صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الأربعين النووية 20- إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

تاريخ الإضافة 8 أبريل, 2026 الزيارات : 18253

20- إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري[1] رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت” رواه البخاري.[2]

شرح الحديث

قول النبي ﷺ: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) 

دليل على أن الجملة الواردة هي من مأثور كلام الأنبياء السابقين من غير تحديد نبي معين، وأنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب قومه إلى الحَيَاء.

هل الصواب (لم تستحي) (بالياء) أم (لم تستح) بالحاء فقط مع حذف حرف العلة (الياء)؟

الفعل “استحيا”، مضارعه “يستحيي” بياءين، وعند جزم المضارع نحذف الياء الأخيرة فنقول: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”، واستعمل الفعل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: 26]

واستعمل ماضيه في الحديث الشريف في قوله ﷺ: “فقال: ارجع إلى ربك، فقلت: قد استحييت من ربي”[3] ولم يقل “استحيت”، ويجوز تخفيفا أن نقول “استحى” و”يستحي”، فيكون المجزوم “لم يستح” على أنه فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه: حذف حرف العلة، وبكلا الفعلين جاء الحديث مرويا.

ما هو الحياء؟

الحياء في اللغة هو الحشمة، ضد الوقاحة، وهو مشتق من الحياة، ولذا قال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه، وقالوا: أكمل الناس حياة أكملهم حياء.

وشرعا: هو صفة وخلق يكون في النفس، فيبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق كل ذي حق.
وقيل هو: تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوف ما يُعَاب به ويُذَمُّ، ومحلُّه الوجه.

 قال ابن القيِّم: (خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصَّة الإنسانيَّة، فمَن لا حياء فيه، فليس معه مِن الإنسانيَّة إلَّا اللَّحم والدَّم وصورتهما الظَّاهرة، كما أنَّه ليس معه مِن الخير شيء)[4]

 ما الفرق بين الحياء والخجل؟

الخجل يعرّفه علماء النفس بأنه: ارتباك نتيجة موقف، كسؤال المعلم للطالب؛ فتجد الطالب يخجل ولا يستطيع عرض رأيه بوضوح، فالخجل ناتج عن جبن أو خوف؛ فالشخصية الخجولة شخصية ضعيفة.

أما الحياء فعكس ذلك تماما، لأن الحياء ناتج عن شخصية قوية، تستشعر قيمتها فهي كريمة تستعلي أن تفعل القبائح، ولهذا يُقَال: فلانٌ يستحي في هذا الحال أن يفعل كذا، ولا يقال: يخجل أن يفعله في هذه الحال؛ لأنَّ هيئته لا تتغيَّر منه قبل أن يفعله، فالحياء حفاظ على المكانة والعزة ومكارم الاخلاق، فيمنع صاحبه من الدناءة والكذب وأكل الحرام ومن اللفظ البذيء.

والخَجَل ممَّا كان والحَيَاء ممَّا سيكون.

 إذن الحياء محمود، أما الخجل فهو غير محمود.

الحياء نوعان من حيث المصدر:
الأول: حياء طبيعي يخلقه الله ويوجده في جبلة العبد بحيث ينشأ من الصغر متصفا بالحياء؛ فيجتنب القبيح، ويفعل الحسن بلا تكلف، وهو قليل في الناس، وصاحبه يحميه الله من الصبوة، والمعاصي منذ نعومة أظفاره؛ كحال نبينا محمد ﷺ، وهذا من أجمل الأخلاق، ولهذا قال النبي ﷺ: (الحياء لا يأتي إلا بخير)[5]

الثاني: حياء مكتسب وهو الذي يتخلق المرء به، ويكتسبه بالتعلم، والتربية، والمجاهدة، والمصابرة، والتفكر، ولم يكن الحياء من خلقه، وهذا حال كثير من الناس لم يعرفوا بالحياء في نشأتهم ثم تعرفوا عليه، وربوا أنفسهم، ودربوها على الحياء، ثم تخلقوا به، وهذا من خصال الإيمان.

