها ظهور النفاق، وتخذيل المنافقين في أوساط المسلمين، وإضعاف معنوياتهم ببث الشائعات والأراجيف، وتخويفهم من قوة المشركين، مع الانسحاب من الجيش على ملأ من الناس، حتى قال قائل المنافقين: (كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط) إنها محنة عظيمة، وكرب شديد، لا يصمد أمامه إلا من كان قوي الإيمان واليقين، مع تثبيت الله تعالى وربطه على القلوب.

ووصف القرآن العظيم هذا البلاء بأدق وصف وأبلغه، وأفصح عما أصاب المؤمنين من عظيم الشدة والكرب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا  وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 10-13]

نعم زاغت الأبصار من شدة البلاء والكرب، وعند استحكام البلاء، وشدة الكرب يأتي الفرج من الله تعالى؛ إذ أرسل جنده على الكافرين، وخالف بينهم وبين اليهود فوقع الشر بينهم بخدعة نعيم بن مسعود رضي الله عنه الذي أسلم حينئذ وسعى بالوقيعة بين المشركين واليهود وهم لا يعلمون إسلامه، ورأى المنافقون ما يسوؤهم من بقاء الإسلام وأهله، وسلط الله الريح على الأحزاب فقلعت خيامهم وكفأت قدورهم، فعصرت الفتنة القلوب عصرا حتى لم يبق بها تعلق إلا بالله وأصاب المسلمون برد اليقين بالله لما رأوا نصر الله.

 قال تعالى ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: 22]

اليقين والأخذ بالأسباب:

وليس معنى اليقين إهمال الأخذ بالأسباب؛ إنما نؤمن بهذا اليقين فيستعلي على آفة النفس البشرية من الخوف والقلق، أو استعجال الرزق بأكل الحرام، أو النفاق أو قول الزور والكذب ، وهنا مسألة أود توضيحها :

التوكل المقصود منه التفويض والرضا؛ فليس معنى التوكل أن يعطيك الله ما تريد إنما الرضا بما يريد، فمع صدق التوكل تنكشف عين البصيرة فترى حسن اختيار الله لك، فالله سبحانه يفعل ما يراه خيرا لك لا ما تظنه أنت خير لك وذلك لأنه الحكيم وهذا معنى قولنا (حسبنا الله ونعم الوكيل) فالخير فيما يريد سبحانه لا فيما تريد أنت.

قوله: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك)

وقوله ﷺ في الرواية الثانية: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك)، هو توجيه إلى الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، فقوله: (واعلم أن ما أخطأك) أي من المقادير فلم يصل إليك، (لم يكن) مقدراً عليك (ليصيبك)؛ لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدر على غيرك، (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدراً على غيرك (ليخطئك)، وإنما هو مقدر عليك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه،

ومعنى ذلك: أنه قد فرغ مما أصابك أو أخطأك من خير وشر، فما أصابك فإصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك وما أخطأك فسلامتك منه محتومة، فلا يمكن أن يصيبك.

فلابد من الإيمان بأن كل ما يصيب العبد مما يضره وينفعه في دنياه فهو مقدر عليه، وأنه لا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدر عليه ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهــم جميعاً.

 قــال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: 11]

يعني أن من أصـابته مصـيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيراً منه.

 روى ابن كثير عن ابن عباس أنه قــال: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيـــــبه.

 يقول ابن دقيق العيد: هذا هو الإيمان بالقدر، والإيمان به واجــــب، خيره وشــره، وإذا تيقن المؤمن هذا، فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به.

