الأحاديث القدسية : النهي عن سب الدهر

تاريخ الإضافة 4 أبريل, 2020 الزيارات : 155

الأحاديث القدسية : النهي عن سب الدهر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار) .أخرجه البخاري ومسلم .

وفي لفظ آخر: ” لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر ” ، وفي لفظ آخر : ” لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر ” ، وفي لفظ : ” قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن يا خيبة الدهر فأنا الدهر أقلب الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما ” .

معاني المفردات

يؤذيني: أي: يقول في حقي ما أكرهه، وينسب إليَّ ما لا يليق بجلالي؛ والإيذاء إيصال مكروه إلى الغير، وإن لم يؤثر فيه، وإيذاؤه تعالى عبارة عن فعل ما لا يرضاه”ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: 57]، لكن هذا الإيذاء لا يضره سبحانه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران: 176]، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) (رواه مسلم).

 وأنا الدهر: الدهر هو الزمان، ومعنى لا تسبُّوا الدهر؛ لأنَّ الدهر ليس عنده تصرُّفٌ، المتصرف في الدهر هو الله وحده.

أقلب الليل والنهار: يُقلِّب ليله ونهاره، ويُصرِّف شؤون هذا الدهر بين العباد، فلا يُسبُّ الدهر؛ لأنَّ سبَّ الدهر معناه سبّ للذي يُصرِّف شؤونه .

 يا خيبة الدهر: أي المقصود به الخسران والضياع.

معنى الحديث

قال النووي قال العلماء وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر أي لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى. ومعنى فإن الله هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات. اهـ شرح مسلم ” ( 15 / 3 ) .

حكم سب الدهر :

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -كما فيزاد المعاد” (2/ 323):

وفي سب الدهر (الزمان) ثلاث مفاسد:

أحدهاسبه من ليس بأهل أن يسب؛ فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلل لتسخيره؛ فسابُّه أولى بالذم والسب منه.

الثانيةأن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.

الثالثةأن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم، لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حَمِدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فربُّ الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء؛ فسبهم للدهر مسبة لله عز وجل؛ ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى؛ كما في “الصحيحين” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر)؛ فسابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله، فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله، فقد سب الله.

وقال الشيخ ابن عثيمين : سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : أن يقصد الخبر المحض دون اللوم : فهذا جائز مثل أن يقول ” تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده ” وما أشبه ذلك لأن الأعمال بالنيات واللفظ صالح لمجرد الخبر .

القسم الثاني : أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل كأن يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر : فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا حيث نسب الحوادث إلى غير الله .

القسم الثالث : أن يسب الدهر ويعتقد أن الفاعل هو الله ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة : فهذا محرم لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر ؛ لأنه ما سب الله مباشرة ، ولو سب الله مباشرة لكان كافراً  فتاوى العقيدة ” ( 1 / 197 ) .

إذن فمن منكرات الألفاظ عند بعض الناس أن يلعن الساعة أو اليوم الذي حدث فيه الشيء الفلاني ( مما يكرهه ) فيقولون: “سنة سودة، أو زمن غدار، أو زمن لا يرحم، أو جار عليه الزمان، أو يوم زي الزفت، أو ساعة نحس… وغير ذلك من ألفاظ السب فهو يأثم على اللعن والكلام القبيح وثانيا يأثم على لعن ما لا يستحقّ اللعن فما ذنب اليوم والسّاعة ؟ إنْ هي إلا ظروف تقع فيها الحوادث وهي مخلوقة ليس لها تدبير ولا ذنب ، وكذلك فإنّ سبّ الزمن يعود على خالق الزّمن ، فينبغي على المسلم أن ينزّه لسانه عن هذا الفحش والمنكر .

فعلى الإنسان ألا يلقي التبعة واللوم على الدهر والزمان الذي لا يملك من أمره شيئًا، ولله در الشافعي حيث قال:

نعيبُ زماننا والعيب فينا 

وما لزماننا عيبٌ سوانا 

وقد نهجو الزمان بغير جرمٍ 

ولو نطق الزمان بنا هجانا 

 

 الدهر ليس من أسماء الله تعالى:

غلط ابن حزم – رحمه الله تعالى – ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من أسماء الله الحسنى؛ أخذًا من هذا الحديث؛ فالدهر ليس من أسماء الله؛ ذلك لأن أسماء الله تعالى كلها حسنى؛ أي: بالغة في الحسن أكمله، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى ، وهاكم التفصيل :

أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف :

أعلام باعتبار دلالتها على الذات العلية( الله)

وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني

فـ ” الحي العليم القدير السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم ” كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله سبحانه وتعالى لكن معنى الحي غير معنى العليم غير معنى القدير وهكذا

فكل اسم من أسماء الله الحسنى اسم علم يشتق منه صفة فيشتق من الرحمن صفة الرحمة ومن العليم العلم ومن السميع السمع ….وهكذا

