قصة امرأة لقيت ربها وهي تختم القرآن

تاريخ الإضافة 18 أكتوبر, 2022 الزيارات : 189

قصة امرأة لقيت ربها وهي تختم القرآن

في يوم الخميس الماضي تناقل الكثير منا مشهداً مؤثراً لامرأة مسلمة من إندونيسيا كانت ترتل ختمة القرآن من حفظها حتى بلغت سورة الناس وافتتحت بسورة البقرة وبدأت ( الم، ذٰلَك الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) حتى ختمت الخمس الآيات الأولى من سورة البقرة: ( أُولَٰئكّ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئكّ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ثم قرأت قوله تعالى : (وإلهكم إله واحد ) وانقلبت على ظهرها ميتة.

هذا المشهد الذي رآه الكثير منكم وهو مشهد مؤثر للحظة من لحظات الصدق وكأنه كان بينها وبين أن تلقي الله آيات ترتلها.

هذه الخاتمة ونعم الخاتمة ، لقد قُبضت على عمل صالح، قبضت على التوحيد ، وهي تردد قول الله تعالى (وإلهكم إله واحد)، لم تتم الآية ولكنها ماتت على هذا العمل الذي يتمنى كل مسلم أن يلقى الله عليه.

من علامات حسن الخاتمة شهادة التوحيد:

النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أن من علامات حسن الخاتمة أن يكون آخر ما ينطق به العبد لا إله إلا الله، فقال -صلى الله عليه وسلم- (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله)

، هل خطر بهذه المرأة وهي ترتل هذه الآيات المباركات، وقد ختمت القرآن الكريم أنها خاتمة العمر، هل خطر ببال من حولها أن هذه التي كانت تتكلم وترتل منذ لحظات انتقلت إلى رحاب الله -عز وجل-.

هذا المشهد والله مؤثر أيما تأثير ويجعلنا دائماً ما نسأل هل نحن فعلا على استعداد للقاء الله.

نحن نركض في الدنيا ركضاً ولن تنتهي ولن نخرج منها أو ننقطع عنها إلا بالموت الإنسان منا يسوف ويؤخر ويمني نفسه ويقول غدا في رمضان، عمرة، حجة، حينما أتقاعد حتى يكبر الأولاد، حتى انتهى من كذا حتى كذا ويظل في هذا الحال حتى يكون الختام.

في هذا المعنى يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله كلنا نكره الموت فقال لها:  (يا عائشة إن العبد إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن كان في إدبار من الآخرة وإقبال على الدنيا، كره لقاء الله فكره الله لقاءه)

المسلم حينما يكون في أسعد لحظاته وهو في طاعة الله -عز وجل- لا يسوءه إن قبضه الله على هذه الحال، أما الذي انغمس في الدنيا وغفل عن لقاء الله وانشغل بالشهوات والملذات عن الواجبات والطاعات كره لقاء الله فكره الله لقاءه.

لماذا أخفي الله عنا ميعاد الموت؟
لعل هذا يستدعينا أن نسأل سؤالاً، لماذا أخفي الله عنا ميعاد الموت، الكثير منا يوقت الموت بالسنين يعنى إذا تجاوز الرجل الخمسين أو الستين يعنى في عُرفنا نقول حسن الختام الحمد لله، أيام معدودة، اقترب الأجل إلخ ذلك، وهذا الفهم أنا لا أحبه أبدا لأن الموت لا يعرف صغيرا ولا كبيرا حتى نحن نقول في الشاب إن العمر أمامه طويل ومن أدراك أن العمر أمامه طويل؟

الموت يصيب الطفل الذي لم يصرخ إلا صرخة واحدة وهو نازل من بطن أمه، ويصيب الرجل وهو في المائة من عمره، الموت ليس له وقت وليس له عمر محدد، ولا يفرق بين صغير أو كبير أو شاب أو شيخ، إنما يأتي في الموعد الذي حدده الله وقدره.
قال إمامنا المعصوم -صلى الله عليه وسلم- (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي ، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها ، وتستوعِبَ رزقَها ، فاتَّقوا اللهَ ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ)

 لن تموت نفس حتى تستقل رزقها يأخذ رزقها كاملة، وتستوفي أجلها ، أنفاسه كلها معدودة، كلها يصيبها وتستوفى أجلها.