الرضا بما قضى الله:

فما أصابك هو مراد الله فيك فلا خطأ ولا خلل، ولا كما يقول البعض فلان محظوظ أو فلان منحوس، فنحن المسلمين لا نعتقد بما يسمى الحظ والنحس لأننا نؤمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره فلا مغالبة في الرزق أو الأجل أو دفع ضر أو جلب نفع، فكل شيء بإرادة الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ (المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ، احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ، وإن أصابَكَ شَيءٌ فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعَلتُ كان كَذا وكَذا، ولَكِن قُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَلَ؛ فإنَّ لو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ).[31]

وهذا الحديث من أعظم ما يبيّن حقيقة اليقين والتوكل، وتأمل كيف جمع بين أصول عظيمة:

في قوله ﷺ: «احرص على ما ينفعك» أمرٌ بالأخذ بالأسباب، والسعي، والعمل، وعدم التواكل، ثم قال: «واستعن بالله» فربط الأسباب بالله، فلا يعتمد القلب على نفسه ولا على الأسباب، بل على الله، وهذا هو اليقين.

ثم قال: «ولا تعجز» نهي عن الاستسلام والكسل، لأن ضعف الهمة يناقض كمال التوكل، ثم قال: «وإن أصابك شيء فلا تقل لو…» وهذا مقام الرضا والتسليم بعد وقوع القضاء، لأن قول (لو) يفتح باب الندم والاعتراض، ويضعف اليقين.

ثم أرشد إلى القول الصحيح: «قدَرُ الله وما شاء فعل» وهو أعظم كلمة تعالج القلب، لأنها تعيد العبد إلى حقيقة أن كل شيء بقدر الله.

وقال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به

وقال ابن مسعود إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط

وقال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور

وقال عبد الواحد بن زيد الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين.

وقال جعفر الصادق: (إن الله أراد بنا أشياء ،وأراد منا أشياء ،فما أراده بنا أخفاه عنا ،وما أراده منا بيَّنه لنا ،فما بالنا نَنْشغل بما أراده بنا … عمَّا أراده منا؟!)

يقول ابن رجب الحنبلي : واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه ؛ فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة ؛علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع ؛ فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة ، وحفظ حدوده ؛ فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئا ، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف ، والرجاء، والمحبة والسؤال، والتضرع ، والدعاء ، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا ، وأن يتقي سخطه ، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا ، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له ، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء ، خلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه .

قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: 38][32]

قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)

 هذا التعبير كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد فإن الكتاب إذا فرغ من كتابه ورفعت الأقلام عنه وطال عهده فقد رفعت عنه الأقلام، وجفت الصحف التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها.

وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22]

وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)[33]

وعن جابر (أن رجلا قال يا رسول الله فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)[34]

وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: (إن أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فكتب في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) [35]

وهذا يدل على أن ما في علم الله تعالى، أو ما أثبته سبحانه في أم الكتاب ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا ينسخ، وما وقع وما سيقع كله بعلمه تعالى وتقديره، وهذه الجملة من الحديث تأكيد لما سبق من الإيمان بالقدر، والتوكل على الله وحده، وألا يتخذ إلهاً سواه، فإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاســتعانة به، ولهذا قال: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل.

شرح الرواية الأخرى للحديث

في رواية الإمام أحمد وغيره “احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً”.

 قوله ﷺ: (احفظ الله تجده تجاهك ) وتنطق تجاهك بضم التاء وكسرها.

معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128]

قال قتادة: من يتق الله يكن معه ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهادي الذي لا يضل.

وكتب بعض السلف إلى أخ له أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو.

وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [طه :46]

وقول موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) [الشعراء: 62]

قوله ﷺ: “تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة”

الرخاء ضد الشِّدّة، وحال الرخاء يشمل كل أحوال الإنسان الاعتيادية، أما الشدائد فهي عارضة وليست دائمة.

والمعنى: أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه.

وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه (ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) وفي رواية: (ولئن دعاني لأجيبنه)[36]

فالمسلم يلجأ إلى الله تعالى في أحواله كلها؛ في سرَّائه وضرَّائه، وشدَّته ورخائه، وصحته وسقمه، فلا يقتصر ذلك في حال الشدة فقط إذ أن ملازمةُ المسلم للطاعة والدعاء حال الرخاءِ، ومواظبته على ذلك في حال السرَّاء سببٌ عظيمٌ لإجابة الدعاء عند الشدائد والمصائب والكُرَب والبلاء.