قال تعالى ( وربك الغفور ذو الرحمة ) الكهف : 58

أما بالنسبة للبشر فقد يسمى الرجل حكيماً وهو جاهل ، وكريماً وهو لئيم ، وصالحاً وهو طالح ، وسعيداً وهو شقي ، ومحموداً وهو مذموم

وعندنا أسماء العائلات مثل الطويل فلا يلزم منها الطول لأفراد العائلة ، وهكذا الصغير والقط والجمل!! (أسماء عائلات)

وبهذا أيضاً علم أن “الدهر” ليس من أسماء الله تعالى لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى  ولأنه اسم للوقت والزمن

قال الله تعالى عن منكري البعث : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) الجاثية : 24 يريدون مرور الليالي والأيام 

وأما قوله “وأنا الدهر بيدي الأمر”  فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث لا يريدون الله تعالى  فيكون معنى قوله : ” و أنا الدهر  فسره بقوله : ” بيدي الأمر أقلب الليل والنهار

فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه وقد بين أنه يقلب الليل والنهار وهما الدهر فيكون المعنى على تقدير محذوف هو (وأنا مقلب الدهر)

ولا يمكـن أن يكـون المقلب ( بكسر الـلام ) هـو المقلب ( بفتحها ) أو الفاعل هو المفعول ، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مراداً به الله تعالى

قال ابن الأثير في النهاية (2/144) كان من شأن العرب أن تذم الدهر وتسبه عند النوازل والحوادث فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذم الدهر وسبه أي لا تسبوا فاعل هذه الأشياء فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله لأنه الفعال لما يريد لا الدهر .

توضيح أكثرلو أن رجلا يعمل في شركة ثماني ساعات في اليوم فزادت إدارة الشركة ساعتين بدون أجر زائد ، فسب هذا الرجل قائلا : هذه شركة ظالمة ،أو فاسدة تأكل حقوق العاملين فيها ……..

السؤالهل هو يسب الشركة التي هي عبارة عن بناء وآلات ومكاتب ؟ أم بسب القائمين عليها من مدير وإداريين بسبب هذا الظلم ؟

فالسب هنا واقع على هؤلاء بطريق غير مباشر

إذن فمن الحرمة قول يوم أسود وسنة سوداء وساعة نحس …..الخ

فلا يجوز للمسلم أن يسبَّ الدهر، ولكن يُجاهد نفسه في طاعة الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، فما أصابه من الأذى هو بأسباب أعماله السيئة، لا بأسباب الدهر.

الفرق بين الوصف والسب :

وقد يتساءل البعض : ولكننا نقرأ قوله تعالى (في يوم نحس مستمر ) ونسمع العلماء يدعون (اللهم أرنا في أعدائنا يوما أسودا قبل الممات ) فكيف نوفق بين الآية وما سبق من النهي عن سب الدهر ؟

والجوابأن هذا من قبيل وصف ما جرى في هذا اليوم وليس سبا له فمثلا لو قلت عن فلان أنه أعرج أريد سبه فهذا حرام ، أما إذا قصدت وصفه التعريف به كأن تُسأل عنه فتصفه بفلان الأعرج أو الأعمى فهذا ليس بحرام وقد وصف الله ابن أم مكتوم في القرآن بالأعمى في سورة عبس .

إذن فمعنى نحس اليوم بالنسبة للكفار الهالكين وصف لمآل كفرهم لا إلى ذات اليوم، فمن المعلوم أن ذلك اليوم لم يكن نحساً على الصالحين، بل على الكفار من قوم عاد، وكان يوم نصر وتأييد للمؤمنين الصادقين .

وكذلك إذا قال الإنسان: “هذا يوم شديد” أو “هذا يوم فيه كذا وكذا من الأمور”، ويقول ذلك على سبيل الإخبار، فهذا لا شيء فيه، ومنه قوله تعالى عن لوط – عليه الصلاة والسلام -: ﴿ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: 77]؛ أي: شديد، ومنه قول يوسف – عليه السلام -: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف: 48]، فهذا لا بأس به، وليس سبًّا للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم، فهذا سب له، فلا يجوز.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

متى يجب الإمساك إذا اختلفت التقاويم في الفجر؟

متى يجب الإمساك إذا اختلفت التقاويم في الفجر؟ في كندا تتعدد المساجد وتتعدد الإمساكيات الخاصة برمضان  وقد أشكل علينا وقت الإمساك للصيام وطلوع الفجر فالتقاويم تختلف فيما بينها في وقت طلوع الفجر.. والمساجد لم تتفق على وقت موحد ،و لا ندري أي تقويم نسير عليه ، واختلف الإخوة فيما بينهم .. فما التوجيه في ذلك؟

تاريخ الإضافة : 14 أبريل, 2020 عدد الزوار : 1985 زائر

الإحصائيات

  • 2
  • 212
  • 178
  • 3٬507
  • 2٬588
  • 2٬957٬768
  • 5٬183
  • 151
  • 2