الحكمة الأولى / أخفى الله عنا ميعاد الموت رحمة بنا:

تأملوا لو أن الواحد منا يعرف متى سيموت هل ستطيب له الحياة، أريد أن أقرب هذا المشهد بمن حُدد له موعد عملية جراحية، نسأل الله أن يعافي كل مريض ويعافيكم أجمعين، حُدد له موعد عملية جراحية سيغيب عن الوعي عدة ساعات و-إن شاء الله- سيفيق ويتعافى ويكون أفضل، انظروا إلى الحالة النفسية وحالة الاضطراب والقلق، الأطباء دائما يحرصون في هذه اللحظات على طمأنة المريض وتهيئته نفسيا ومعنويا حتى لا يصيبه انخفاض في الضغط أو فوبيا من غرفة العمليات أو فزع من هذا الأمر، هذا كله شعور الإنسان حينما يستشعره ويتذكر موعد الموت يقول الحمد لله الذي أخفى عنا ميعاد الموت، فموعد عملية جراحية يكدر على الإنسان حياته وهو يترقب بعد شهر بعد ثلاثة أسابيع بعد أسبوع بعد يوم بعد ساعات الآن سيدخل غرفة العمليات.

أحد أطباء التخدير قال -سبحان الله- أنا لي في هذا العمل ثلاثين عاما أقوم بتخدير المرضى قبل العمليات فكان آخر ما يفكر فيه هذا المريض هو أول ما ينطق به، فهناك من الحالات التي كانت تفيق فيتذكر التجارة والمال ويسأل ماذا ربح؟ وماذا خسر؟ والعملية الفلانية ؟ لأن أثر البنج أو المخدر يجعل الإنسان يهذي ولكنه يهذي بآخر شيء فكر فيه، وهناك التي أول ما تفيق تلعن حماتها وتسبها، وهناك التي تفيق تنادى على أولادها واحدا تلو الآخر.

 فالله تعالى أخفى عنا ميعاد الموت رحمة بنا وإلا والله ما تطيب لنا الحياة، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، والمسلم يعيش في هذه الدنيا وهو يحمل بين جنبيه الأمل الذي يعيش به، وكان سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا استيقظ من نومه يقول: ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)

وكان إذا أراد أن ينام يقول: ( باسمك اللهم نحيا ونموت) و ( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، اللهم إن قبضت نفسي فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)

قصة رؤيا رآها رجل:

وأذكر هذه القصة جيداً أن رجلا في مسجد الحي عندنا بمصر بلغ سن التقاعد، والحمد لله بدأ عليه علامات العمل الصالح ، وكان مواظباً على صلاة الجماعة، الصلاة في وقتها خلف الإمام والحمد لله، هذا الرجل رأي في الرؤية أنه يقرأ سورة النصر( إذا جاء نصر الله والفتح…)، فسأل إخوانه في المسجد ما تفسير هذه الرؤية؟ فقالوا له: إن فلانا عنده كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين سنأتيك بالتفسير منه، وإذا بهم يقرأون في كتاب تفسير الأحلام أن من قرأ سورة النصر فقد اقتربت منيته يعنى وفاته، هذا الرجل الذي كنت أراه في الصف الأول فرضاً فرضاً لا يترك صلاة الجماعة أبدا؛ أصابه المرض الذي يمنعه من مغادرة الفراش، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم إلا بالكاد ، وبقي على هذه الحالة شهر وأهله لا يدرون ما به يعيش على المحاليل فقط حتى لقي الله ، في اليوم الأخير وقبل وفاته بساعات ذكر لهم قصة الرؤيا وتفسيرها، وأنه لما علم باقتراب الموت ، وأصابه فزع شديد جعله لا يشتهى طعام ولا شراب ولا نوم، في فزع دائم ومات رحمة الله عليه، نسأل الله أن يتقبله في الصالحين، فمن رحمة الله ومن فضل الله على العبد ألا يعلم هذا الموعد.

