صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن: 10- “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ”

تاريخ الإضافة 8 سبتمبر, 2026 الزيارات : 3976
(10)”وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ” [الحج 11]

نَحْنُ في هذه الدنيا في دار امْتِحَانٍ عظيم، وكلُّ يومٍ يحمل لنا امتحانًا جديدًا، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2]

فكل عطاء من الله من المَالُ، أو الزَّوْجَةُ، أو الوَلَدُ، أو الغِنَى، أو الصِّحَّةُ، أو الأمن هو امتحان لنا من الله هل سنؤدي شكر نعمه ونجعلها في طاعته أم لا؟

وكل ما يصيب العبد من مرضٍ أو خوفٍ أو فقرٍ أو ظلمٍ هو أيضا امتحان لنا من الله هل سنصبر ونحتسب أم نسخط ونجزع؟

والله يريدك أيها المؤمن عبداً له في السراء وفي الضراء، فكلاهما فتنة واختبار، فلَيْسَ منا أَحَدٌ إلا وَهُوَ مُمْتَحَنٌ، وَلَيْسَ هناك مَن هُوَ أَكْبَرُ من أَنْ يُمْتَحَنَ، والذي ابْتَلانَا هُوَ الذي أَنْعَمَ عَلَيْنَا، والذي أَخَذَ مِنَّا هُوَ الذي أَغْدَقَ عَلَيْنَا، والذي أَخَافَنَا هُوَ الذي أَسْبَغَ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ، والذي أَجَاعَنَا هُوَ الذي أَطْعَمَنَا من جُوعٍ.

وفي هذا المعنى قال النبي ﷺ حين سَأَلَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبَاً اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَـمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ” رواه الإمام أحمد.

لَيْسَ في البَشَرِ مَن يَمْلِكُ رَفْضَ الامْتِحَانِ، وَلَكِنْ فِينَا مَن يُمْتَحَنُ بالبَلاءِ فَيَنْجَحُ بالصَّبْرِ والإِيمَانِ والاحْتِسَابِ، فَيَكُونُ نِعْمَ العَبْدُ، وَفِينَا مَن يُمْتَحَنُ بالبَلاءِ فَيَرْسُبُ بالجَزَعِ والاعْتِرَاضِ على اللهِ تعالى، فَيخْسَرُ الدُّنْيَا والآخِرَةَ.

وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج 11

عَلى حَرْفٍ: حرف الشيء طرفه أو أوله أي على شك بغير ثقة.

والمعنى أن هناك صنفا من الناس دَخَلَ فِي الدِّينِ عَلَى حرف، أي لم يتمكن الإسلام من قلبه، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُحِبُّهُ من متاع الدنيا استمر واسْتَقَرَّ، وإن لم يجد ما يلبي شهواته ورغباته ترك دينه وكفر.

وقوله تعالىخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ” الخسران كل الخسران أن تكون صلة العبد بربه هزيلة يثبت إذا وجد نفعا وينحرف إذا تعرض إلى اختبار ومحنة، ومن الخسران أن يعبد العبد ربه إذا كان في التعبد منفعة وإن لم يكن فيه منفعة عاجلة ترك العبادة. 

فهذا الصنف من الناس لم يتمكن الإيمان من قلبه، بل هو مزعزع العقيدة، تتحكم مصالحه في إيمانه، فإن أصابه خير فرح به واطمأن، وإن أصابته شدة في نفسه أو في ماله أو في ولده انتكس، فخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران الحقيقي الواضح المبين.

وفي صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ في هذه الآية: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينُ سُوءٍ)

وهكذا ينظر بعض الناس إلى الدين على أنه رغد في العيش وسعة في الرزق يجلب النفع، ويربح التجارة، فإذا أصابه ما يكره لم يصبر عليه، ونكص على عقبيه وخسر دينه ودنياه.

