صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن: 4- وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

تاريخ الإضافة 30 يونيو, 2026 الزيارات : 3114

(4)﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

قال تعالى﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [سورة الكهف: 54]

معني الآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيّ بيَّنا ونوَّعنا، أيْ تارةً بالأمر، وتارةً بالنهي، وتارةً بالقصة، وتارةً بالمَثَل، وتارةً بالتحذير، وتارةً بالتبشير، وتنوع الأساليب من خصائص القرآن؛ لأنه كِتاب هدايةٍ ورشد.

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: ومع هذا البيان وهذا الفرقان فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى اللّه وبصره لطريق النجاة، والجدال يقصد به المحاجة أو المناظرة، واستعراض الآراء المدعومة بالحجج والبراهين التي تدعم رأى أحد المتجادلين، أو تدعم وجهة نظره على نظيره.

وعن علي بن أبي طالب أنَّ رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- طرقه وفاطمة بنت رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- ليلة، فقال: “ألا تصليان”، فقلت: يا رسول اللّه إنما أنفسنا بيد اللّه، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه ويقول: “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا” أخرجه البخاري ومسلم.

 الإنسان وكثرة الجدل:

الله تعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض؛ أي جعله مسؤولًا عن إصلاحها وعمارتها، وهذه العمارة لا تقتصر على البناء والزراعة والصناعة فقط، بل تشمل أيضًا إقامة العدل، ونشر الخير، وحفظ الحقوق، والدعوة إلى الحق، ومحاربة الظلم والباطل، ولكي يستطيع الإنسان أداء هذه المهمة، أعطاه الله قدرات كثيرة، مثل: العقل، والبيان، والفهم، والإرادة، والقدرة على التعلم والتواصل؛ بهذه النعم يستطيع الإنسان أن يميز بين الحق والباطل، وأن يعبّر عن رأيه، وأن يدافع عن الحق، وأن يتعاون مع غيره.

ثم إن الإنسان بطبيعته اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش وحده منعزلًا عن الناس؛ فهو يحتاج إلى الأسرة، والمجتمع، والعمل، والتعاون، وتبادل المنافع؛ وبما أنه يعيش مع غيره، فلابد أن تحصل بين الناس آراء مختلفة، ومصالح متعددة، ومواقف تحتاج إلى نقاش وبيان.

من هنا يأتي الجدال بمعناه الصحيح، لا بمعنى الخصام والعناد، بل بمعنى الحوار والمناقشة لإظهار الحق؛ فالجدال إذا كان بالحق وبالأدب يكون وسيلة نافعة لتحقيق مقاصد عظيمة، منها:

استجلاب الحقوق: أي أن الإنسان قد يحتاج إلى أن يناقش ويبيّن حجته حتى يحصل على حقه.

دفع المظالم: أي الدفاع عن المظلوم ورد الظلم عنه بالحجة والبيان.

إعلاء الحق: أي توضيح الحق ونصرته حتى يظهر للناس.

دحض الباطل: أي كشف فساد الكلام الباطل ورد الشبهات بالحجة.

أنواع الجدال

أولا / الجدل المحمود:

وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الجدال في قوله تعالى: ” ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “ [النحل: 125]

وهو الذي يكون وسيلة من وسائل الدعوة الى الله وائتلاف قلوب العباد وترغيبهم في الخير وفضائله وتنفيرهم من الشر وغوائله، والأمر بالمعروف بمعروف والنهى عن المنكر بلا منكر، والحض على فعل الواجبات واجتناب المنهيات.

ويشترط فيه هذه الشروط:

  1. أن يكون موضوعه ذو قيمة وأن يبتغى من طرحه للحوار جدوى وفائدة عامة كدفع ضرر شديد أو استجلاب خير وفير.
  2. أن يرجى من المجادل عدم العناد واتباع الهوى.
  3. أن يكون الجدال بالتي هي أحسن من الرفق ولين الجانب وعدم التعالي والغرور، وإلا كان مذموماً لأنه سيؤول الى مفاسد عظيمة وأضرار بالغة.
  4. أن يكون عن علم وبصيرة بموضوع الجدال وإلا كان ممقوتاً، قال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّوا فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) آل عمران 66

 ثانيا/ الجدل المذموم:

هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، طلبا للشهرة أو المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص: قوله تعالى: ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ “ [الحج: 3]، وقوله تعالى: ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ “ [الحج: 8].

وهذا النوع من المجادلين يغلب عليهم التعصب الأعمى، ويسيطر عليهم الغضب؛ مما يفضى في النهاية الى المنازعة والمخاصمة وربما أدى الى أسوء من ذلك.

وأقبح صور الجدال والمراء الجدال عن الباطل، قال -تعالى-: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا  يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُو مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)[النساء: 107-109].

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدىً كانُوا عليهِ إلا أُوتُوا الجدلَ) ثمّ تلا هذه الآية: {وَقَالوا ءَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوه لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمونَ}.

  • وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل.
  • وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل
  • كان أبو قلابة يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم؟ فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم.

ويشيع هذا النوع بين الذين لم يحصّلوا قدرا كافيا من العلم والثقافة  فما أن يطرح أحدهم موضوعاً ما إلا ويسارع المحيطين بالإدلاء بآرائهم وطرح أفكارهم  وبنفس السرعة يتحول الحضور الى فريقين مؤيد ومعارض،  ويسير الجدال في عدة مراحل من السيء الى الأسوأ ، ويحاول كل طرف أن يثبت تفوقه، وأن رأيه صواب لا يحتمل الخطأ، وأن رأى الطرف الآخر خطأ لا يحتمل الصواب ، واليوم ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي صيّرت من اللاشيءِ شيئاً، وجرأت السفهاء على العقلاء، وأصبح لكل شخص منبرا يتحدث منه ، وهذه المعارك الكلامية، والتراشقات اللفظية، أغلبها مراءِ يُسْتخرجُ بها الغضب، وتُترجمُ بسيء العبارات، وتنتهي تلك المنازلات بوحشة في النفوس، وتفرقٍ في القلوب، وفرحةٍ للشيطان؛ حين حقق هؤلاء أحبّ وظيفة له بين الناس! وهي التحريش بينهم.

 قال الله -تعالى-: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة:197]

عن ابن مسعود في قوله: (وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) قال: “أن تماري صاحبك حتى تغضبه” وعن ابن عباس قال: “الجدال: المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.

وقد رغب النبى صلى الله عليه وسلم في ترك الجدال من هذا النوع، فعن أبي أُمَامَة -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: قال رسولَ اللهِ ﷺ: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإنْ كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمَنْ تركَ الكذبَ وإنْ كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه). رواه أبو داوود وحسَّنَهُ الألباني.

وقوله: (أَنَا زَعِيم): يعني أنا ضامنٌ وكفيلٌ وملتزم بأنَّ مَنْ فعل كذا فله كذا.

و(البيتُ) هُنا هو القَصْرُ في الجَنَّة.

(رَبَضُ الْجَنَّة) هو ما حولها، فالرَّبَضُ هُنا حَوالِي الجنةِ وأطرَافُهَا، لا في وَسَطِها.

 ما علينا لو اختلفنا في مسألة ولم تختلف قلوبنا؟

تناقش الإمام الشافعي- رحمة الله عليه- مع تلميذه يونس بن عبد الأعلى في مسألة فاختلفا، وانتهى الحوار، ولم يتفقا، قال: فأمسك الشافعي بيدي وقال: ما علينا لو اختلفنا في مسألة ولم تختلف قلوبنا.

ما المشكلة لو اختلفنا في مسألة ولم تختلف قلوبنا؟ نحن عندنا تختلف قلوبنا وأضلاعنا وتنهدم الدنيا ونمكر الشر والسوء بمن خالفنا ونتفنن كيف نؤذيه، وكيف ننشر أسراره ونهتك أستاره، ونفضحه ونشهر به أمام الناس، ما السبب يا أخي؟ لقد اختلف معي!!! 

فنحن كمسلمين تختلف عقولنا لكن لا تختلف قلوبنا نختلف في كل شيء نتصوره وندركه ونعرفه، أي نعم عندنا اختلاف بحق، واختلاف بباطل لكن علاجه الحوار، ومبدأ من وافقني فهو قديس ومن خالفني فهو إبليس!!! هذا مبدأ سقيم، لأن قائله لم يعلم أن الأنبياء الكرام جميعا تعاملوا مع المخالفين لهم بالحوار، الحوار أن يسمع بعضنا بعضا أن يوضح كل واحد منا موقفه من الآخر، فإذا وضحت الرؤية وضح التصور، ووضح الحكم.

ولما تنازع أحد العبيد مع آخر كان يستقون الماء فقال أحدهم: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار!! قال النبي: (دعوها فإنها منتنة)

 رائحة العصبية واختلاف القلوب واستدعاء العصبيات أنا مهاجري وأنت أنصاري هذه نتن يعني من أخلاق الجاهلية لا ينبغي للمسلمين أن يتصفوا بها، وفيهم نزل قول الحق (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) – [آل عمران/103] 

إذن نختلف لكن لا تختلف قلوبنا، نتحاور ولا نتعادى ولا نتخاصم أيا ما كان من يخالفنا نحاورهم ونكلمهم، والله تعالى قال لمن هو خير منا: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) – [البقرة/272] يعني إن كنت على الحق تبينه لكن ليس بمستطاعك أن تلزم الناس بما تعتقد أو بما تتصور ليس لك ولاية على أن يتقبل الناس دينك أو فكرتك أو رأيك أو تصورك وليس هناك إكراه (لست عليهم بمصيطر) – [الغاشية/22] 

 

Visited 324 times, 2 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 448
  • Today's page views: : 532
  • Total visitors : 90,283
  • Total page views: 100,104