الحكمة الثانية / أن يبقى العبد دائما على استعداد للقاء الله:

أن يُذْكّر العبد نفسه دائما بلقاء الله -عز وجل- وقد تكلمت في خطبة سابقة بعنوان : (هل نحن في آخر الزمان؟ ) وقلت: إن الناس مشغولة بيوم القيامة مع أن هناك ما هو أقرب منها لكل واحد منا، (من مات قامت قيامته) وهذه ليست بحديث، ولكن كلمة قالها بعض السلف معناها صحيح، فمن مات انتهت الدنيا بالنسبة له لم يعد من أهلها صار في عالم البرزخ، فالموت حينما يأتي، يأتي في الميعاد الذي قدره الله (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)

فاسأل نفسك هل أنا على عمل صالح ألقى به الله، كيف القدوم على الله -عز وجل-.

دكتور مصطفى محمود قال إن أحد أصدقائه سأله يوما ما هو الموت فقال له إنه استدعاء للسؤال بين يدي رب العالمين ، قال فبقي يومه وليلته يبكي بلا انقطاع، من هيبة هذا المشهد هو استدعاء للسؤال بين يدي رب العالمين.

فالمسلم لو تأمل هذا المعنى وأنه مهما طال به العمر سيموت لا بد وأن يعد الزاد لهذا اليوم، ليس المقصود أن أصيبكم بالقنوط واليأس والإحباط وأن تخرجوا من المسجد وقد اسودت الدنيا في وجوهكم، ولا ترغب في الكلام ولا في الشراب، هذا ليس هو مقصود رسول الله من قوله: (أكثروا من ذكر هادم اَللَّذَّات الموت) إنما المقصود هنا أن الموت ما ذكر في قليل إلا وكثرة أنت تراه كثيرا لأنك تستشعر أنك ستفارقه.

 ذكر الموت سبب لتعجيل التوبة، الموت سبب للرضا بالقليل، سبب لهجر المعاصي، سبب لرد المظالم.

الموت بإيجابية: هو أن تعد الزاد للقاء الله ولا يضرك إن جاء الآن أو بعد مئة عام .

هذا هو معنى قول رسول الله( أكثروا ذكر هادم اَللَّذَّات.)

والإنسان لن يموت إلا مرة واحدة فلتكن هذه الميتة في طاعة الله كما أن حياتك تكون في طاعة الله ساعة حسن الخاتمة لا تأتي من فراغ ساعة حسن الخاتمة هي الرصيد الذي بنيته وادخرته طوال عمرك.

هذه المرأة نحسبها ولا نزكيها على لله ما أراد الله تعالى لها هذا الختام العجيب الذي يتمناه كل مسلم إلا لأن لها من الإيمان رصيداً كبيراً حتى ختم لها بختمة القرآن (وإلهكم إله واحد) آخر ما نطقت به.

ماتت ساجدة بالحرم:

ذكرني هذا بقصة مشابه لامرأة أيضا من إندونيسيا ذكروا قصتها أنها كانت تعمل خياطة وكانت توفرا من قوت يومها وعيالها لتحج بيت الله الحرام، كمْ سنة؟ ثلاثون سنة، نعم ثلاثون سنة، وهي تمنى نفسها وتدخر من قوتها حتى تحج بيت الله الحرام، ولما دخلت إلى بيت الله لأول مرة ورأت الكعبة بكت بكاء الفرح والسرور وظلت تبكي وتكبر، تبكي وتكبر، ثم سجدت لله شكراً ، وكانت سجدتها الأخيرة، أعدت زادا ثلاثين سنة لهذا المشهد فمنحها الله تعالى حسن الخاتمة في أشرف بقعة وعلي أطهر حال، ماتت ساجدة لله محرمة بالحج في أيام مباركة.

حسن خاتمة الإمام الصنعاني :

 دخل عليه تلاميذه يعودونه وكان مريضاً مرض الموت فقال لهم:  ذكروني بحديث تلقين الميت لا إله إلا الله فسكتوا حياء من الشيخ فقال لهم: حدثنا فلان حدثنا فلان حدثنا …  يذكر سند الحديث حتى بلغ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله) وسكت، مات وهو يروى حديث رسول صلى الله عليه وسلم.

يقول الحافظ ابن كثير: (أمضى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه وأن من مات على شيء بُعث عليه)

هذا هو رصيد الإيمان رصيد العمل الصالح، وما تموت عليه تُبعث عليه، فمن مات ملبياً يبعث يوم القيامة ملبياً، من مات موحداً يبعث يوم القيامة موحداً، من مات ساجداً يبعث يوم القيامة ساجداً وهكذا -سبحان الله- العظيم.

حسن خاتمة رجل مؤذن:

ولا يغيب عن بالي هذه القصة التي حدثت عندنا لرجل قضى آخر سنوات عمره العشر يؤذن في المسجد الذي بجوار بيته حسبةً لله تعالى، كان يذهب قبل الوقت ويؤذن، يرفع الأذان ويقيم وهكذا حسبة لله عشر سنوات، في آخر أيامه أصيب عافاكم الله بجلطة منعته من الحركة، وكان يستعين بولده حتى يذهب إلى الحمام أعزكم الله، ويتوضأ إلى أخره.

يقول ابنه: إن والذي في آخر يوم من أيام حياته نادى علي ، وكان الوقت في الصباح العاشرة أو الحادية عشرة، يافلان هات ماء حتى أتوضأ فقال له: يا أبي باق على الظهر ساعتين أو ثلاث، قال هات الماء أريد الوضوء الآن!!

  قال: فلم أحب أن أغضبه، فأحضرت الماء ووضأته كما كنت أفعل، قال: فإذا بأبي الذي أصابته الجلطة، ومنعته من الحركة قام واقف على السرير، وأخذ يؤذن كما كان يؤذن في المسجد، وكل من في البيت يقولون: ربما جرى شيء في عقله، ربما أصابه شيء، ربما ربما ، وهم في هذه التخمينات وهو يكبر الله أكبر الله أكبر ….أشهد أن لا إله إلا الله…. حي على الصلاة… يكبر ويؤذن كما كان يؤذن في المسجد حتى إذا بلغ آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله سقط مغشياً عليه، وفاضت روحه إلى الله …. عاش يؤذن ويرفع نداء التوحيد لله ومات على هذه الصورة ويبعث يوم القيامة من أطول الناس أعناقا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا مشهد عبرة وعظة أنا أردت أن أذكر نفسي وإخواني بهذا المشهد لعل العاصي يتوب ، ولعل الغافل ينتبه، ولعل المسرف يعود، ولعل الذى يُمنى نفسه بطول العمر يعلم أن الموت يأتي في لحظة .

نسأل الله تعالى أن يثبتا على الحق إلى أن نلقاه

وأن يتوفانا وهو راض عنا اللهم آمين

اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوما أن نلقاك،

اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم توفنا وأنت راض عنا،

 وأختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

وصلى الله وسلم وبارك علي نبينا المصطفى المختار وعلى آله وصحبه الأخيار.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم

شرح صحيح البخاري

قطوف وروائع

كيف اصطلحت مع ربك؟

قيل لمعروف الكرخي: كيف اصطلحت مع ربك؟ فقال: بقبولي موعظة ابن السماك رحمه الله. قيل له: وكيف؟ قال: كنت ماراً بالكوفة، فدخلت مسجداً أبتغي صلاة العصر، وبعد الصلاة وجدت رجلاً يعظ الناس، فقلت في نفسي : لأجلسن وأستمع فكان مما قال : من كان مع الله تارة وتارة = كان الله معه تارة وتارة، ومن

تاريخ الإضافة : 11 أغسطس, 2022 عدد الزوار : 3282 زائر

جديد الموقع