وقد أوصى النبي ﷺ رجلا فقال: (أُوصيكَ أنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ كما تَسْتَحِي رجلًا من صالحي قومك)[6]

  قوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ورد في تفسيرها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه ليس على سبيل الأمر وإنما هو على سبيل الذم والنهي عنه.

  ولهم وجهان في تفسير هذا القول:

الوجه الأول: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد وله نظائر في القرآن، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40] والمعنى إذا لم يكن عندك حياء فاعمل ما شئت والله مجازيك على فعلتك.

الوجه الثاني: أنه أمر بمعنى الخبر

والمعنى: من لم يكن عنده حياء فعل كل ما يستنكر، ومن كان عنده حياء منعه عن كل قبيح؛ كما جاء في الحديث: (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)[7] أي فقد تبوأ مقعده، وهذا اختيار الإمام أحمد.

وكلا الوجهان جائزان في اللغة إلا أن الثاني هو الأقرب والأكثر استعمالا.

والقول الثاني: أن الحديث أمر على ظاهره يفعل المؤمن ما يشاء من قول وتصرف إذا كان لا يستحي من فعله عادة لا من الله ولا من خلقه فيفعله، ولا يضره كلام الناس إذا كان من أفعال الطاعات وجميل الأخلاق.

والقول الأول أصح في تفسر الحديث لأن المقصود التنفير والتحذير من ترك الحياء وبيان أثر ذلك في أخلاق المؤمن.

فضل الحياء:

والحياء من العبد ممدوح في كل حال، وفي كل أمر، وقد كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها؛ يعرف فرحه، وغضبه، واستبشاره، وكراهيته في وجهه الشريف، فلا يذم الحياء من العبد، ولو هضم حقه، وانتقصه الناس، ولذلك ورد في الصحيحين: (أن النبي ﷺ مر على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحيي كأنه يقول قد أضر بك فقال رسول الله ﷺ دعه فإن الحياء من الإيمان)[8]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستُّون- شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلَّا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق. والحياء شعبة مِن الإيمان) رواه مسلم[9]

معنى قوله(الحَيَاء شعبة مِن الإيمان) أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان، وإنَّما أفرد صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الخصلة مِن خصال الإيمان في هذا الحديث، وخصَّها بالذِّكر دون غيرها مِن باقي شعب الإيمان؛ لأنَّ الحَيَاء كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب، فإنَّ صاحب الحَيَاء يخاف فضيحة الدُّنْيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلمَّا كان الحَيَاء كالسَّبب لفعل باقي الشُّعب؛ خُصَّ بالذِّكر ولم يذكر غيره معه.

وفي الصحيحين أيضا قول النبي ﷺ قال: (الحياء لا يأتي إلا بخير)[10]

معناه أنَّ مَن استحيا مِن النَّاس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعيةٌ له إلى أن يكون أشدَّ حياءً مِن ربِّه وخالقه، ومَن استحيا مِن ربِّه فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه.

والحياء يدعو لكل خير وعاقبته حسنة في الدنيا والآخرة، لأنه يلزم صاحبه فعل كل ما هو جميل، ويصونه عن مقارفة كل قبيح، ومبعث هذا الحياء هو استشعار العبد لمراقبة الله له، ومطالعة الناس إليه، فيحمله ذلك على استقباح أن يصدر منه أي عمل يعلم منه أنه مكروه لخالقه ومولاه، ويبعثه على تحمّل مشقة التكاليف؛ ومن أجل ذلك جاء اقتران الحياء بالإيمان في غير ما موضع من النصوص الشرعية، في إشارة واضحة إلى عظم هذا الخلق وأهميته.

وإذا ترك العبد الحياء كله ذهب إيمانه وارتكب المحرمات وترك الفضائل لخلو قلبه من مهابة الله ومهابة الناس وإذا نقص حياؤه نقص إيمانه وبره بقدر ما نقص من حيائه والناس في هذا الباب مقل ومكثر.

صور الحياء

من صور الحياء المحمود:

1– الحياء من الله:

 وذلك بالخوف منه ومراقبته، وفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه، وأن يستحي المؤمن أن يراه الله حيث نهاه، وهذا الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي والآثام؛ لأنه مرتبط بالله يراقبه في حله وترحاله.