 وقد جاء في الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فلْيُكثِر الدعاءَ في الرخاء)[37]

وقد ذمَّ الله في مواطن كثيرة من كتابه العزيز من لا يلجأون إلى الله ولا يُخلصون الدِّين إلاَّ في حال شدَّتهم، أمَّا في حال رخائهم ويُسرهم وسرَّائهم، فإنَّهم يُعرضون وينسون ما كانوا عليه “

يقول الله تعالى﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ  كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يونس: 12]  وقال :﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ  قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا  إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8]

فهي تدلُّ دلالة واضحة على ذمِّ مَن لا يعرف الله إلاَّ في حال ضرَّائه وشدَّته، أمَّا في حال رخائه فإنَّه يكون في صدود وإعراض ولَهوٍ وغفلة وعدم إقبال على الله تبارك وتعالى.

 فالواجبَ على المسلم أن يُقبلَ على الله في أحواله كلِّها في اليُسرِ والعُسرِ، والرخاءِ والشدِّةِ، والغنى والفقرِ، والصحةِ والمرضِ، ومَن تعرَّف على الله في الرخاء عرفه الله في الشدَّة، فكان له معيناً وحافظاً ومؤيِّداً وناصراً.

قال ابن رجب رحمه الله: “معرفة العبد لربه نوعان:

أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين.

والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله عز وجل”.
وقال أحمدُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ: “أحبُّ أنْ لا أموتَ حتّى أعرفَ مولاي”.
ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان:

معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]   وقال، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم: 32]

والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكى عن ربِّه) ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فلئن سألني، لأُعطِيَنَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) [38]

مقارنة بين يونس وهو في بطن الحوت وفرعون وهو يغرق:

إن معرفة الله والإيمان به وتعظيمه ليست شيئًا طارئًا يلجأ إليه الإنسان لينقذ نفسه من الهلكة، كما فعل عدو الله فرعون حينما أدركه الغرق، فلجأ إلى الله وقال:
﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس: 90)

فيجيبه الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس: 91–92)

ومن الملفت للنظر أن كلمة ﴿آلْآنَ﴾ في قراءة حفص فيها مدٌّ لازم بمقدار ست حركات، كأن فيها توبيخًا: أفي هذا الوقت فقط تذكّرت أن لك إلهًا تؤمن به؟

أما سيدنا يونس عليه السلام، حينما ابتلعه الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87)

فلماذا قُبِلَت هذه الكلمة من يونس، ولم تُقبل من فرعون، مع أن كليهما قال كلمة التوحيد في الشدة؟

الجواب:

  • أن فرعون لم يعرف الله قبل المحنة، فلم تنفعه عند المحنة.
  • أما يونس عليه السلام، فقد عرف الله قبل المحنة، فلما جاءت المحنة نفعته هذه الكلمة.
  • فرعون قال بكبر وغرور: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: 24)
  • أما يونس، فنادى وهو مكظوم بالتوحيد والتوبة والخضوع.
  • أن يونس قال: «لا إله إلا أنت»، فخاطب الله مباشرة، وكأنه حاضر بقلبه مع ربه.
  • أما فرعون فقال: «لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل»، فجاء بصيغة الغائب، مما يدل على ضعف اليقين وعدم تحقق المعرفة.
  • فقُبِلَت كلمة التوحيد من يونس لأنه كان من المسبّحين.
  • ولم تُقبل من فرعون لأنه لم يكن كذلك.
  • ففرعون قالها ليتخلص من الغرق، لا عن إيمان صادق سابق.

قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة:

قصّ النبي ﷺ خبر ثلاثة من بني إسرائيل آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت عليهم صخرة عظيمة فأغلقت فم الغار، فأصبحوا في كرب شديد، لا يستطيعون الخروج، ولا يسمعهم أحد، ولا يقدرون على دفع الصخرة.

