صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن:15- ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾

تاريخ الإضافة 9 سبتمبر, 2026 الزيارات : 11

15- ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾ [الفجر: 15-16]

يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

 [الفجر: 15-16].

تكشف هذه الآيات عن فهمٍ خاطئ يقع فيه كثير من الناس؛ إذ يجعلون المال وسعة الرزق دليلًا لازمًا على رضا الله وكرامته، ويجعلون الفقر وضيق الرزق دليلًا على غضب الله وإهانته.

فإذا وسَّع الله على الإنسان في المال، ومنحه الصحة والمنصب والأولاد، قال: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، وظن أن هذا العطاء دليل قاطع على محبة الله له ورضاه عنه.

وإذا ضيَّق الله عليه رزقه، أو ابتلاه بمرض، أو أخَّر عنه بعض مطالبه، قال: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، وظن أن الله قد تركه وأذلَّه.

فردَّ الله على هذا التصور الخاطئ بقوله: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما يظن الإنسان؛ فليس مجرد سعة الرزق دليلًا لازمًا على الكرامة، وليس مجرد ضيقه دليلًا لازمًا على الإهانة. وإنما تظهر حقيقة العطاء والمنع في حال العبد مع الله، وما يترتب عليهما من شكر أو كفر، وصبر أو جزع، وطاعة أو معصية.

إن سعة الرزق ابتلاء، وضيقه ابتلاء، والعافية ابتلاء، والمرض ابتلاء، والمنصب ابتلاء، وفقده ابتلاء؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 35].

وتأملوا أن الله تعالى عبَّر عن الحالين بالابتلاء، فقال في حال صاحب النعمة: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾، وقال في حال صاحب الرزق الضيق: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾.

فالغنى ليس راحة خالصة، وإنما هو اختبار: أيشكر صاحبه أم يكفر؟ وهل ينفق أم يبخل؟ وهل يتواضع أم يتكبر؟ وهل يكتسب المال من الحلال أم يجمعه من كل طريق؟

والفقر ليس إهانة خالصة، وإنما هو اختبار كذلك: أيصبر صاحبه أم يجزع؟ وهل يحسن الظن بالله أم يعترض؟ وهل يحفظ دينه أم يبيعه من أجل الدنيا؟

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام: 165].

فلم يقل سبحانه: ليكرمكم بما آتاكم، وإنما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليختبركم فيما أعطاكم.

وحتى نفهم هذا المعنى بشكل صحيح أركز الحديث على النقاط التالية:

أولًا: المال ليس دليلًا حتميًّا على رضا الله

الرزق بيد الله جل وعلا، فالعطاء عطاؤه، والفضل فضله، وكل شيء بيده سبحانه. ورزق الله لعباده نوعان:

الأول: رزق عام

وهو ما تقوم به الأبدان من الطعام والشراب والكساء والمسكن وسائر متاع الحياة، وهذا يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر؛ قال تعالى:﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود: 6]وقال سبحانه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء: 20] وهذا العطاء العام لا يدل بمجرده على رضا الله عمن أعطاه؛ فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب.

الثاني: رزق خاص

وهو رزق القلوب من الإيمان، والهداية، والعلم النافع، والعمل الصالح، والاستقامة على طاعة الله. وهذا هو الرزق الأعظم الذي تتحقق به سعادة الدنيا والآخرة.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب». صححه الألباني.

فليس إعطاء الإنسان المال ومتاع الدنيا دليلًا قاطعًا على رضا الله عنه، كما أن تضييق الرزق عليه ليس دليلًا لازمًا على سخط الله وإهانته له؛ لأن الدنيا دار ابتلاء واختبار، وليست دار الجزاء الكامل.

وقد تكون سعة المال استدراجًا إذا قابلها صاحبها بالغفلة والكفر والإصرار على المعصية، وكم من إنسان كثرت أمواله، لكنها أبعدته عن الصلاة، وأفسدت قلبه، وقطعت رحمه، وجعلته متكبرًا على الخلق!

قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة: 55].

وكان قارون من أكثر الناس مالًا، حتى قال الله تعالى في وصف خزائنه:﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: 76] ومع ذلك لم يكن مكرمًا عند الله؛ لأنه بغى وتكبر، ونسب النعمة إلى علمه وقدرته، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78] فكانت عاقبته: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص: 81].