2- الحياء من الملائكة:

المقصود بالحياء من الملائكة أن المؤمن إذا استحضر أن معه ملائكةً كرامًا كتب الله عليهم أن يلازموه، ويكتبوا أقواله وأعماله، فإنه يستحي أن يروه على حالٍ قبيحة، أو يسمعوا منه كلامًا فاحشًا، أو يكتبوا عليه ما يسوؤه يوم القيامة.

 فهذه المرتبة من الحياء تنشأ من تعظيم ما عظّمه الله، لأن هؤلاء الملائكة عبادٌ مكرمون، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10-12] فإذا تذكّر العبد هذا المعنى صار أكثر محافظةً على ألفاظه، وأشدَّ احترازًا من القبائح، وأبعدَ عن التبذل وكشف العورات بغير حاجة، وأشدَّ مراقبةً لنفسه في خلوته وجلوتِه، وهذا النوع من الحياء يعين على تزكية النفس؛ لأن بعض الناس قد يضعف استحياؤه من الخلق إذا خلا، لكن إذا تذكر أن خلوته ليست خلوةً حقيقة، وأن الله مطلع عليه، وأن الملائكة تكتب عليه، قوي عنده الورع، وابتعد عن الذنوب الخفية؛ فالحياء من الملائكة مرتبة نافعة، لكن فوقها وأعظم منها الحياء من الله نفسه، لأن الملائكة إنما هم شهود وكتبة بأمره سبحانه.

3– الحياء من الناس:

وهو دليل على مروءة الإنسان؛ فالمؤمن يستحي أن يؤذي الآخرين سواء بلسانه أو بيده، فلا يقول القبيح ولا يتلفظ بالسوء، ولا يطعن أو يغتاب أو ينم، وكذلك يستحي من أن تنكشف عوراته فيطلع عليها الناس، ومن الحياء أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم ومراتبهم، فيؤتي كل ذي فضل فضله، فالابن يوقر أباه، والتلميذ يحترم المعلم، والصغير يتأدب مع الكبير. فلا يسوغ أن يرفع فوقهم صوته، ولا أن يجعل أمامهم خطوة.

ومن تمام الحياء أن يدع المرء ما يستهجنه الناس مما سكت عنه الشرع لأنه من المروءة؛ أي أن هناك أفعالًا قد لا تكون محرمة في أصل الشرع، لكن أهل الفضل والاستقامة يستقبحونها ويرونها من خوارم المروءة ونقص الأدب، فتركها يكون من كمال الحياء وحسن السمت، لا لأن الشرع نص على تحريمها، ولكن لأن المؤمن لا يطلب مجرد السلامة من الحرام فقط، بل يطلب أيضًا كمال الأدب وجمال الهيئة وحسن الذكر بين الناس. فمثلًا قد يفعل الإنسان أمرًا مباحًا، لكن طريقته فيه فيها ابتذال أو إسفاف أو سقوط هيبة، فيتركه حياءً وصيانةً لنفسه.

فهذا داخل في المروءة، وهي حفظ النفس عما يشينها عند أهل الدين والعقل، لكن هذا مقيد بقيد مهم، وهو أن يكون الشيء مما يستهجنه أهل الفضل والاستقامة، لا أهواء الناس الفاسدة؛ لأن بعض الناس قد يستهجنون الطاعة نفسها أو يستغربون التمسك بالدين، فهذا لا يُلتفت إليه.

4- تجنب مواطن الشبهات:

ومن الحياء من الناس أن يتجنب المرء المواطن التي يستحيا منها؛ أي أن صاحب الحياء لا يكتفي بترك القبيح نفسه، بل يبتعد أيضًا عن الأماكن والأحوال والملابسات التي تجر عليه التهمة أو تعرضه لمواضع الريبة أو تجعله في صورة غير لائقة، لأن الحياء الحقيقي يجعل الإنسان حذرًا من كل ما يجرح عرضه أو يضعه في موضع يعتذر منه، فمثلًا لا يكثر من الجلوس في أماكن اللهو، والاختلاط المشبوه، ولا يدخل في تصرفات قد تُفهم فهمًا سيئًا، ولا يعرّض نفسه لمواطن الشبهة ثم يقول: أنا لم أفعل حرامًا، بل من كمال حيائه أن يصون نفسه قبل الوقوع في التهمة، كما قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه-: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره ولو كان عندك اعتذاره.

