صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن (5) إن الإنسان لظلوم كفار

تاريخ الإضافة 10 يوليو, 2026 الزيارات : 4904

(5) إن الإنسان لظلوم كفار

قال تعالى:وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ” [إبراهيم 34]

معنى الآية الكريمة

(وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم مما تسألونه إياه بلسان الحال، أو بلسان المقال، وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه.

(وإن تعدوا نعمة الله) أي: نعم الله، والمقصود بإفراد اللفظ جنس النعم، كقولنا إنسان ويقصد به جنس الإنسان وليس شخصا بعينه.

(لا تحصوها) لا تطيقوا عدها فضلا عن قيامكم بشكرها، والإِحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.

(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) والمراد بالإِنسان الكافر كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم: 66] أى: إن الإِنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله تعالى، ولشديد الجحود والكفران لنعمه عز وجل.

(لَظَلُومٌ) أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه أي: ظالم لنفسه بالمعصية، كافر بربه عز وجل في نعمته.

(كفار) أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغي.

لفتة بلاغية بين آية سورة إبراهيم وآية سورة النحل:

قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم: 34)، وقال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل: 18) وهنا وقفة لطيفة، فتجد أن الله ختم الآيتين بخاتمتين مختلفتين؛ ففي سورة إبراهيم ختمت بقوله تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار}، وأما في سورة النحل فختمت بقوله تعالى: {إن الله لغفور رحيم} فما تعليل ذلك؟

التعليل والله أعلم أن كل خاتمة جاءت مناسبة لسياق السورة والآيات التي قبلها.

في سورة إبراهيم قال الله تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار} لأن السياق هنا في بيان كثرة نعم الله على الإنسان، ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس يقابلون هذه النعم بالظلم والكفر والجحود، فالإنسان يظلم نفسه بالمعاصي، ويظلم غيره، ويكفر النعمة بعدم شكرها أو بشكر غير الله من الآلهة المزعومة باستعمالها في غير طاعة الله.

فناسب أن تختم الآية ببيان حال الإنسان عند التقصير: نِعَم كثيرة لا تُحصى، ومع ذلك الإنسان ظلوم كفار.

أما في سورة النحل، فالسورة أصلًا تسمى عند كثير من العلماء سورة النعم؛ لأنها تذكر نعم الله المتتابعة: خلق السماوات والأرض، الأنعام، المطر، الزروع، الليل والنهار، البحر، الجبال، السبل، وغير ذلك.

وقبل هذه الآية جاء ذكر نعم عظيمة تدل على رحمة الله بعباده، ثم ختم الآية بقوله:

(إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لأن المعنى: مهما قصرتم في شكر هذه النعم، فإن الله لا يعاجلكم بالعقوبة، بل يمهلكم، ويغفر لمن تاب، ويرحم عباده مع تقصيرهم.

فناسب أن تختم الآية ببيان فضل الله: نِعَم كثيرة لا تُحصى، ومع تقصير العباد فالله غفور رحيم.

والفرق اللطيف بين الخاتمتين: في سورة إبراهيم: النظر إلى حال الإنسان مع النعمة، فجاء: {إن الإنسان لظلوم كفار}، وفي سورة النحل: النظر إلى حال الله مع عباده رغم تقصيرهم، فجاء: {إن الله لغفور رحيم}

فالآيتان تجمعان بين حقيقتين عظيمتين: تقصير الإنسان في الشكر، وسعة رحمة الله ومغفرته.

منزلة الشكر في الإسلام

يقول ابن القيم في كتاب الفوائد: ” الإيمان يبنى على الصبر والشكر، فنصفه صبر ونصفه شكر، فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه” ولعل ابن القيم يشير إلى حديث الرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي قَالَ فيه:” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ!! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ!! إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ!! وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ!!” رواه مسلم

وقد جمع الأنبياء بين مقامي الشكر والصبر؛ ليكونوا بذلك في أعلى درجات الإيمان؛ وفي مقدمتهم رسولنا صلى الله عليه وسلم.

 فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا! فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا؛ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ؛ وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ.” (رواه أحمد والترمذي)

حقيقة الشكر وأركانه

 حقيقة الشكر كما قال ابن القيّم في «مدارج السالكين»:” الشّكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبّة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة.” 

إذن الشّكر يكون بالقلب واللّسان والجوارح:

 أمّا بالقلب فهو أن يقصد الخير ويضمره للخلق كافة.

وأمّا باللّسان: فهو إظهار الشّكر لله بالتّحميد، وإظهار الرّضا عن الله تعالى.