فلم يجدوا وسيلة للنجاة إلا أن يتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم في الرخاء.

فدعا الأول ببرّه لوالديه، إذ كان لا يقدم عليهما أحدًا، حتى إنه جاء يومًا بلبن فوجدهما نائمين، وأطفاله يبكون من الجوع عند قدميه، فلم يوقظهما، ولم يطعم أبناءه قبلهما، بل انتظر حتى استيقظا، ثم سقاهما، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

ودعا الثاني بعفته وخوفه من الله، إذ تمكن من امرأة كان يحبها، فلما همّ بها قالت: «اتق الله»، فتركها لله، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه..

ودعا الثالث بأمانته، إذ استأجر أجيرًا فلم يأخذ أجره، فاستثمره له حتى صار مالًا كثيرًا، فلما جاءه الأجير أعطاه كل المال، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فاستجاب الله لهم، وانفرجت الصخرة، وخرجوا يمشون.[39]

الله أكبر، صدق رسول الله ﷺ حين قال: (تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) 

قوله: (وأنَّ النصرَ مع الصبرِ)

معناه عند أهل العلم أوسع من أن يكون خاصًّا بنصر الحرب فقط؛ بل يشمل النصر على العدو الظاهر، والنصر على العدو الباطن وهو النفس والهوى والشيطان، وقد نص ابن رجب على أن هذا يشمل «الجهادين»: جهاد العدو الظاهر وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما نُصِر وظفر، ومن جزع قُهر وصار أسيرًا لعدوه.

فالنصر من الله على أعداء الدين والدنيا إنما يكون مع الصبر على الطاعة وعن المعصية، فالصبر والنصر متلازمان، والثاني ثمرة الأول.

 وقرر ابن القيم المعنى نفسه بعبارة قوية فقال إن الصبر والنصر أخوان شقيقان .

وهذا المعنى يشهد له القرآن نصًا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

فالنصر ليس ثمرة الحماس المجرد، ولا كثرة العدد وحدها، ولا مجرد تمنِّي التمكين، بل هو ثمرة صبرٍ على أمر الله، وصبرٍ عن معصيته، وصبرٍ على أقداره المؤلمة، ولهذا كان نصر الله ليوسف عليه السلام بعد صبره، وكان موسى عليه السلام ومن معه بعد طول الابتلاء هم المنصورين، وكان نبينا ﷺ في مكة والمدينة يربّي أصحابه على الصبر قبل التمكين. ومعنى «مع» هنا معيةُ اقتران ووعد، أي أن النصر يسير في طريق الصابرين، لا أنه ينفصل عنهم.

وقوله ﷺ: «وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»

«الكرب» هو الشدة التي تضيق بها النفس ويشتد معها الهم وتبلغ الحال مبلغ الضيق. فالنبي ﷺ لم يقل فقط إن الفرج يأتي بعد الكرب، بل قال: «مع الكرب»، ليغرس في القلب أن أبواب الفرج قد تُفتح في أثناء الشدة نفسها، وأن ساعات الانكشاف تبدأ من داخل لحظات الاختناق، لا بالضرورة بعد انتهائها بزمن طويل. فالفرج يحصل سريعًا فلا يدوم معه الكرب، وهذا معناه أن الواجب على من نزل به البلاء أن يصبر ويحتسب ويحسن الظن بربه.

 وذكر ابن رجب أن من لطائف اقتران الفرج بالكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى حصل للعبد اليأس من المخلوقين، فتعلق قلبه بالله وحده، وهذا من أعظم أسباب الفرج؛ لأن صدق الافتقار إلى الله من أقوى أبواب الإجابة والكشف.

 

فالمؤمن إذا ضاقت به الأسباب وتكسرت في يده الوسائل لا ينظر إلى انسداد الأبواب، بل ينظر إلى رب الأبواب.