فالمال إذا أعان العبد على طاعة الله كان نعمة في حقه، وإذا صدَّه عن الله وأفسد قلبه كان فتنة عليه، مهما كثر في يده.

ثانيًا: ضيق الرزق ليس دليلًا على إهانة الله

قد يكون تضييق الرزق على العبد رحمة به؛ فيحفظ الله بذلك دينه، أو يدفع عنه فتنة، أو يطهره من ذنوبه، أو يرفع درجته، أو يرده إليه ردًّا جميلًا.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: 27].

وقد يمنع الله العبد من شيء طلبه رحمة به، أو يؤخره عنه لحكمة يعلمها سبحانه؛ فقد يريد الإنسان أمرًا يظنه خيرًا له، ويعلم الله أن الخير في صرفه عنه أو تأخيره.

وقد عاش نبينا محمد ﷺ حياة قليلة المتاع، حتى كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ولا توقد في بيوته ﷺ نار، وإنما كان طعامهم التمر والماء، ومع ذلك كان أكرم الخلق على الله.

وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله ﷺ، فوجده مضطجعًا على حصير قد أثَّر في جنبه، فبكى عمر، وذكر ما فيه كسرى وقيصر من النعيم، فقال له النبي ﷺ: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) متفق عليه.

فهل كان ضيق عيش النبي ﷺ إهانة له؟ حاشا وكلا؛ بل هو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله، وصاحب المقام المحمود.

فالكرامة ليست في كثرة ما تملك، وإنما في منزلتك عند الله، واستقامتك على طاعته.

ثالثًا: الكرامة الحقيقية في الإيمان والتقوى

يقوم ميزان كثير من الناس على المال والمظهر والمنصب والنسب، أما ميزان الله فيقوم على الإيمان والتقوى والعمل الصالح؛ قال تعالى:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].

وقال النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). رواه مسلم.

فقد يكون الإنسان فقيرًا، وثيابه بسيطة، ولا يعرفه الناس، ولكنه عند الله عظيم القدر، مستجاب الدعوة؛ قال النبي ﷺ: (رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه) رواه مسلم.

وقد يكون الإنسان غنيًّا مشهورًا يعظمه الناس في مجالسهم، ولكنه لا يزن عند الله شيئًا؛ لخلو قلبه من الإيمان والتقوى، أو لإعراضه عن العمل الصالح.

فلا نحكم على الناس من خلال ثيابهم، أو أموالهم، أو سياراتهم، أو مناصبهم؛ ولكن ننظر إلى دينهم، وأخلاقهم، وأمانتهم، وأعمالهم الصالحة.

رابعًا: واجب العبد عند النعمة

من وسَّع الله عليه في الرزق، فواجبه أن يعلم أن النعمة من الله وحده؛ قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53]

وعليه أن يشكر الله عليها بقلبه ولسانه وجوارحه؛ فيعترف بقلبه بأنها من فضل الله، ويحمده عليها بلسانه، ويستعملها بجوارحه في طاعته.

ومن شكر المال أداء زكاته، والصدقة منه، ومواساة الفقراء، وصلة الأرحام، وقضاء حوائج المحتاجين، وعدم الاستعانة به على معصية الله.

قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].

وليس الشكر أن يقول الإنسان بلسانه: الحمد لله، ثم يستعمل النعمة في الحرام؛ وإنما حقيقة الشكر أن يظهر أثر طاعة الله في استعمال النعمة.

فشكر المال بأداء زكاته والإنفاق منه، وشكر العلم بالعمل به وتعليمه، وشكر الصحة باستعمالها في الطاعة، وشكر المنصب بالعدل وقضاء حوائج الناس.

خامسًا: واجب العبد عند ضيق الرزق

من ضُيِّق عليه رزقه، فلا يقل: إن الله أهانني، ولا يسيء الظن بربه، ولا يقنط من رحمته؛ بل يصبر صبرًا واجبًا، ويسعى إلى مقام الرضا، ويحسن الظن بالله، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ويطلب الرزق الحلال، ويوقن أن خزائن الله لا تنفد.

قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22]وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 23].

وليعلم أن ما عند الله من الأجر أعظم مما فاته من متاع الدنيا، وأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما كثرت فهي قليلة.

وقال النبي ﷺ): ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس (. متفق عليه.

فالفقر الحقيقي ليس مجرد قلة المال، وإنما فقر القلب حين يخلو من القناعة والرضا، ويتعلق بما في أيدي الناس، ويغفل عما أنعم الله به عليه.

المؤمن رابح في جميع أحواله

المؤمن رابح في جميع أحواله: إن أصابته نعمة شكر، وإن أصابته شدة صبر؛

 قال رسول الله ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له). رواه مسلم.

فالمؤمن بين نعمة تدعوه إلى الشكر، وبلاء يدعوه إلى الصبر، وبين الشكر والصبر يسير العبد إلى الله.

وإذا رأيت من هو أكثر منك مالًا، فلا تحسده، ولا تظن أن الله فضَّله عليك بإطلاق؛ فإنك لا تعلم حقيقة امتحانه، ولا ماذا سيفعل بهذه النعمة.

وإذا قلَّ مالك، فلا تحتقر نفسك، ولا تظن أن منزلتك عند الله قد نقصت؛ فرُبَّ فقير صابر أحب إلى الله من غني غافل، ورُبَّ مريض محتسب أرفع درجة من صحيح مضيع، ورُبَّ عبد مجهول في الأرض معروف في السماء.

وإذا أغناك الله، فلا تتكبر على الفقير؛ فلعله أكرم منك عند الله، وإذا رأيت مبتلًى، فلا تشمت به؛ فإن الأيام تتقلب، والله قادر على أن يغير الأحوال.

من الاعتقاد إلى السلوك

إن الحديث عن المال في سورة الفجر لم يقف عند تصحيح الاعتقاد، بل انتقل إلى تقويم السلوك؛ فقال تعالى: ﴿كَلَّا  بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 17-20]

فمن علامات النجاح في امتحان المال: إكرام اليتيم، وإطعام المسكين، والحث على مساعدة المحتاجين، وأداء الحقوق، والابتعاد عن الظلم، وأخذ الميراث بحق، وعدم تعلق القلب بالمال تعلقًا يصده عن طاعة الله.

الخلاصة

  1. سعة الرزق ليست دليلًا حتميًّا على رضا الله، وضيقه ليس دليلًا لازمًا على إهانة العبد.
  2. الغنى والفقر كلاهما ابتلاء؛ فالغني ممتحن بالشكر، والفقير ممتحن بالصبر.
  3. الرزق الدنيوي عطاء عام، يناله المؤمن والكافر، فلا يدل بمجرده على محبة الله.
  4. رزق الإيمان والهداية والعمل الصالح هو أعظم أنواع الرزق.
  5. المال نعمة إذا أعان صاحبه على الطاعة وأداء الحقوق، وقد يصير فتنة إذا أورثه الغفلة والكبر والبخل.
  6. قد يكون تضييق الرزق رحمة بالعبد وحفظًا له من فتنة لا تصلح له.
  7. الكرامة الحقيقية لا تقاس بالمال والمظهر والمنصب، وإنما بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.
  8. شكر النعمة يكون بالقلب واللسان والجوارح، وباستعمالها في طاعة الله.
  9. واجب العبد عند ضيق الرزق أن يصبر، ويحسن الظن بالله، ويأخذ بالأسباب المشروعة.
  10. الغنى الحقيقي غنى النفس وقناعتها، وليس مجرد كثرة الأموال والممتلكات.
  11. المؤمن رابح في جميع أحواله؛ يشكر عند السراء، ويصبر عند الضراء.
  12. يظهر النجاح في امتحان المال في إكرام اليتيم، وإطعام المسكين، وأداء الحقوق، والبعد عن الظلم.
  13. خلاصة الآيتين: ليست الكرامة في كثرة ما تملك، ولا الإهانة في قلة ما تملك، وإنما الكرامة في تقوى الله، والنجاح في شكره عند العطاء والصبر عند المنع.
Visited 3 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 581
  • Today's page views: : 616
  • Total visitors : 146,689
  • Total page views: 162,609