وقال الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي **** ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء

5- حياء المرأة المسلمة:

 قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص: 25]، وهذه الآية تتحدَّث عن حياء الابنة، حين جاءت إلى موسى عليه السَّلام تدعوه إلى أبيها ليجزيه على صنيعه، فجاءت إليه تمشي على استحياء، وتأمل قوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} وكأن الحياء قد تمكن منها، وتمكنت منه، وهو تعبير قرآني يصور حالة المرأة وما هي عليه من أدب جم، وخلق فاضل، وسمت كريم، وأعظم ما في خلق المرأة حياؤها، وهكذا تكون المرأة المسلمة.

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أدخل بيتي، الذي دُفِنَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي، فأضع ثوبي، فأقول إنَّما هو زوجي وأبي، فلمَّا دُفِنَ عمر معهم، فو الله ما دخلت إلَّا وأنا مَشْدُودَةٌ عليَّ ثيابي؛ حَيَاءً مِن عمر) [11]

وحجاب المسلمة وحياؤها من أعظم ما تتحلى به، وله أثر عظيم في صلاح أقوالها وأفعالها وتصرفاتها، وإذا تسلحت به خفضت صوتها، ولم تزاحم الرجال حياء من الله، وغلب عليها الستر والعفاف، وربما تركت شيئا من مصالحها من الحياء، كحال نساء السلف المتعففات العابدات.

 وإذا تركت المرأة الحياء فسد طبعها، وقل سترها، وبرزت للرجال، وظهرت مساوئها، وتشبهت بالرجل؛ كحال كثير من نساء الزمان اللاتي يكثرن من مخالطة الرجال، ويظهرن زينتهن للأجانب، ولا يتحرجن عن كل ما يخدش الحياء، وقوة المرأة، وعزها، وجمالها في التحلي بالحياء، وضعف المرأة، وذلها، وقبحها في ترك الحياء؛ لا كما يظنه السفهاء وأهل الفتنة.

ومن صور الحياء المذموم:

1- الحياء في طلب العلم:

إذا تعلق الحياء بأمر ديني، يمنع الحياء من السؤال فيه أو عرضه في تعليم أو دعوة، فإن مما ينبغي حينها، رفع الحرج، ومدافعة هذا الحياء الذي يمنع من التحصيل العلمي أو الدعوة إلى الله سواء عند الرجال أو النساء.

وعن أم سليم رضي الله عنها (جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة -تعني وجهها- وقالت: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟! قال: نعم، تربت يمينك، فيم يشبهها ولدها) [12]

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)[13]

وعن مجاهد، قال: (إن هذا العلم لا يتعلمه مستح ولا متكبر)

2- الحياء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

والبعض يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحجة الحياء من الناس؛ وهذا قصور في الفهم، وخطأ في التصوّر؛ لأن الحياء لا يأتي إلا بخير، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: 53]، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سمة من سمات هذه الأمة، كما قال عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110]

والنبي ﷺ على شدة حيائه، كان إذا كره شيئا عُرف ذلك في وجهه، ولم يمنعه الحياء من بيان الحق، وكثيرا ما كان يغضب غضبا شديدا إذا انتُهكت محارم الله، ولم يخرجه ذلك عن وصف الحياء، ويتبين ذلك في موقفه مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حينما أراد أن يشفع في حد من الحدود، فلم يمنعه حياؤه صلى الله عليه وسلم من أن يقول لأسامة في غضب: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) [14]

عمر والمرأة

وخطب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مرة فعرض لغلاء المهور، فقالت له امرأة: أيعطينا الله، وتمنعنا يا عمر؟ الم يقل الله عز وجل: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها، ولم يمنع عمر أن يقول معتذرا: كل الناس أفقه منك يا عمر

من مظاهر قلة الحياء

 1- المجاهرة بالذنوب والمعاصي وعدم الخوف من الله:

في الصحيحين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه»، وهو حديث صحيح متفق عليه.»[15]

2- التلفظ بالألفاظ البذيئة والسيئة التي تجرح الآخرين:

