تحميل كتاب :الإنسان في القرآن

مقدمة الكتاب
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه البيان، وكرَّمه بالعقل، وشرَّفه بالتكليف، وهداه النجدين، واستخلفه في الأرض ليبتليه فيما آتاه، وأقام له من آيات الوحي والكون ما يدلُّه على خالقه، ويُبصِّره بحقيقة وجوده، ويهديه إلى غايته ومصيره.
والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد ﷺ، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبيَّن للإنسان طريق سعادته ونجاته، وهداه إلى ما تزكو به نفسه، ويستقيم به أمره في دنياه وأخراه؛ وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أعظم الأسئلة التي شغلت الإنسان منذ فجر التاريخ: من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا خُلقت؟ وما حقيقة هذه النفس التي بين جنبيَّ؟ وما سرُّ ما اجتمع في الإنسان من قوة وضعف، وعلم وجهل، وشكر وجحود، وصبر وجزع؟ وما وظيفتي في هذه الحياة؟ وإلى أين ينتهي بي هذا الطريق؟
وتلك أسئلة لا يستطيع الإنسان أن يستقل بالإجابة الكاملة عنها بعيدًا عن هداية خالقه؛ لأن علم الإنسان بنفسه، مهما اتسع، يظل علمًا محدودًا، أما الله سبحانه فهو خالق الإنسان، والعليم بحقيقته، وأحواله، وخصائصه، وما يصلحه ويفسده، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
ومن هنا كانت العودة إلى القرآن الكريم ضرورةً لفهم الإنسان؛ فالقرآن لا يحدِّث الإنسان عن ربه فحسب، وإنما يحدِّثه كذلك عن نفسه: عن أصل خلقه، ومراحل تكوينه، وفطرته، وخصائصه، ومواطن قوته وضعفه، وشهواته ونوازعه، وتكريمه وابتلائه، وأمانته ومسؤوليته، واستقامته وانحرافه، كما يبيِّن له سبيل إصلاح نفسه، والغاية التي خُلق من أجلها، والمصير الذي ينتظره بعد انقضاء حياته.
ومن يتأمل القرآن الكريم يجد فيه حديثًا واسعًا متنوعًا عن الإنسان؛ فتارةً يذكِّره الله بأصل خلقه، وتارةً يقرِّر تكريمه وحسن تقويمه، وتارةً يكشف له مواطن الضعف الكامنة في طبيعته؛ فيخبر أنه خُلق ضعيفًا، وأنه مطبوع على العجلة، وأنه قد يستسلم للهلع والجزع والمنع، أو يقع في الظلم والجهل، أو يجحد نعمة ربه، أو يشتد حبه للمال.
وليس المقصود من بيان هذه الصفات ذم الإنسان أو تحقيره على الإطلاق، وإنما المقصود تعريفه بحقيقة نفسه، وتنبيهه إلى مواطن ضعفه، حتى يعرف موضع الداء وطريق الدواء، ويدرك حاجته الدائمة إلى هداية الله وتوفيقه وتزكية وحيه.
أهمية موضوع الكتاب
تنبع أهمية الحديث عن “الإنسان في القرآن” من أن معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وفقره وضعفه تعينه على معرفة عظمة خالقه وكماله، وتبصِّره بوظيفته في الحياة، وتكشف له حقيقة علاقته بربه وبالكون وبالناس من حوله.
فالإنسان إذا جهل نفسه أخطأ في تقدير قدراته، وأساء التعامل مع غرائزه ونوازعه، وربما توهَّم الاستغناء بقوته، أو اغترَّ بعلمه، أو استسلم لضعفه، أو جعل شهوته غاية وجوده، أو ظن أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف.