 وأمّا بالجوارح: فهو استعمال نعم الله في طاعته، والتّوقّي من الاستعانة بها على معصيته، فمن شكر العينين أن تستر كلّ عيب تراه للمسلم، ومن شكر الأذنين أن تستر كلّ عيب تسمعه.

ومن هنا يتبين لنا أن أركان الشكر ثلاثة هي:

  • الاعتراف بالنعمة أولا.
  • ثم الثناء على المنعم ثانيا.
  • ثم العمل بالجوارح في طاعة الله ثالثا.

وإلى الشرح والتفصيل:

أولا: الاعتراف بالنعمة:

ومعنى الاعتراف بالنعمة: أي تعترف وتوقن أن الذي أسداك تلك النعمة هو الله؛ وما العبد إلا وسيلة فقط للحصول عليها؛ فلا تنسب النعمة للعبد وتنس الرب؛ لأن هذا فعل الجهال الذين في عقيدتهم زيف وضلال؛ فهم ينسبون النعم لغير بارئها؛

فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فيما يبلغ عن رب العزة جل جلاله:” أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. “[متفق عليه].

وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في كل صباح:” اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أو بأحد من خلقك فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لك فلك الحمد ولك الشكر ” (أبوداود)

ثانياً: الثناء على المنعم:

 الثناء على المنعم – وهو الله عز وجل – بما أولاك من نعم وأسداك من معروف؛ ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحي ليله كله في الثناء على الله عز وجل:

 فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ” فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَسْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ؛ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ؛ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. “رواه مسلم.

وروي في الأثر: أن داود – عليه السلام – قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم.

وقال القائل في ذلك:

لو كل جارحة مني لها لغة تثني       عليك بما أوليت من حسن

لكان ما زاد شكري إذ شكرت به       إليك أبلغ في الإحسان والمنن

ثالثا: العمل بالجوارح:

والشكر لا يكون باللسان فقط وإنما بالقول والعمل؛ لأن المعنى الحقيقي للشكر أن يستعمل المؤمن النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عزَّ وجلَّ”؛ ولهذا قال الله لآل داود { اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } ( سبأ : 13)؛ فالله سبحانه أمر آل داوود بالعمل شكراً، لأن هناك فرقاً بين شكر القول وشكر العمل، فشكر القول باللسان يسمي حمداً وبالعمل يسمي شكراً ، لذلك قال: اعملوا ، ولم يقل: قولوا شكراً، لأن الشاكرين بالعمل قلة، لذلك ختم الآية بقوله: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم برجل في السوق فإذا بالرجل يدعو قائلا: (اللهم اجعلني من عبادك القليل.. اللهم اجعلني من عبادك القليل) فقال له عمر: من أين أتيت بهذا الدعاء؟ فقال هذا الرجل: إن الله يقول في كتابه العزيز: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، وقال: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} (ص: 24)، فأسأل الله أن يجعلني من هؤلاء القليل، فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر.

شكر النعم من جنس النعمة ذاتها:

  • فمَن رزقه الله علمًا فشكره بالإنفاق منه بأن يعلم غيره، ويفقه أهله وجاره.
  • ومَن رزقه الله جاهًا، فشكره بأن يستعمله في تيسير الحاجات للآخرين، وقضاء مصالحهم.
  • ومَن أفاض الله عليه إيمانًا راسخًا، ويقينًا ثابتًا، فشكره أن يفيض على الآخرين من إيمانه، وأن يسكب عليهم من يقينه؛ وذلك بأن يذكرهم بنعم الله وآلائه، وأن يحيي في قلوبهم الرجاء والخوف والخشية من الله، وأن يُثَبِّت في قلوبهم بأن الآجال والأرزاق بيد الله، وأن الخلق لا يملكون له نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن من أسماء الله الحسنى أنه المحيي المميت، الرزاق، النافع الضار، القابض الباسط.
  • ومن رزقه الله الـذرية فإن شكرها يكون بأن يغرس في قـلبها عقيدة التوحيد من الصغر، وأن ينشئها على طاعة الله- عزَّ وجلَّ- وأن يحصنها ويعيذها من الشيطان كما أعاذت امرأة عمران ابنتها حين قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران: 36)
  • وشكر المال يكون بالإنفاق منه في وجوه البر.
  • وشكر القوة والصحة يكون بمساعدة الضعفاء، والعمل والبناء والبذل والعطاء.
  • وشكر الوظيفة يكون بالقيام بواجباتها وأداء مهامها، وكل نعمة من نعم الله تعالى علينا تستوجب شكرها.
  • وكذلك شكر الله- عزَّ وجلَّ – على ما أنعم به علينا من جوارح، كاليدين والرجلين والعينين والأذنين وغيرها؛ أن نستخدمها في طاعة الله عز وجل.

جاء رجل لأبي حازم فقال له: ما شكر العينين؟

قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته.

قال: فما شكر الأذنين؟

قال: إن سمعت خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا أخفيته.

قال: فما شكر اليدين؟

قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله- عزَّ وجلَّ- هو فيهما.

قال فما شكر البطن؟

قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا.

قال فما شكر الفرج؟

قال: كما قال الله- عزَّ وجلَّ-: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ} (المؤمنون: 5 – 7)

قال: فما شكر الرِّجْلَيْنِ؟

قال: إن رأيت حيًّا غبطته عملت بهما عمله، وإن رأيت ميتًا مقته كففتهما عن عمله، وأنت شاكر لله- عزَّ وجلَّ، فأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه، ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر”
المقصود بقوله: “إذا رأيتَ حيًّا غبطتَه استعملتَ بهما عملَه
أي: إذا رأيتَ رجلًا صالحًا حيًّا، فأعجبك ما يقوم به من الطاعات والخير، وتمنيت أن تعمل مثل عمله دون أن تزول النعمة عنه، فإن شكر رجليك أن تسير بهما إلى مثل ما يسير إليه:

  • يمشي إلى المسجد، فتمشي إلى المسجد.
  • يزور المرضى ويصل الأرحام، فتفعل مثله.
  • يطلب العلم ويحضر مجالس الخير، فتسعى بقدميك إلى ذلك.
  • يمشي في قضاء حوائج الناس، فتقتدي به.

وقوله: وإن رأيتَ ميتًا مقتَّه كففتَهما عن عمله.
أي: إذا رأيتَ إنسانًا مات، وعرفت أنه كان يسلك طريقًا سيئًا من الفسق والظلم والمعاصي، فكرهت سيرته وطريقته، فإن شكر قدميك أن تمنعهما من السير في الطريق الذي كان يسير فيه.

فلا تمشِ بهما:

  • إلى مجالس المعصية والفساد.
  • إلى ظلم الناس وأذيتهم.
  • إلى أماكن الفتن والمحرمات.
  • إلى القطيعة أو الاعتداء أو نشر الشر.

وسائل تحقيق الشكر

أولاً: الدعاء:

وذلك بأن تكثر من الدعاء بأن يجعلك الله من الشاكرين؛ كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا فقال:” يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.”(أحمد وأبو داود والنسائي)

وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا. . .) أخرجه الترمذي من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ-رضي الله عنه-، وصححه الألباني 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ. وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ.” رواه أبوداود وحسنه الحافظ ابن حجر.

ثانيا: ملازمة تقوى الله والعمل بطاعته:

قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] أي: فاتقوني؛ فإنه شكر نعمتي. 

ولهذا كان صلى الله عليه يقوم الليل حتى تتورم قدماه شكراً لله تعالي؛ فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) متفق عليه.

ثالثا: التفكر في نعم الله عليك:

قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

فانظر في نفسك كم نعمة تحملها؟!! وفي الكون كم نعمة أسداها الله لك؟!! فالمؤمن إذا شاهد نعمة تذكر حق المولى عليه وأحدث ذلك في نفسه شكرا عظيما لمولاه!!

كما حصل لنبي الله سليمان عليه السلام لما سمع كلام النملة؛ فاستشعر عظيم نعمة الله عليه بسعة ملكه وتسخير الطير له ومعرفته منطقهم؛ فشكر الله في الحال وخضع قلبه لله!! قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ}. (النمل 19)

رابعا: المداومة على صلاة الضحى:

لأن المداومة على صلاة الضحى يوميا شكرٌ لنعمة الصحة والعافية.

 فعن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» [البخاري ومسلم].

خامسا: تذكر السؤال على النعم يوم القيامة:

كل نعمة أسديت إليك فأنت مسئول عنها أمام الله؛ قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. قال ابن كثير:” ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.

ثمرات الشكر وفوائده

  1. الشكر سببٌ لرضى الله عن عبده: قال تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ” إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا” أخرجه مسلم.
  2. الشكر أمان من العذاب: قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ} [النساء: 147] قال قتادة رحمه الله: “إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا”
  3. الشكر سببٌ للزيادة: قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، وعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ: ” إِنَّ النِّعْمَةَ مَوْصُولَةٌ بِالشُّكْرِ، وَالشُّكْرُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَزِيدِ، وَهُمَا مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ، وَلَنْ يَنْقَطِعَ الْمَزِيدُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ ” أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. 
  4. الأجر الجزيل للشاكرين في الآخرة: قال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].

Visited 302 times, 5 visit(s) today

(2) تعليقات



اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 439
  • Today's page views: : 520
  • Total visitors : 90,274
  • Total page views: 100,092