في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه – أو ودعه الناس – اتقاء فحشه».[16]

 وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». [17]

 وعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ««إياكم والظلم، فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش؛ فإن الله لا يحب الفاحش والمتفحش، وإياكم والشح؛ فإن الشح دعا من كان قبلكم؛ فسفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم»[18]

 3– كلام الرجل مع غيره بالأسرار الزوجية والأمور الخاصة التي تحصل بينه وبين زوجته:

فمن قلة الحياء إفشاء ما يجري بين الزوجين حال الوقاع، فإن إفشاء ما يقع بين الرجل وزوجته حال الجماع أو ما يتصل بذلك حرام منهي عنه:

  فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) [19]

 وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الرجال فقال: «هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟ قالوا: نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك فيقول فعلت كذا، فعلت كذا؟ قال: فسكتوا، قال : فأقبل على النساء ، فقال : هل منكن من تحدث ؟

فسكتن، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليراها ويسمع كلامها فقالت: يا رسول الله إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثن فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ فقال: إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانا في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه) [20]

 4- كشف العورات وعدم سترها.

عن بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا نبي الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا يراها أحد فلا ترينها»، قال: قلت: يا نبي الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «فالله أحق أن يستحيا منه من الناس» [21]

5- إيذاء الناس؛ في دينهم وفي طرقاتهم:

كرمي الزبالة في الطرقات، أو التبول والتغوط في الطرقات وأماكن جلوس الناس في المتنزهات، في صحيح مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «اتقوا اللعانين». قالوا وما اللعانان يا رسول الله قال «الذى يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم»[22]

خطورة ترك الحياء:

لما ترك كثير من الناس الحياء وفضائل الأخلاق صاروا لا يبالون من ارتكاب قبائح الأمور والمجاهرة بها في المجتمع وانتشر في كثير من المجتمعات المسلمة إظهار الفواحش والمنكرات، وقل الناصح، والمغير من قبل المسؤولين وولاة الأمر، وهذا سببه ضعف الإيمان، والافتتان بحب الدنيا، وطول الأمل، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: (من قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه).

 وقد كان المسلمون يغلب عليهم الحياء، ويستترون بالمعاصي تحت رحمة الله وعفوه، وكان الحياء يظهر في مجالسهم، وطرقاتهم، وأسواقهم، ولذلك ينبغي على الأولياء أن يربوا أهلهم، وأولادهم على الحياء، وينبغي على العالم، والمعلم مراعاة ذلك في تلاميذه.

الفوائد من الحديث:

  1. عظم مكانة خُلُق الحياء، وأنه خُلُق اتفقت الشرائع على مدحه.
  2. أن الحياء حاجز يمنع العبد من الوقوع في القبيح، فإذا ذهب الحياء تجرأ الإنسان على المعاصي والمنكرات.
  3. أن الحياء يحمل صاحبه على فعل الحسن وترك القبيح، فهو دافع إيجابي للطاعة، وزاجر عن المعصية.
  4. أن الحياء من شعب الإيمان، ولذلك كلما قوي حياء العبد قوي إيمانه.
  5. أن الحياء لا يمنع من طلب العلم، ولا من السؤال عما يحتاج إليه المسلم في دينه.
  6. أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو السكوت عن الحق، ليس من الحياء، بل هو ضعف وجبن.
  7. أن الضابط في الحسن والقبح هو الشرع، لا مجرد أعراف الناس وأهوائهم.
  8. أن الحياء من الله أعظم أنواع الحياء، وهو الذي يحمل العبد على مراقبة ربه وترك ما يكرهه سبحانه.
  9. أن الحياء من الناس إذا كان منضبطًا بالشرع فهو من المروءة ومكارم الأخلاق.
  10. أن من تمام الحياء اجتناب المواطن المشبوهة والأحوال التي يستحيى منها.
  11. أن الحياء كله خير، وعاقبته خير في الدنيا والآخرة، لأنه يجمع لصاحبه محاسن الأخلاق ويصونه عن الدناءات.
  12. أن فقد الحياء من أسباب فساد المجتمعات، وظهور الفواحش، والمجاهرة بالمنكرات.
  13. أن تربية الأولاد والأهل على الحياء من الواجبات التربوية المهمة.
  14. أن الحياء له أثر عظيم في صلاح المرأة وعفافها وسترها، وأن تركه من أسباب الانحراف والفساد.

[1] عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج، وهو مشهور بكنيته، ويعرف بأبي مسعود البدري؛ لأنه رضي الله عنه كان يسكن بدرا، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: إنه لم يشهد بدرا، وهو قول إسحاق، وكان أحدث من شهد العقبة سناً، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد، مات أبو مسعود سنة أربعين، وقيل: إحدى أو اثنتين وأربعين.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء (باب حديث الغار، حديث رقم 3483)، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب (باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت، حديث رقم 6120)

[3] أخرجه البخاري في كتاب الصلاة (باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، حديث رقم 349)، وفي كتاب أحاديث الأنبياء (باب المعراج، حديث رقم 3207)، ومسلم في كتاب الإيمان (باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث رقم 162)

[4] مفتاح دار السعادة (1/277).

[5] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب الحياء، حديث رقم 6117)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضل الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم 37)

[6] أخرجه أحمد في الزهد (ص 41، رقم 248)، وقال أبو حاتم: سعيد بن يزيد لا صحبة له، وقال ابن رجب: ورويناه بإسناد فيه ضعف، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2541) وفي السلسلة الصحيحة (741).

[7] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم (باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 107)، ومسلم في مقدمة صحيحه (باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 3)

[8] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان (باب الحياء من الإيمان، حديث رقم 24)، وفي كتاب الأدب (باب الحياء، حديث رقم 6118)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضل الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم 36)

[9] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان (باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم 35)

[10] سبق تخريجه.

[11] أخرجه أحمد في المسند (25660)، والحاكم في المستدرك (4402) واللفظ لهما باختلاف يسير، من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/40): «رجاله رجال الصحيح»، وذكره الألباني في هداية الرواة (1712) وقال: «صحيح»، وقال في تعليقه: “وهو كما قال؛ فإن له شواهد”.

[12] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم (باب الحياء في العلم، حديث رقم 130)، وفي كتاب الغسل (باب إذا احتلمت المرأة، حديث رقم 282)، ومسلم في صحيحه في كتاب الحيض (باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، حديث رقم 313 و314)

[13] صحيح مسلم في كتاب الحيض (باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم)، حديث رقم 332

[14] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الحدود (باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رُفع إلى السلطان، حديث رقم 6788)، وفي كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (باب مناقب أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حديث رقم 3733)، ومسلم في صحيحه في كتاب الحدود (باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، حديث رقم 1688)،

[15] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب ستر المؤمن على نفسه، حديث رقم 6069)، ومسلم في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق (باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، حديث رقم 2990)، وقد جاء في بعض الروايات بلفظ «المجانة» بدل «المجاهرة»، والمحفوظ في الصحيحين هو لفظ “المجاهرين” و”المجاهرة”

[16] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، حديث رقم 6032، ومسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب (باب مداراة من يتقى فحشه، حديث رقم 2591)

[17] أخرجه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة (باب ما جاء في اللعنة، حديث رقم 1977)، وأحمد في المسند (حديث رقم 3839 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه ابن حبان، وصحح إسناده جماعة من أهل العلم كالعراقي، فهو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه.

[18] أخرجه أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم 2217

[19] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب النكاح (باب تحريم إفشاء سر المرأة، حديث رقم 1437)

[20] أخرجه أبو داود في سننه (2174) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث «هل منكم الرجل إذا أتى أهله…» وصححه الألباني، وضعفه آخرون، فهو مختلف فيه.

[21] أخرجه أبو داود في كتاب الحمام (باب ما جاء في التعري، حديث رقم 4017)، والترمذي في كتاب الأدب (باب ما جاء في حفظ العورة، حديث رقم 2794) وقال: «هذا حديث حسن»، وحسّن إسناده جماعة من أهل العلم، وقال ابن باز: لا بأس به، فسنده حسن.

[22] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة (باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، حديث رقم 269)

Visited 173 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي