صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الفوائد لابن القيم(25) رحلة سلمان الفارسي الباحث عن الحق

تاريخ الإضافة 5 أكتوبر, 2026 الزيارات : 26

(25) رحلة سلمان الفارسي الباحث عن الحق

قبل شرح الفائدة نمهد بذكر قصة سلمان الفارسي-رضي الله عنه-:

عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما- قال حدثني سلمان الفارسي – رضي الله عنه- حديثه من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها “جي”[1] وكان أبي دهقان[2] قريته وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته أي ملازم النار كما تحبس الجارية وأجهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار[3] الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.

قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون قال فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم، وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها فقلت لهم: أين أصل هذا الدين قالوا : بالشام قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله

قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟

 قال: قلت يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس.

 قال أي بني ليس في ذلك الدين خير؛ دينك ودين آبائك خير منه.

 قال: قلت كلا، والله إنه خير من ديننا قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته.

 قال وبعثت إلي النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم.

 قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى قال: فأخبروني بهم قال فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم.

قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام.

فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين؟

قالوا الأسقف[4] في الكنيسة، قال: فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك.

 قال: فادخل فدخلت معه قال فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق (فضة)

قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا.

قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت أنا أدلكم على كنزه؛ قالوا: فدلنا عليه؛ قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه.

 قال: يقول سلمان فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس[5] أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب [6] ليلا ونهارا منه.

 قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله، وأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟

قال: أي بني والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه؛ لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل، وهو فلان فهو على ما كنت عليه فالحق به.

 قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره.

 قال: فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟

قال: أي بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا بنصيبين وهو فلان فالحق به.

 وقال فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي.

 قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال أي بني والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته قال فإنه على أمرنا.

 قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم قال واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟

 قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.

 قال: ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب [7]تجارا فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه؟ وغنيمتي هذه؟ قالوا نعم فأعطيتهموها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا فكنت عنده، ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها.

 وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق[8] لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان[9] قاتل الله بني قيلة[10] والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي قال فلما سمعتها أخذتني العرواء[11] حتى ظننت سأسقط على سيدي.

 قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول؟ ماذا تقول؟

 قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا أقبل على عملك.

 قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه ، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا وأمسك يده فلم يأكل قال فقلت في نفسي هذه واحدة  ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها .

قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال فقلت في نفسي هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قال وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟

فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم، فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي.

 فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس.

 قال فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد قال ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاث مائة نخلة أحييها له بالفقير[12] وبأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية[13] والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر يعني الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاث مائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا سلمان ففقر[14] لها فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة ، فأديت النخل، وبقي علي المال فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال: ما فعل الفارسي المكاتب قال فدعيت له فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟

 قال: خذها فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك.

 قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد) رواه الإمام أحمد.

ننتقل لكلام ابن القيم عن سلمان الخير – رضي الله عنه-

يقول ابن القيم رحمه الله: نَجَائِب النجَاة مهيأة للمراد، وأقدام المطرود موثوقة بالقيود؛ هبّت عواصف الأقدار فِي بيداء الأكوان فتقلب الْوُجُود وَنجم الْخَيْر، فَلَمَّا ركدت الرّيح إِذا أَبُو طَالب غريق فِي لجة الْهَلَاك، وسلمان على سَاحل السَّلامَة، والوليد بن الْمُغيرَة يقدم قومه فِي التيه، وصهيب قد قدم بقافلة الرّوم وَالنَّجَاشِي فِي أَرض الْحَبَشَة يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك وبلال يُنَادي الصَّلَاة خير من النّوم، وَأَبُو جهل فِي رقدة الْمُخَالفَة.

شرح معنى كلام ابن القيم رحمه الله:

هذه الفقرة من كلام ابن القيم كتبها بأسلوب أدبي بديع أراد بها تصوير قضية من أعظم قضايا السير إلى الله، وهي قضية التوفيق والخذلان، والهداية والضلال، وأن القرب من أسباب الهداية في الظاهر لا يستلزم حصول الهداية في القلب، كما أن البعد المكاني أو ضعف المكانة الاجتماعية لا يمنع العبد من أن يبلغ أعلى مراتب الإيمان إذا صدق مع الله وطلب الحق.

قوله “نجائب النجاة مهيأة للمراد” كلمة “النجائب” جمع نجيبة، وهي الناقة الكريمة السريعة التي تُنتخب من الإبل لجودتها وسرعتها، وكانت العرب تختار النجائب للأسفار البعيدة؛ فابن القيم يصور الطريق إلى الله كأنه سفر، ويصور أسباب الهداية والنجاة كأنها ركائب كريمة جاهزة تحمل السالك إلى غايته.

فالمعنى: أن الله لم يترك عباده بلا دليل ولا طريق؛ فقد أنزل الكتاب، وأرسل الرسول، وبين الأدلة، وبيّن الحلال والحرام، وفتح باب الدعاء والتوبة، وجعل في القلب والعقل والفطرة ما يعين الإنسان على معرفة الحق، فمن أراد النجاة وجد وسائلها مهيأة أمامه.

وهذا المعنى واضح جدًا في قصة سلمان الفارسي؛ فقد كان بعيدًا عن مكة، بعيدًا عن العرب، نشأ في بلاد فارس وبين المجوس، ومع ذلك كان في قلبه بحث صادق عن الدين الحق، فانتقل من بلد إلى بلد ومن راهب إلى راهب حتى ساقه الله إلى المدينة وإلى رسول الله ﷺ.
ثم يسوق ابن القيم هذه المقابلات[15] بين أبي طالب وسلمان، وبين الوليد وصهيب، وبين النجاشي وأبي جهل، وبين بلال وسادات قريش.

قال: “وأقدام المطرود موثوقة بالقيود” وهذه هي الصورة المقابلة؛ فالإنسان قد تكون أسباب الخير أمامه، ولكنه يجد نفسه لا يتحرك إليها، كأن قدميه قد قيدتا. وليس المراد أن الله يظلم عبدًا أو يمنعه من الخير، تعالى الله عن ذلك، وإنما يريد ابن القيم الحديث عن الخذلان، وهو أن يترك الإنسان لهواه وكبره وشهوته واختياره الفاسد، فلا ينتفع بما أمامه من أسباب الهداية. [16]

ومن هنا نفهم قوله: “هبت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان “البيداء” هي الصحراء الواسعة، والعواصف تقلب ما تمر به؛ فابن القيم يصور العالم كله كأنه صحراء مترامية الأطراف، والناس منتشرون فيها، ثم تجري أقدار الله وحكمته، فتتقلب الأحوال على صورة لا يتوقعها البشر.

والمراد أقدار الله الجارية في خلقه؛ فهذا يولد في مكة قريبًا من البيت الحرام، وهذا يولد في بلاد فارس بين المجوس، وهذا في الحبشة، وهذا في بلاد الروم، وهذا سيد غني، وهذا عبد مملوك، ثم تكون العواقب على خلاف ما قد يتوقعه الناظر إلى هذه البدايات، فالعبرة ليست: أين ولدت؟ ولا من أبوك؟ ولا ما قومك؟ وإنما العبرة: أين انتهى قلبك؟ وهل استجبت للحق حين جاءك؟

وقوله: “فتقلب الوجود”، أي ظهرت آثار هذه الأقدار وانكشفت نتائجها (ونجم الخير) بمعنى ظهر وطلع.

 فيظهر الخير أحيانًا من المكان الذي لا يتوقعه الناس، ويخيب من كان الناس يظنون أن أسباب الهداية قد اجتمعت له.

وهنا يبدأ ابن القيم يعرض نماذجه واحدًا بعد الآخر، ليؤكد على أن الهداية توفيق من الله، وأن النسب والمكان والجاه لا تستقل بهداية أحد.

فقال: “فلما ركدت الريح إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك، وسلمان على ساحل السلامة” وهذه من أبلغ المقابلات في النص؛ لأن أبا طالب كان في غاية القرب الظاهر من النبي ﷺ: فهو عمه، ورباه، ونصره، ودافع عنه، وعاش في مكة وسمع خبره ورأى من صدقه وأمانته ما رأى، وكان النبي ﷺ حريصًا على إسلامه، ومع ذلك لم يُكتب له الدخول في الإسلام. [17]

وفي الجانب الآخر سلمان الفارسي رضي الله عنه، وهو في الظاهر أبعد الناس عن النبي ﷺ: فارسي، نشأ في بيت مجوسي، وقد ذكرنا قصته كاملة قبل شرح هذه الفائدة؛ فالمسافة بين فارس والمدينة لم تمنع سلمان؛ لأن قلبه كان يتحرك في طلب الحق، بينما قرب أبي طالب مكانا ونسبا من النبي صلى الله عليه وسلم لم يغن عنه حين لم تحصل له الاستجابة.

وتعبير ابن القيم “أبو طالب غريق في لجة الهلاك” شديد التصوير؛ فاللُّجّة هي معظم البحر وعمقه، وكأنه يقول: مع أن سفينة النجاة قريبة منه جدًا، ومع أن رسول الله ﷺ يدعوه بلسانه، إلا أن تقليد الآباء والتعلق بمكانة قريش حال بينه وبين الاستجابة.

عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ لأبي طالب: وهو في سياق الموت: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد) وفي رواية: (أحاج لك بها عند الله).

فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه -أي: يعرض عليه لا إله إلا الله- ويعودان الكافران بتلك المقالة، وهي: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أتترك ملة أبيك؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، وهما يعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) [التوبة:113] وأنزل في رسول الله ﷺ: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [القصص:56]. رواه البخاري ومسلم

وفي المقابل سلمان، الذي قطع البراري والبلاد وتعرض للرق، صار “على ساحل السلامة” فالأول كان بجوار الشاطئ ثم غرق، والثاني جاء من أقصى البحار حتى وصل إلى الساحل.

ثم قال: “والوليد بن المغيرة [18]يقدم قومه في التيه” الوليد بن المغيرة كان من رؤساء قريش وأغنيائها وأهل الرأي فيها، ولذلك كان لقوله أثر في قومه، وسمع القرآن وتأثر به، لكنه لما خشي أثر ذلك على مكانته بين قريش انتهى إلى الطعن فيه.

فابن القيم يصوره قائدًا، لكن المشكلة أنه يقود قومه إلى التيه؛ أي إن السيادة والذكاء والبلاغة لا تنفع الإنسان إذا استعبدته العصبية والكبر وحب الرئاسة.

ثم يقابله بقوله: (وصهيب[19] قد قدم بقافلة الروم) وصهيب رضي الله عنه كان من المستضعفين في مكة، ومع ذلك اختار الإيمان وهاجر إلى رسول الله ﷺ، وفيه نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207] حين منعه المشركون من الهجرة بماله، فترك لهم ماله وخرج بدينه، حتى قال له الرسول ﷺ عند وصوله: (ربح البيع أبا يحيى).

فالمقابلة هنا دقيقة: الوليد يملك المال والزعامة ولكنه يضحي بالحق حفاظًا عليهما، وصهيب يترك المال من أجل الحق؛ الأول قدّم دنياه على الهداية، والثاني اشترى بدُنياه سلامة دينه.

ثم قال: (والنجاشي[20] في أرض الحبشة يقول: لبيك اللهم لبيك) النجاشي لم يكن من العرب، ولم يعش في مكة، وكان ملكًا للحبشة، ومع ذلك لما بلغته الدعوة وسمع القرآن ظهر أثر الحق في قلبه وآمن.

وثبت أن النبي ﷺ لما مات النجاشي أخبر الصحابة بوفاته ووصفه بأنه رجل صالح، وأمرهم أن يصلوا عليه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: (نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ) صحيح البخاري.

فهنا يريد ابن القيم أن يثير العجب: رجل في أرض الحبشة البعيدة يلبي نداء الله ويؤمن بنبيه الذي لم يعش معه، وفي الوقت نفسه رجال في مكة يرون رسول الله ﷺ صباحًا ومساءً ثم يعاندونه.

ثم قال: (وبلال ينادي: الصلاة خير من النوم) وهذه صورة أخرى لقلب الموازين؛ بلال رضي الله عنه عبد حبشي مستضعف، عُذب في مكة على التوحيد، وكان المشركون يضعون الصخرة على صدره ثم صار بعد ذلك مؤذن رسول الله ﷺ، يرفع صوته مناديًا الناس إلى عبادة الله، في حين أن كثيرًا من سادات قريش هلكوا على الكفر.

ثم يختم بقوله: (وأبو جهل في رقدة المخالفة) والرقدة هي النوم، لكنه لا يريد نوم الجسد، بل نوم القلب وغفلته؛ فأبو جهل في مكة، والنبي ﷺ بين ظهرانيه، والقرآن ينزل بلغته، ولكنه في (رقدة المخالفة)؛ أي استغرق في العناد والكبر والعصبية حتى صار كالنائم الذي لا يشعر بالنور من حوله.

وفي الجهة الأخرى بلال، الذي كان عبدًا حبشيًا، هو الذي يوقظ الناس للصلاة. والمفارقة مقصودة جدًا: بلال يوقظ الناس من نوم الأبدان، وأبو جهل نفسه غارق في نوم القلب.

ومن هنا يتبين أن ابن القيم يرسم في هذه الكلمات خريطة عجيبة:

  • أبو طالب من بني هاشم قريب من الرسول ﷺ، ومع ذلك لا يسلم.
  • وسلمان من فارس يقطع البلاد حتى يصل إلى الرسول ﷺ.
  • والوليد سيد قريش يقود قومه إلى التيه.
  • وصهيب الغريب المستضعف يبيع ماله ليحفظ دينه.
  • والنجاشي ملك الحبشة البعيد يؤمن.
  • وبلال الحبشي المملوك يصبح مؤذن الإسلام.
  • وأبو جهل القرشي صاحب المكانة يبقى في ظلمات المخالفة.

فالأسباب الدنيوية انقلبت كلها؛ لا النسب أنقذ أبا طالب، ولا المال أنقذ الوليد، ولا السيادة أنقذت أبا جهل، كما أن الفقر لم يضر بلالًا، والغربة لم تضر صهيبًا، وفارس لم تبعد سلمان، والحبشة لم تمنع النجاشي.

ومع ذلك لا يريد ابن القيم أن يفهم القارئ من كلامه أن الإنسان لا عمل له وأن المسألة قدر محض لا علاقة لها بطلب العبد؛ فلو أكملنا قراءة (الفوائد) وجدناه يقول إن من سبقت له السعادة يُدل على الدليل، وإن الله إذا أراد بعبد خيرًا بذر في قلبه بذرة التوفيق وسقاها بالرغبة والرهبة، ثم جعل العلم حارسًا لها، كما يؤكد في موضع آخر أن مفتاح التوفيق الدعاء والافتقار وصدق اللجأ إلى الله.

وقصة سلمان نفسها دليل على ذلك؛ فقد جاهد وبحث وسافر وترك أهله وتعرض للأذى، وصهيب ضحى بماله، وبلال ثبت تحت العذاب.

فالتوفيق من الله، لكن من علامات التوفيق أن يجعل الله في العبد إرادة الحق والسعي إليه والصبر عليه.

ثم يقول ابن القيم -رحمه الله- لما قضى فِي الْقدَم بسابقة سلمَان عرج بِهِ دَلِيل التَّوْفِيق عَن طَرِيق آبَائِهِ فِي التمجس فَأقبل يناظر أَبَاهُ فِي دين الشّرك فَلَمَّا علاهُ بِالْحجَّةِ لم يكن لَهُ جَوَاب إِلَّا الْقَيْد وَهَذَا جَوَاب يتداوله أهل الْبَاطِل من يَوْم حرفوه وَبِه أجَاب فِرْعَوْن مُوسَى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي وَبِه أجَاب الْجَهْمِية الإِمَام أَحْمد لما عرضوه على السِّيَاط وَبِه أجَاب أهل الْبدع شيخ الْإِسْلَام حِين استدعوه السجْن وَهَا نَحن على الْأَثر فَنزل بِهِ ضيف وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ فنال بإكرامه مرتبَة سلمَان منا أهل الْبَيْت فَسمع أَن ركبا على نِيَّة السّفر فَسرق نَفسه من أَبِيه وَلَا قطع فَركب رَاحِلَة الْعَزْم يَرْجُو إِدْرَاك مطلب السَّعَادَة فغاص فِي بَحر الْبَحْث ليَقَع بدرّة الْوُجُود فَوقف نَفسه على خدمه الأدلاء وقُوف الأذلاء.

شرح معنى كلام ابن القيم رحمه الله:

(لما قُضي في القِدم بسابقة سلمان) القِدم هنا ليس زمنًا قبل الله، بل معناه: سبق علم الله وكتابته وقدره أن يكون سلمان من أهل السعادة والهداية، و(سابقة سلمان) أي السابقة التي سبقت له من فضل الله وتوفيقه.

(عَرَّج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس) (عَرَّج) أي: أماله وصرفه عن الطريق، وليس المعنى أنه عُرج به إلى السماء.

و(دليل التوفيق) تصوير لهداية الله التي أيقظت قلب سلمان، فصرفته عن دين آبائه: المجوسية. والمعنى أن الإنسان قد يرث بيئةً وعقيدةً، لكن الله يفتح له باب النظر الصادق فيخرج من التقليد.

(فأقبل يناظر أباه… فلم يكن له جواب إلا القيد) في الرواية السابقة التي أوردناها أن سلمان قال لأبيه إن ما رآه عند النصارى خير من دين المجوس، فخاف الأب عليه، فجعل في رجله قيدًا وحبسه، فانتقل الأب من الجواب إلى القهر.

إذا عجز الباطل عن الحجة، لجأ بعض أهله إلى التهديد أو السجن أو الضرب.

لذلك استشهد بفرعون، إذ قال لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29] وإشارته إلى الإمام أحمد هي محنة القول بخلق القرآن؛ فقد أصرّ على اعتقاده الحق وضُرب وحبس. وإشارته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية هي سجنه بسبب فتاواه التي لم تعجب بعض مبتدعة عصره.

(فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال بإكرامه مرتبة…) سمّى البلاء ضيفًا، وإكرام الضيف هنا استعارة معناها: استقباله بالصبر والثبات وحسن التوجه إلى الله، لا بالاعتراض واليأس؛ فالمعنى ليس أن البلاء بذاته يرفع كل إنسان، ولا أن سلمان اشترى الهداية بالألم؛ بل أن ابتلاءه كشف صدق طلبه، وكان صبره ثمرةً من ثمرات التوفيق.

(فسرق نفسه من أبيه ولا قطع) أي خلّص نفسه من قيد أبيه وخرج خفية، لا أنه سرق مالًا، و(ولا قطع) تورية على قطع يد السارق، يقصد خلاص سلمان من حبسٍ يُراد به ردّه إلى الشرك.

(فغاص في بحر البحث ليَقَع بدرّة الْوُجُود فَوقف نَفسه على خدمه الأدلاء وقُوف الأذلاء) (بحر البحث) يعني رحلته الطويلة في طلب الدين الحق. و(درة الوجود) هي الإسلام ولقاء النبي ﷺ، أما (خدمة الأدلاء) فمعناها أنه تواضع للعلم وأهله؛ ففي الرواية قال للأسقف إنه يريد أن يخدمه ويتعلم منه.

ثم يقول ابن القيم -رحمه الله-: فَلَمَّا أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلمُوا إِلَيْهِ أَعْلَام الْإعْلَام على نبوة نَبينَا وَقَالُوا إِن زَمَانه قد أظل فاحذر أَن تضل.

 فَرَحل مَعَ رفْقَة لم يرفقوا بِهِ فشروه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة فابتاعه يَهُودِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا رأى الْحرَّة توقد حرا شوقه وَلم يعلم رب الْمنزل بوجد النَّازِل فَبينا هُوَ يكابد سَاعَات الِانْتِظَار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان فِي رَأس نَخْلَة وَكَاد القلق يلقيه لَوْلَا أَن الحزم أمْسكهُ كَمَا جرى يَوْم إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلبهَا فَعجل النُّزُول لتلقي ركب الْبشَارَة ولسان حَاله يَقُول

خليليَّ من نجد قفا بِي على الرِّبَا … فقد هَب من تِلْكَ الديار نسيم

 فصاح بِهِ سَيّده مَالك انْصَرف إِلَى شغلك فَقَالَ: كَيفَ انصرافي ولي فِي داركم شغل
ثمَّ أَخذ لِسَان حَاله يترنم لَو سمع الأطروش

خليليَّ لَا وَالله مَا أَنا مِنْكُمَا … إِذا علم من آل ليلى بداليا

شرح معنى كلام ابن القيم رحمه الله:

قوله: (فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم) يقصد انقطاع بقايا أهل العلم والعبادة الذين كانوا متمسكين بما بقي عندهم من دين عيسى عليه السلام، ولهذا قال الراهب الأخير لسلمان إنه لا يعلم أحدا بقي على ما كانوا عليه.

 قوله: (سلموا إليه أعلام الإعلام على نبوة نبينا) أي أعطوه العلامات الواضحة التي يعرف بها النبي صلى الله عليه وسلم وصفوا له أرض الهجرة، والنخل.

(وَقَالُوا إِن زَمَانه قد أظل فاحذر أَن تضل) وعلامات النبي صلى الله عليه وسلم إن زمانه قد أظل أي اقترب زمان ظهوره جدا وحل وقته.

 فاحذر أن تضل أي احذر أن يفوتك اتباعه أو تشتبه عليك علاماته حين يظهر (فَرَحل مَعَ رفْقَة لم يرفقوا بِهِ فشروه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة) سافر سلمان مع تجار من العرب مقابل أن يحملوه إلى أرض العرب وأن يعطيهم غنمه وبقره فلما وصلوا وادي القرى غدروا به وظلموه وباعوه عبدا فشروه بثمن بخس دراهم معدودة

 (فابتاعه يَهُودِيّ بِالْمَدِينَةِ) القصة كما ذكرناها بالتفصيل أن يهوديا اشتراه أولا في وادي القرى ثم اشتراه منه يهودي من بني قريظة وحمله إلى المدينة

 (فلَمَّا رأى الْحرَّة توقد حرا شوقه) فلما رأى الحرة توقد حر شوقه الحرة أرض سوداء ذات حجارة بركانية والمدينة تقع بين حرتين وفيها نخل فلما رآها سلمان تذكر وصف الراهب وعرف أنه وصل إلى الأرض التي سيهاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم وفي العبارة جمال لغوي الحرة هي الأرض السوداء وحر الشوق هو شدة الشوق في القلب.

 (وَلم يعلم رب الْمنزل بوجد النَّازِل) رب المنزل هو سيد سلمان اليهودي والنازل هو سلمان المقيم عنده والوجد هو الشوق القوي الذي يملأ القلب فمعناه أن سيده لم يكن يعرف أن هذا العبد يحمل في قلبه شوقا عظيما إلى لقاء النبي المنتظر.

(فَبينا هُوَ يكابد سَاعَات الِانْتِظَار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان فِي رَأس نَخْلَة وَكَاد القلق يلقيه لَوْلَا أَن الحزم أمْسكهُ) أي كان ينتظر ظهور النبي وهو مملوك مشغول في الرق ولا تصل إليه الأخبار بسهولة قدم البشير بقدوم البشير فيها جناس جميل البشير الأول هو ابن عم سيد سلمان الذي نقل خبر قدوم رجل من مكة إلى قباء، والبشير الثاني هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله مبشرا ونذيرا، وكان سلمان يعمل فوق نخلة فلما سمع خبر قدوم النبي أخذته رعدة شديدة حتى ظن أنه سيسقط على سيده لولا أن الحزم أمسكه أي تماسَك ولم يظهر كل ما في قلبه ثم نزل مسرعا ليتأكد من الخبر.

(كَمَا جرى يَوْم إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلبهَا) شبه ابن القيم حاله بحال أم موسى حين قال الله تعالى إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها فالمشابهة في شدة الاضطراب وربط الله على القلب.

(فَعجل النُّزُول لتلقي ركب الْبشَارَة) فنزل سلمان مسرعا لأن خبر النبي صلى الله عليه وسلم صار أعظم أمر في حياته ثم ذهب إليه وتحقق من العلامات فقدم طعاما على أنه صدقة فلم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم له هدية فأكل منها، ثم رأى خاتم النبوة فعرف أنه الرسول الذي وصفه له الراهب فأسلم رضي الله عنه.

 معنى الأبيات: يا صاحبيّ توقفا بي عند المرتفعات فقد وصلني نسيم من أرض المحبوب فجعل ابن القيم خبر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم كأنه نسيم جاء من ديار المحبوب فأثار الشوق في قلب سلمان، ونجد هنا ليست تحديدا لمكان معين في قصة سلمان بل هي من لغة الشعر عند ذكر ديار المحبوب ثم يقول كيف انصرافي ولي في داركم شغل أي كيف أرجع إلى عملي وقد شغل قلبي هذا الخبر العظيم.

 ثم يقول خليلي لا والله ما أنا منكما إذا علم من آل ليلى بدا ليا العلم هنا علامة بارزة أو أثر من ديار المحبوب وأهله أي لست مثلكما فإنكما قد تريان علامة من ديار المحبوب ثم تبقيان هادئين أما أنا فإذا ظهرت لي علامة تدل على محبوب قلبي اضطربت نفسي كلها.

استعمل شعر الشوق المعروف ليصور شدة فرح سلمان عند ظهور علامة تدله على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى الأطروش هو الأصم.

ثم يقول ابن القيم -رحمه الله-: فَلَمَّا لَقِي الرَّسُول عَارض نُسْخَة الرهبان بِكِتَاب الأَصْل فوافقه يَا مُحَمَّد أَنْت تُرِيدُ أَبَا طَالب وَنحن نُرِيد سلمَان.

 أَبُو طَالب إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد منَاف وَإِذا انتسب افتخر بِالْآبَاءِ واذا ذكرت الْأَمْوَال عبد الْإِبِل وسلمان إِذا سُئِلَ عَن اسْمه قَالَ عبد الله وَعَن نسبه قَالَ ابْن الْإِسْلَام وَعَن مَاله قَالَ الْفقر وَعَن حانوته قَالَ الْمَسْجِد وَعَن كَسبه قَالَ الصَّبْر وَعَن لِبَاسه قَالَ التَّقْوَى والتواضع وَعَن وساده قَالَ السهر وَعَن فخره قَالَ سلمَان منا وَعَن قَصده قَالَ يُرِيدُونَ وَجهه وَعَن سيره قَالَ إِلَى الْجنَّة وَعَن دَلِيله فِي الطَّرِيق قَالَ إِمَام الْخلق وهادئ الْأَئِمَّة

إِذا نَحن أدلجنا وَأَنت إمامنا … كفى بالمطايا طيّب ذكراك حَادِيًا
وَإِن نَحن أضللنا الطَّرِيق وَلم نجد … دَلِيلا كفانا نور وَجهك هاديا

 

شرح معنى كلام ابن القيم رحمه الله:

الهداية لا تكون بالنسب ولا بالمال ولا بقرب الإنسان من الصالحين؛ فأبو طالب كان عم النبي صلى الله عليه وسلم وحاميه ومع ذلك مات على الشرك؛ وسلمان كان فارسي الأصل بعيد الديار ومر بالرق والسفر والتعب ولكنه صدق في طلب الحق فهداه الله إلى الإسلام.

معنى (فلما لقي الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه) عارض معناها قابل وقارن، ونسخة الرهبان هي الأوصاف والعلامات التي تلقاها سلمان من الرهبان الصالحين عن النبي المنتظر، وكتاب الأصل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؛ فكأن الرهبان أعطوه وصفا مكتوبا أو محفوظا للنبي المنتظر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قابل تلك الصفات بالأصل فوجدها كلها منطبقة عليه

(يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان) أي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب هداية عمه أبي طالب ويدعوه إليها بكل رحمة وشفقة، ولكن هداية التوفيق بيد الله وحده.

قول ابن القيم: (إن أبا طالب إذا سئل عن اسمه قال عبد مناف وسلمان إذا سئل عن اسمه قال عبد الله) معناه أن شرف الإنسان الحقيقي في عبوديته لله لا في اسم أو قبيلة أو تاريخ، وقوله إن أبا طالب يفتخر بالآباء، وسلمان يقول ابن الإسلام معناه أن النسب الذي يرفع الإنسان عند الله هو الإسلام والتقوى، وقد كان سلمان يعرف في بعض كتب التراجم بسلمان بن الإسلام وسلمان الخير.

وقوله عن مال سلمان: (قال الفقر) المقصود أنه كان فقيرا إلى الله متعلقا به غير مفتون بالدنيا، وقوله (عن حانوته قال المسجد) معناه أن أعظم ربحه كان في العبادة والعلم والذكر، (وقوله عن كسبه: قال الصبر) معناه أن طريقه إلى الدرجات العالية كان بالصبر على الطاعة والبلاء وطلب الحق

وقوله عن لباسه: (قال: التقوى والتواضع) معناه أن أجمل زينة العبد تقوى القلب والتواضع للخلق.

(وقوله عن وساده: قال: السهر) معناه قيام الليل ومحاسبة النفس والحرص على الطاعة. وقوله عن فخره قال: (سلمان منا) معناه أن أعظم شرفه قربه من الإسلام ومن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعني أنه صار من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالنسب.

حديث سلمان منا أهل البيت

هذه العبارة مشهورة جدا ولكن العلماء اختلفوا في صحة رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، صححها بعض أهل العلم كالـسيوطي، وضعفها الذهبي والهيثمي والألباني وغيرهم بسبب راو في سندها اسمه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه جمهور المحدثين، والأحوط عند نقلها أن يقال يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سلمان منا أهل البيت، ولا يقال ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الجزم، أما فضل سلمان ومكانته وعلمه وصدقه فثابت بأدلة صحيحة كثيرة ولا يحتاج إلى هذا الحديث وحده

(وقوله عن قصده قال يريدون وجهه) معناه أنه يعمل لله وحده ولا يطلب مدح الناس ولا دنياهم.

وقوله عن سيره قال إلى الجنة معناه أن حياته وقراراته كلها متجهة إلى الآخرة

وقوله عن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادي الأئمة معناه أن دليله هو النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء به من القرآن والسنة

شرح البيتين

إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا…………..كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا

المعنى أننا إذا سرنا إلى الله في ظلمات الفتن والشهوات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إمامنا فإن ذكر سيرته، وسنته وأخلاقه يحرك عزائمنا كما يحرك الحادي الإبل في السفر

وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد…………دليلا كفانا نور وجهك هاديا

المعنى أن نور الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وهديه يكفينا دليلا إلى الصراط المستقيم

أهم ما يستفاد من كلام ابن القيم: أن الهداية فضل من الله لكن العبد مأمور أن يطلب الحق ويصبر عليه

لا ينفع الإنسان نسبه ولا ماله ولا قربه من الصالحين إن لم يؤمن ويستسلم للحق

ولا يضر الإنسان أصله ولا بلده ولا ماضيه إذا صدق مع الله

سلمان لم يصل إلى الإسلام بالراحة بل بالبحث والسفر والصبر والتثبت من الدليل

وأبو طالب لم تنفعه محبته الطبيعية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم ينطق بالتوحيد ولم يدخل في الإسلام.

ومن أراد أن يأخذ نصيبه من معنى قصة سلمان فليكن عبدا لله ونسبه الإسلام وزينته التقوى وهدفه رضا الله ودليله القرآن والسنة.


[1] قوله: “يقال لها جي”: بفتح الجيم وتشديد الياء.

[2]  “دهقان قريته”:  بكسر الدال وتضم أي: رئيسها.

[3] “قطن النار”: الظاهر أنه – بفتح فكسر، مخفف قطين أو قاطن – من قطن بالمكان: إذا لزمه؛ أي: خازنها وخادمها، أراد: أنه كان لازما لها لا يفارقها، وقيل: ويروى – بفتح الطاء – بمعنى: القاطن، وقوله: “الذي يوقدها” صفة كاشفة للقطن.

[4] ” الأسقف”: – بضم همزة وسكون سين وضم قاف وتشديد فاء -: هو عالم النصارى ورئيسهم.

[5] “لا يصلي الخمس”: أي: من غير المسلمين.

[6] “ولا أدأب”: بالهمزة؛ أي: أكثر اجتهادا في الخير. ومعنى كلام سلمان رضي الله عنه لم أرَ قبل أن أسلم، فيمن ليس من أهل الإسلام ولا يؤدي الصلوات الخمس التي يؤديها المسلمون، رجلاً أفضل من هذا الرجل في عبادته وتقواه على ما كان عنده من بقايا دين المسيح عليه السلام. فعبارة “لا يصلي الخمس” هي وصف له من منظور سلمان بعد الإسلام؛ أي إنه لم يكن مسلمًا من أمة محمد ﷺ حتى يصلي الصلوات الخمس المعروفة، وليس المراد أنه كان تاركًا للصلاة المفروضة عليه في شريعته مع فسقه، بل كان من بقايا أهل النصرانية المتمسكين بما بقي عندهم من الحق قبل أن تبلغهم بعثة النبي ﷺ، فيكون معنى العبارة: لم أرَ فيمن عرفت من غير المسلمين في ذلك الوقت رجلاً أصلح من هذا الراهب، ولا أشد زهدًا في الدنيا، ولا أعظم رغبة في الآخرة، ولا أكثر مواظبةً على العبادة ليلًا ونهارًا منه.

[7] كلب: اسم قبيلة. أي مرت به جماعة من الرجال من قبيلة كلب، وكانوا يعملون في التجارة.

[8] “رأس عذق”: – بفتح العين -: النخل.

[9] “فقال: فلان”: بتقدير حرف النداء.

[10] بنو قيلة هم الأنصار من أهل المدينة المنورة (قبيلتا الأوس والخزرج)

[11] “أخذتني العرواء”: ضبط: – بضم عين وفتح راء، ممدود – أي: الرعدة، وأصله برد الحمى.

[12] بالفقير”: هي الحفرة التي تحفر لغرس النخل، وهو مثل الفقير المقابل للغني.

[13] ودية: هي فسيلة النخلة الصغيرة التي تُغرس.

[14] “ففقر”: – بتشديد القاف؛ أي: احفر لها الفقير.

[15] في اصطلاح البلاغيين، المقابلة هي أن يُؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يُؤتى بما يقابلها على الترتيب، مثل قوله تعالى : “فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا”؛ فقابل الضحك بـالبكاء، والقليل بـالكثير، وفي عبارة ابن القيم يقصد بالمقابلات معنى أوسع قليلًا؛ أي: الموازنة بين الأشخاص وأحوالهم لإبراز التناقض والمفارقة واستخراج العبرة، وليس بالضرورة أن تكون كل واحدة منها «مقابلة» بالمعنى البلاغي الاصطلاحي الدقيق؛ فهو يسوق عددًا من المقابلات والموازنات بين شخصيات متفاوتة في النسب والجاه والمنزلة الدنيوية، ليبين انقلاب الموازين بالإيمان، وأن التفاضل الحقيقي عند الله بالتقوى لا بالمال ولا بالحسب.

[16] ولهذا قرر ابن القيم في موضع آخر من الكتاب أن أصل كل خير توفيق الله، وأن التوفيق هو ألا يكل الله العبد إلى نفسه، وأن الخذلان أن يخلي بين العبد وبين نفسه، ثم ذكر أن من مفاتيح التوفيق الدعاء والافتقار إلى الله وصدق اللجوء إليه والرغبة والرهبة.

[17] أبو طالب اسمه عبد مناف، وقد اشتهر بكنيته، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، كفله بعد وفاة جده إلى أن كبر، واستمر على نصرة النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بعث إلى أن مات، وكان يرد الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه على الشرك، وكان قد قطع على نفسه العهد بحماية النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا، وكان أبو طالب يعلم حقا ويقينا بأن دين النبي صلى الله عليه وسلم دين حق، ويدل على هذا قوله في شعره:

ولقد علمت بأن دين محمد     من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة     لوجدتني سمحا بذاك مبينا

[18] الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، من سادة قريش وأغنيائها في الجاهلية، ومن بني مخزوم. كان يُلقَّب بـ«ريحانة قريش» لسعة ماله ومكانته، وكان من كبار المعاندين لدعوة النبي ﷺ، وسمع القرآن من النبي ﷺ فتأثر ببلاغته، ثم رجع فكذّب واتهم القرآن بأنه سحر وكلام بشر إرضاءً لقريش. وقد نزلت فيه آيات من سورة المدثر، منها قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وهو والد الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

[19] صهيب الرومي رضي الله عنه صحابي جليل، أصله عربي من النَّمِر بن قاسط، لكنه نشأ في بلاد الروم بعد أن أُسر صغيرًا، فغلبت عليه لهجتهم فنُسب إليهم، أسلم في مكة في أوائل الإسلام مع عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وكان من السابقين إلى الإسلام، فآذته قريش بسبب دينه، ولما أراد الهجرة إلى المدينة منعه رجال من قريش، فترك لهم ماله كله مقابل أن يهاجر بدينه، فقال له النبي ﷺ: (رَبِحَ البيع أبا يحيى) وكان من أهل الفضل والكرم، واستخلفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليؤم الناس في الصلاة حتى يتم اختيار الخليفة بعد وفاته. توفي بالمدينة سنة 38 هـ تقريبًا.

[20] النجاشي هو أصحمة بن أبجر، ملك الحبشة في زمن النبي ﷺ. كان ملكًا عادلًا نصرانيًا، فلما هاجر إليه بعض الصحابة هربًا من أذى قريش آواهم وحماهم، ورفض تسليمهم لوفد قريش، وقرأ عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه آيات من سورة مريم، فتأثر وبكى، وعرف أن ما جاء به عيسى عليه السلام وما جاء به النبي محمد ﷺ من عند الله، وأسلم النجاشي سرًّا، وثبت على عدله ونصرته للمسلمين، ولما مات أخبر النبي ﷺ الصحابة بوفاته في اليوم نفسه، وخرج بهم إلى المصلّى فصلّى عليه صلاة الغائب.

Visited 9 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 856
  • Today's page views: : 928
  • Total visitors : 174,856
  • Total page views: 194,494