وأما قوله ﷺ: «وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»

فهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

و«العسر» جاء معرفًا بالألف واللام في الموضعين، وقال «يسرًا» نكرة في الموضعين، وهذا معنى الأثر المشهور «لن يغلب عسرٌ يسرين»، لأن العسر المعرف هو واحد مكرّر، وأما اليسر المنكَّر فكل واحد منهما غير الآخر.

والقاعدة تقول: الاسم إذا تكرر معرفًا فالثاني هو الأول غالبًا، وإذا تكرر منكّرًا فالثاني غير الأول غالبًا، فصار في الآيتين عسر واحد ويسران.

لكن ينبغي أن يُفهم هذا الفهم على وجهه الصحيح؛ فليس المراد أن كل عسر يزول فورًا، ولا أن المؤمن لا يذوق ألمًا، بل المراد أن الله جعل في أثناء العسر ألطافًا خفية، ومع العسر فتحًا قريبًا أو لطفًا يهوِّن البلاء أو ثوابًا يعظم به الأجر أو مخرجًا لم يكن محتسبًا. ولهذا قال العلماء إن «مع» هنا على بابها في الأصل، أي المصاحبة؛ لأن أوائل اليسر قد تبدأ قبل تمام انقضاء العسر، فكم من بلاء في ظاهره ضيق وفي باطنه تربية، وكم من محنة خرج منها صاحبها بإيمان أرسخ وقلب أصفى ودعاء أصدق وتعلقٍ بالله لم يكن عنده قبلها.

وخلاصة كلام العلماء في هذا الموضع أن الجمل الثلاث مرتبة ترتيبًا بديعًا.

  • فـ «النصر مع الصبر» قاعدة العمل والمواجهة.
  • و«الفرج مع الكرب» قاعدة الرجاء عند اشتداد البلاء.
  • و «مع العسر يسرًا» قاعدة اليقين الدائم التي تمنع القنوط وترد القلب إلى حسن الظن بالله.

 فكأن النبي ﷺ يقول للمؤمن: إذا طال الطريق فاصبر، وإذا اشتدت الشدة فانتظر الفرج، وإذا رأيت العسر مطبقًا من كل جهة فاعلم أن الله قد قرن به يسرًا لا ينفك عنه.

أهم ما يستفاد من الحديث:

  1. حفظ حدود الله سبب لحفظ العبد؛ فمن حفظ أوامر الله ونواهيه حفظه الله في دنياه وآخرته.
  2. الجزاء من جنس العمل قاعدة عظيمة، فمن حفظ الله حفظه، ومن ضيّعه ضيّعه الله.
  3. حفظ الله يشمل الدين والدنيا، وأعظم الحفظ أن يحفظ العبد على الإيمان حتى الموت.
  4. الحفظ الدنيوي يشمل البدن والأهل والمال، وقد يكون بطرق خفية لا يشعر بها العبد.
  5. من أعظم الحفظ حفظ القلب من الانحراف، وذلك بالوقاية من الشبهات والشهوات.
  6. صلاح العبد يمتد أثره لذريته، فيحفظ الله الأبناء بسبب صلاح الآباء.
  7. الدعاء هو لبّ العبادة وروحها، لأنه يجمع الذل والخضوع والتعلق بالله.
  8. يجب على المؤمن سؤال الله وحده، فلا يُسأل غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو.
  9. الاستعانة بالله في كل الأمور؛ فلا يتم عمل إلا بعون الله وتوفيقه.
  10. الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من كمال التوكل على الله.
  11. التعلق بالأسباب خلل في العقيدة، لأن الأسباب لا تنفع إلا بإذن الله.
  12. يجب أن يتعلق القلب بالله لا بالناس، فالناس أسباب والله هو المسبب.
  13. الخلق لا يملكون نفعًا ولا ضرًا استقلالًا، وإنما ينفعون ويضرون بما قدّره الله.
  14. الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة، ويزيل الخوف من المستقبل والناس.
  15. اليقين بالله يعطي قوة داخلية عظيمة تجعل العبد ثابتًا أمام الفتن.
  16. اليقين يحرر القلب من القلق والاضطراب، لأنه يعلم أن الأمور بيد الله.
  17. اليقين يمنع التذلل للمخلوقين؛ فيعيش العبد بعزة واستغناء.
  18. النصر مرتبط بالصبر ارتباطًا وثيقًا، فلا يتحقق نصر بدون صبر طويل.
  19. الصبر يشمل كل جوانب الحياة؛ صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى البلاء.
  20. اشتداد البلاء علامة قرب الفرج، لأن الله يجعل بعد الضيق سعة.
  21. العسر لا يأتي إلا ومعه يسر، فهما مقترنان لا ينفصلان.
  22. الشدة تقطع التعلق بالمخلوقين، وتجعل القلب متعلقًا بالله وحده.
  23. الدعاء في الرخاء سبب للإجابة في الشدة؛ فمن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة.
  24. الصبر واجب على كل مؤمن، أما الرضا فمستحب وهو درجة أعلى.

[1] سنن الترمذي في (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في حفظ الله تعالى، حديث رقم 2516)، وأخرجه مسند أحمد بن حنبل في (مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حديث رقم 2669 و2803)، وأخرجه المستدرك على الصحيحين لـ الحاكم النيسابوري (1/528)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم النيسابوري: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته (حديث رقم 7957)، وأما الرواية الأخرى فهي في مسند أحمد بن حنبل (حديث رقم 2803)، وفي شعب الإيمان لـلبيهقي (حديث رقم 10194)، وقال الألباني: صحيح، كما في ظلال الجنة في تخريج السنة (حديث رقم 315)، وله شواهد تقويه.

[2] تفسير الطبري في تفسير قوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (سورة الرعد: 11). (ج 13 ص 463، طبعة دار هجر

[3] سنن أبي داود في (كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، حديث رقم 5074)، وأخرجه ابن ماجه في (كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، حديث رقم 3871)، وقال الألباني: حديث صحيح، كما في صحيح أبي داود (حديث رقم 5074) وصحيح ابن ماجه (حديث رقم 3871).

[4] ذكر هذه الآثار ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (الحديث التاسع عشر: احفظ الله يحفظك، ص 464–465، طبعة الرسالة.

[5] تفسير الطبري في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (سورة الكهف: 82) (ج 15 ص 398، طبعة دار هجر)

[6] مسند أحمد بن حنبل في (مسند أبي هريرة رضي الله عنه) (ج 2 ص 211، طبعة مؤسسة الرسالة) عن أبو هريرة رضي الله عنه أن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: «ركبت البحر فانكسرت السفينة، فخرجت على لوح من ألواحها حتى ألقتني إلى أجمة فيها أسد، فلما رآني الأسد أقبل إليّ، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ، فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ثم همهم كأنه يودعني»، وأخرجه المستدرك على الصحيحين لـ الحاكم النيسابوري (ج 3 ص 606) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (حديث رقم 304).

[7] ذكرها ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها (ص 276–277، طبعة دار الفكر) في خبر تأسيس القيروان، وذكر نحوها ابن عذاري المراكشي في البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (ج 1 ص 24)، وأوردها ابن الأثير في الكامل في التاريخ (ج 3 ص 18)، وذكرها النويري في نهاية الأرب في فنون الأدب (ج 24 ص 32) بنحوها.

[8] صحيح البخاري في (كتاب الدعوات، باب إذا أوى إلى فراشه، حديث رقم 6320)، وأخرجه صحيح مسلم في (كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم، حديث رقم 2714)

[9] صحيح ابن حبان في (كتاب الرقائق، باب الدعاء بالحفظ في الأحوال كلها، حديث رقم 961 – الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) وفي مسند أحمد بن حنبل (ج 1 ص 25)، وقال الألباني: إسناده ضعيف، كما في ضعيف الترغيب والترهيب (حديث رقم 600)، لوجود ضعف في بعض رواته، إلا أن معناه صحيح.

[10] مصنف ابن أبي شيبة في (كتاب الفتن، باب ما ذكر في ذلّ المعصية، ج 7 ص 126، طبعة الرشد) عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فُتحت قبرص، فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم؟ فقال: «ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، إذ عصوا الله فصاروا إلى ما ترى»، وفي حلية الأولياء لـأبي نعيم الأصبهاني (ج 1 ص 220) بنحوه، وإسناده حسن إلى أبي الدرداء رضي الله عنه.

[11] سنن أبي داود في (كتاب الصلاة، باب الدعاء، حديث رقم 1479)، وأخرجه الترمذي في (كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، حديث رقم 2969) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي محمد ﷺ أنه قال: «الدعاء هو العبادة»، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (حديث رقم 2969)، وأما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ «الدعاء مخ العبادة» فأخرجه الترمذي (حديث رقم 3371)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (حديث رقم 3371)، وفي إسناده ضعف.

[12] سنن الترمذي في (كتاب الدعوات، باب ما جاء في رفع اليدين، حديث رقم 3556) وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه حديث رقم 3120.

[13] سنن الترمذي في (كتاب الدعوات، باب ما جاء في كراهية ترك الدعاء، حديث رقم 3373)، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (حديث رقم 3373.

[14] سنن الترمذي (كتاب الدعوات، حديث رقم 3604)، وقال الترمذي: غريب، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته حديث رقم 4937.

[15] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني (الجزء الثاني، ص 192).

[16] صحيح البخاري (حديث رقم 2992) وصحيح مسلم (حديث رقم 2704).

[17] سنن الترمذي في (كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة البقرة، حديث رقم 2969) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وذكره ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (ج 1 ص 219)، وقال: في إسناده نظر.

[18] سنن الترمذي في (كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر، حديث رقم 3383)، وقال الترمذي: حديث حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (حديث رقم 3383)

[19] بدائع الفوائد ج 3 ص 6–10، طبعة الكتاب العربي باختصار يسير.

[20] جامع العلوم والحكم الحديث التاسع عشر، ص 459–461

[21] صحيح مسلم في (كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، حديث رقم 2664)

[22] صحيح البخاري في (كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، حديث رقم 844)، وأخرجه مسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، حديث رقم 593)

[23] زاد المعاد في هدي خير العباد ج 4 ص 171

[24]  مدارج السالكين 2/397

[25] سنن الترمذي في (كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء، حديث رقم 3502)

[26] حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (ج 2 ص 87) في ترجمته، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (ج 3 ص 212) بنحوه

[27] سنن أبي داود في (كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح، حديث رقم 4950)، وقال الألباني: حديث حسن، كما في صحيح أبي داود (حديث رقم 4950).

[28] صحيح البخاري في (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، حديث رقم 4563)

[29] صحيح البخاري في كتاب الجهاد والسير (باب من علق سيفه بالشجر في السفر، حديث رقم 2910)، وصحيح مسلم في كتاب الفضائل (باب توكله ﷺ على الله، حديث رقم 843)

[30] صحيح البخاري في كتاب المغازي (باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، حديث رقم 4101)

[31] صحيح مسلم في كتاب القدر (باب في الأمر بالقوة وترك العجز، حديث رقم 2664)

[32] جامع العلوم والحكم1/484

[33] صحيح مسلم في كتاب القدر (باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، حديث رقم 2653)

[34] صحيح مسلم في كتاب القدر (حديث رقم 2647)

[35] سنن الترمذي في كتاب القدر (حديث رقم 2155)، وسنن أبي داود (حديث رقم 4700)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 2017).

[36] صحيح البخاري في كتاب الرقاق (باب التواضع، حديث رقم 6502)

[37] سنن الترمذي في كتاب الدعوات (حديث رقم 3382)، وقال الترمذي: حديث حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم 6290).

[38] جامع العلوم والحكم1/473

[39]صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب: برّ الوالدين، حديث رقم 5974، وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الدعاء والتوسل إلى الله بصالح الأعمال، حديث رقم 2743.

 

Visited 237 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي