السنن المهجورة (24) وصية النبي لفاطمة عند النوم

تاريخ الإضافة 8 مايو, 2022 الزيارات : 313
السنن المهجورة (24) وصية النبي لفاطمة عند النوم
عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنَّ فَاطِمَةَ -رضي الله عنها – شَكَتْ ما تَلْقَى مِن أثَرِ الرَّحَا، فأتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فأخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَيْنَا وقدْ أخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأقُومَ، فَقَالَ: علَى مَكَانِكُمَا.
 
فَقَعَدَ بيْنَنَا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ علَى صَدْرِي، وقَالَ: ألَا أُعَلِّمُكُما خَيْرًا ممَّا سَأَلْتُمَانِي؟
 
إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما تُكَبِّرَا أرْبَعًا وثَلَاثِينَ، وتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وتَحْمَدَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكُما مِن خَادِمٍ.) صحيح البخاري
 
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة، قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى اشتكيت ظهري، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي[رواه أحمد: ، وقال محققو المسند: “إسناده حسن”].
ومعنى: “سنوت”، يعني عملت مكان السانية، والسانية هي الناقة التي تسحب الماء من البئر، فيقول علي  من الحاجة: عملت بدل السانية، عملت بدل الناقة في سحب المياه من الآبار بالدلاء، لأجل الناس بأجرة “لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، فقالت فاطمة: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي”، فهذه فاطمة -رضي الله عنها- “جرت بالرحى” وطحنت بالرحى “حتى أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها” كما جاء في رواية [أبي داود، وأحمد، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود].
وفي رواية: “وخبزت حتى تغير وجهها”؛ لأن الخباز مع لفح نار الفرن يتغير لون وجهه.
 
في راوية فقال: فتلك مائة باللسان وألف في الميزان[رواه أحمد، وقال محققو المسند: “صحيح وهذا إسناد حسن”]، يعني الأجر عند الله الحسنة بعشر أمثالها.
شرح الحديث :
في هذا الحَديثِ يَرْوي عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها شَكَت ما تَجِدُه في يَدِها مِن أثَرِ الرَّحى ممَّا تَطحَنُ، والرَّحى: هي حَجَرانِ كَبيرانِ يَنطَبِقانِ فوقَ بعضِهما، وفي وَسَطِهما مِحْورٌ يَدَويٌّ يَدورُ حولَه الحَجرُ الأعْلى ليَطحَنَ الحُبوبَ، فلمَّا جاء إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبْيٌ، انطلَقَتْ إليه فاطمةُ رَضيَ اللهُ عنها تَسألُه خادِمًا من هذا السَّبْيِ ليَقومَ مَكانَها بأعْمالِ الطَّحنِ، ولكنَّها لم تَجِدِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَيتِه، ووجَدَتْ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، فأخبَرَتْها بذلك، فلمَّا جاء صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَتْه عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها بمَجيءِ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها إليه لتَسألَه خادمًا، قال علِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه: فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلينا وقد أخَذْنا مَضاجِعَنا، أي: تَهيَّئْنا للنَّومِ، فذهَبْتُ لِأقومَ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: على مَكانِكما، أي: الْزَما مَكانَكما، فقَعَد بيْنَنا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدمَيْه على صَدْري، وقال: ألَا أُعلِّمُكما خَيرًا ممَّا سألْتُماني مِن إعْطائِكمُ الخادِمَ؟ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إذا أخَذْتُما مَضاجِعَكما»، والمضاجع الأماكنُ المُعدَّةُ للنَّومِ مِن اللَّيلِ، فتُكبِّرا أربَعًا وثَلاثينَ مرَّةً، بقولِ: اللهُ أكبَرُ، وتُسبِّحَا ثَلاثًا وثَلاثينَ مرَّةً، بقولِ: سُبحانَ اللهِ، وتَحْمَدا ثَلاثًا وثَلاثينَ، بقولِ: الحَمدُ للهِ؛ فأجرُ هذا الذِّكرِ خَيرٌ لَكُما مِن خادمٍ.
يعني أن الذكر هذا أنفع من الخادم، وأفضل من الخادم، ومعنى هذا أن مَن واظَبَ على هذا الذِّكرِ عندَ النَّومِ، لم يُصِبْه إعْياءٌ؛ لأنَّ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها شَكَتِ التَّعبَ مِن العَملِ، فأحالَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على ذلك. 
وعلي -رضي الله عنه- حافظ عليه، فلم يترك هذا الذكر أبداً، جاء في رواية: أن عليا  قال: “فما تركتها بعد”، فقالوا له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين” رواه البخاري
فهذا يدل على لزومه للذكر، وأنه حتى ليلة صفين، وهي المعركة التي جرت بين علي وأهل الشام.
بعض الفوائد المستفادة من الحديث :
 
1- أن ذكر الله  يقوي البدن؛ كما يقول ابن القيم في الوابل الصيب: قيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنية عن خادم ، ويقول : إن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمرا عجيبا فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما
 
2- وكذلك فيه ما كان عليه رسول الله ﷺ وآل بيته من شظف العيش، وشدة الحال،  واختار رسول الله ﷺ لابنته ما أحب لنفسه من إيثار التحمل والصبر على الشدة والقلة، الصبر على القلة تعظيمًا لأجرها، وإلا كان ممكن أن يعطيها من الذهب ما شاء، ولكنه اختار لها ما اختار لنفسه، واختار لها ما هو أكثر نفعًا لها في الآخرة.
 
3- أن الإنسان يحمل أهله على ما يحمل عليه نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا، إذا كانت لهم قدرة على ذلك؛ لأن بعض النساء قد لا تكون لها قدرة، فربما لو أنه أراد أن يحملها على شيء من الشدة طلبت الطلاق.
 
4- إظهار الشفقة على البنت والصهر، فإنه أتاهما في بيتهما، وجلس بينهما، وقال: ألا أعلمكما فيؤخذ منه أن الإنسان عليه أن يبر بصهره.
5- أن من واظب على هذا الذكر قبل النوم لم يصبه الإعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب، فأحالها النبي ﷺ على هذا، أفاد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- أن من واظب على هذا الذكر قبل النوم لا يصيبه الإعياء، وهذا يدل على أن الذكر له أثر في تقوية البدن، كما تقدم.
 
والله قادر على كل شىء لا يعجزه شىءٌ أبدا ، أليس ورد في الحديث الشريف أنه تحصل مجاعةٌ أيامَ الدجال، وأن الأتقياء يشبعون بالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ ‏ ‏وَيُجْرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مُجْرَى الطَّعَامِ ‏؟ بلى . رواه ابن ماجه.
6- من فوائد الذكر: أنه يقوي البدن كما أنه يقوي القلب، فهو يزيد النفس ثباتًا، والقلب طمأنينة، والإنسان رباطة جأش.
7- جواز أن تشتكي البنت لأبيها ما تلقاه من الشدة، ولم ينكر عليها أنها اشتكت، فلو اشتكت مثلاً تعب العمل في البيت، واشتكت من أذى أطفالها، وأنها تلقى شدة في تربيتهم، أو أنهم يتمردون عليها، أو يعاندون، ونحو ذلك، فإن لها أن تشتكي إلى أبيها، وأن الأب عليه أن يقوم بدور الناصح الموجه، وأن مسؤوليته عن ابنته لم تنته بتزويجها، وإنما مستمرة في التسديد والإصلاح والنصيحة، وتخفيف ما يصيب البنت من نتيجة أعباء الزواج؛ لأن البنت في بيت أبيها قد تكون مدللة، وقد تكون عندها من يخدمها، فإذا انتقلت إلى بيت رجل آخر، صار حمل البيت عليها كله
 
8- الخيرية الواردة في الحديث إما أن يراد بها ما يتعلق بالآخرة، والخادم بالدنيا، والآخرة خير وأبقى، وإما أن يراد بها ما طلبته، بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم.
 
9- جواز الاستخدام ـ بضوابطه وأحكامه ـ للرجل الصالح والمرأة الصالحة، قال ابن هبيرة: “وفيه جواز الاستخدام للرجل الصالح والمرأة الصالحة، ألا ترى أن فاطمة رضي الله عنها طلبت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادماً ولم ينكر ذلك عليها”.
 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم

شرح صحيح البخاري

قطوف وروائع

الفوز المبين والفوز الكبير والفوز العظيم في القرآن

هنالك ثلاث انواع من الفوز يوم القيامة تم ذكرها في القرآن الكريم :- ١- الفوز المبين ٢- الفوز الكبير ٣- الفوز العظيم فما الفرق بين أنواع الفوز يوم القيامة ؟ (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) ١- الفوز المبين : هو مجرد أن

تاريخ الإضافة : 12 سبتمبر, 2022 عدد الزوار : 15981 زائر

جديد الموقع