أما التصور القرآني فيردُّ الإنسان إلى موضعه الصحيح؛ فهو مخلوق مكرَّم بما منحه الله من عقل وإرادة وقدرة، وهو في الوقت نفسه عبد ضعيف مفتقر إلى خالقه، لا يستغني عن هدايته وعونه، وهو صاحب اختيار ومسؤولية، ومبتلى فيما أعطاه الله، يعيش في الدنيا ويعمل على إصلاحها وعمارتها وفق شرع الله، غير أنه لم يُخلق للدنيا وحدها، وإنما خُلق لعبادة الله، وحُمِّل الأمانة، ثم يعود إلى ربه ليحاسبه على ما قدَّم.
وتزداد الحاجة إلى هذا الموضوع في زماننا؛ إذ تعددت التصورات التي تحاول تعريف الإنسان بعيدًا عن الوحي: فتصورٌ يختزله في جسد تحرِّكه الغرائز، وآخر يراه كائنًا اقتصاديًّا تحكمه المنفعة، وثالث يجعله سيد نفسه، لا مرجعية فوق إرادته، ولا غاية وراء متعته ومصلحته.
أما القرآن الكريم فيقدِّم رؤيةً شاملةً متوازنةً للإنسان؛ تجمع بين الجسد والروح، والعقل والفطرة، والاختيار والتكليف، والحرية المنضبطة والمسؤولية، والدنيا والآخرة؛ فلا تطغى فيها حاجة الجسد على غذاء الروح، ولا يُلغى العقل باسم الإيمان، ولا ينفصل الاختيار عن المحاسبة، ولا تصبح عمارة الدنيا حجابًا عن الاستعداد للآخرة.
وقد حرصت في هذا الكتاب على إبراز الصلة الوثيقة بين تكريم الإنسان ووظيفته؛ فالله تعالى لم يكرِّمه عبثًا، وإنما منحه من الأدوات والقدرات والاستعدادات ما يؤهله لحمل الأمانة، والقيام بالعبودية، وإصلاح الأرض وعمارتها وفق منهج الله تعالى.
والتفسير الموضوعي للقرآن يعد من أنفع المناهج في الكشف عن هداياته؛ إذ لا يقف الباحث فيه عند تفسير آية منفردة بمعزل عن نظائرها، وإنما يجمع الآيات المتعلقة بقضية واحدة، ويردُّ بعضها إلى بعض، وينظر إليها في سياقاتها المختلفة؛ حتى تتكامل الجزئيات وتتضح الصورة القرآنية الكلية.
وموضوع الإنسان من أخصب موضوعات التفسير الموضوعي؛ لأن الآيات المتعلقة به موزعة في سور القرآن الكريم: فمنها ما يتحدث عن أصل خلقه وتكوينه، ومنها ما يبيِّن فطرته وتكريمه، ومنها ما يكشف مواطن ضعفه وصفاته ونوازعه، ومنها ما يوضح ابتلاءه ومسؤوليته وأمانته، ثم تأتي آيات أخرى ترسم له سبيل التزكية والإصلاح والنجاة.
ومن هنا تظهر قيمة جمع هذه الآيات ودراستها في إطار موضوعي متكامل؛ فالآيات التي تصف الإنسان بالضعف تكملها الآيات التي تقرر تكريمه، والآيات التي تصفه بالهلع والجزع تكملها الآيات التي تستثني أهل الصلاة والإيمان والطاعة، والآيات التي تكشف ما قد يقع فيه من ظلم وجهل وجحود تكملها الآيات التي تبيِّن أثر الإيمان والعمل الصالح في تزكية النفس وتقويم السلوك.
وبهذا المنهج لا نقع في خطأ بناء تصور كامل عن الإنسان استنادًا إلى آية واحدة أو صفة منفردة، وإنما ننظر إليه من خلال مجموع البيان القرآني، فنرى ضعفه إلى جانب قوته، وتكريمه إلى جانب تكليفه، واختياره إلى جانب مسؤوليته، واستعداده للانحراف إلى جانب قدرته، بتوفيق الله، على التوبة والتزكية والارتقاء.
منهج الكتاب
جمعت في هذا الكتاب بين التفسير التحليلي للآيات المحورية والتفسير الموضوعي الذي يربط الآيات بنظائرها، وسلكت في ذلك منهجًا يقوم على المعالم الآتية:
- اختيار الآيات المحورية المتعلقة بالإنسان: وذلك بجعل كل آية، أو مجموعة مترابطة من الآيات، مدخلًا لدراسة جانب من جوانب حقيقة الإنسان وخصائصه ووظيفته ومصيره.
- بيان المعنى الإجمالي للآيات: من خلال شرح ألفاظها، والكشف عن دلالاتها، وبيان ما يحتاج منها إلى إيضاح، مع مراعاة السياق الذي وردت فيه.
- عرض أقوال أهل التفسير: بالرجوع إلى كلام المفسرين قديمًا وحديثًا، والاستفادة مما فتح الله به عليهم من فهم المعاني واستنباط الهدايات، مع الترجيح بين الأقوال عند الحاجة، وفق دلالة السياق، وتفسير القرآن بالقرآن، والسنة الصحيحة، ولسان العرب، وأقوال السلف، وقواعد الترجيح المعتبرة.
- تفسير القرآن بالقرآن: وذلك بربط الآية بنظائرها في سور القرآن المختلفة؛ حتى تتكامل الصورة، ولا يُفهم النص القرآني بمعزل عن بقية النصوص المتصلة بموضوعه.
- الاستفادة من السنة النبوية: لما للسنة من أثر عظيم في بيان معاني القرآن وتفصيل مجمله وتجسيد هداياته، مع ربط دلالات الآيات بهدي النبي ﷺ وسيرته العملية.
- الانتقال من التفسير إلى التدبر والتربية: فلم يكن المقصود الوقوف عند حدود الدلالة اللغوية والتفسيرية، وإنما تجاوز ذلك إلى النظر في أثر الآية في النفس والسلوك: ماذا تصنع هذه الآية في الإنسان؟ وكيف تعالج ضعفه وعجلته وجزعه وشحَّه وغفلته؟ وكيف تتحول المعرفة القرآنية إلى إيمان وعبادة وأخلاق وعمل؟
- ربط الهدايات القرآنية بواقع الإنسان المعاصر: وذلك بتنزيل المعاني القرآنية على ما يواجهه الإنسان في شؤون أسرته وعمله وماله وعلاقاته وابتلاءاته؛ حتى يشعر القارئ أن القرآن يخاطبه، ويعالج واقعه، ويهديه في تفاصيل حياته، لا أنه يتحدث عن إنسان بعيد عاش في زمن مضى.
سمات هذا المنهج ومميزاته
من أبرز ما أرجو أن يتميز به هذا الكتاب الجمع بين التفسير والتدبر، والعلم والتربية، والتأصيل والتطبيق؛ حتى لا يكون الحديث عن الإنسان دراسةً نظريةً مجردة، وإنما رحلةً يتعرف القارئ فيها على نفسه في مرآة القرآن، ويكتشف من خلالها مواطن ضعفه وقوته، وأسباب انحرافه، وسبل تزكيته وإصلاحه.
كما يقوم هذا المنهج على النظرة المتكاملة إلى الإنسان، فلا يختزله في صفة واحدة، ولا ينظر إليه نظرة مبتورة؛ فالإنسان الذي وصفه القرآن بالضعف هو نفسه الذي كرَّمه الله، وخلقه في أحسن تقويم، ومنحه العقل والإرادة والقدرة، وكرَّم أباه آدم عليه السلام فأمر الملائكة بالسجود له، وحمَّله الأمانة، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض.
والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله بقبول حسن، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، وأن يبصِّرنا بهدايات كتابه، ويعرِّفنا بحقيقة أنفسنا، ويعيننا على تزكيتها وإصلاحها، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وهاديًا لنا إلى صراطه المستقيم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
د. حسين عامر
مدينة لافال- كندا
غرة شهر ربيع الأول 1448هـ
لتحميل الكتاب اضغط هنا
الإنسان في القرآن