المؤمنُ شاكر عندَ العطاءِ صابر عند البلاء:

والمؤمنَ الحقَّ هوَ الذي يكونُ شاكراً لِنِعَمِ الله -تعالى- عليه، فلا يَصرِفُ هذهِ النِّعَمَ إلا وِفقَ طاعةِ الله -عزَّ وجلَّ-، إن أعطاهُ اللهُ -تعالى- نِعمةَ الجاهِ والسُّلطانِ، وإن أعطاهُ نِعمةَ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ، وإن أعطاهُ نِعمةَ المالِ وسائِرَ النِّعَمِ فهوَ لا يطغى بها؛ لأنَّهُ يعرفُ مصدرها بأنَّها من الله -تعالى-، وأنَّ اللهَ -تعالى- ما أعطاهُ إيَّاها إلا للاختبارِ والابتلاءِ.

 قال تعالى حكايةً عن سليمانَ -عليه السَّلامُ- عندما قالَ لقومِهِ: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ  وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ  فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ  وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ  وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 38-40] 

فالمؤمنُ يكونُ شاكراً عندَ العطاءِ، ويكونُ على حَذَرٍ من الغرورِ والاستكبارِ والظُّلمِ وكُفرانِ النِّعَمِ.

أمَّا في الشَّدائدِ والمِحَنِ والابتلاءاتِ فيكونُ صابراً؛ لأنَّهُ يطمعُ بعطاءِ الله -تعالى- بعدَ المِحَنِ، ولأنَّهُ على يقينٍ بأنَّهُ ما من مِحنةٍ إلا وتحملُ في طَيَّاتِها مِنَحاً، كيف لا يكونُ هذا اعتقادُهُ وهوَ يقرأ قولَ الله -تعالى-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ  وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ  وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157]، كيفَ لا يكونُ صابراً وهوَ يعلمُ حديثَ رسولِ الله -،ﷺ:- إذ يقولُ: “عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ” [رواه مسلم]

ويعلمُ حديثَ رسولِ الله -ﷺ-: “مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ” [رواه مسلم].

فيجبُ علينا ألا ننسى الغايةَ من خلقِنا في هذهِ الحياةِ الدُّنيا، فما خُلِقنا إلا للعبادةِ، ومن العبادةِ: الشُّكرُ في الرَّخاءِ، والصَّبرُ في البلاءِ، فمن شَكَرَ في الرَّخاءِ كانَ نِعمَ العبدُ، ومن صَبَرَ في البلاءِ كانَ نِعمَ العبدُ، وبئسَ العبدُ الذي يطغى عندَ العطاءِ، ويضجرُ عندَ البلاءِ.

فَهْمُ سَلَفِنَا الصَّالِحِ للابْتِلاءِ:

لَقَد فَهِمَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ حَقِيقَةِ الابْتِلاءِ، وَفَهِمُوا الحِكْمَةَ الشَّرْعِيَّةَ للابْتِلاءِ، فَكَانُوا أَفْضَلَ مِنَّا حَالاً، وَضَرَبُوا أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في الصَّبْرِ والاحْتِسَابِ.

فهذا عمر رضي الله عنه كان يحمد الله تعالى على الابتلاء، فقد كان يقول:

ما ابتليت ببلية إلا كان لله على فيها أربع نعم، إذ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم مما كانت، وأني أرجو الثواب عليها.

وهذا عروة بن الزبير رضي الله عنهما، لما بترت (قطعت) رجله، وفقد ولده، قال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدا، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت، وقال في ولده: الحمد لله، كانوا سبعة، فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت.

الابْتِلاءُ يَرُدُّ العَبْدَ إلى حَقِيقَتِهِ:

والابْتِلاءُ يَرُدُّ العَبْدَ إلى حَقِيقَتِهِ، وَيُظْهِرُ مَعْدِنَهُ، قَالَ تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2-3]

وَرَحِمَ اللهُ تعالى الفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ حِينَ قَالَ: النَّاسُ مَا دَامُوا في عَافِيَةٍ مَسْتُورُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِمُ البَلاءُ صَارُوا إلى حَقَائِقِهِم، فَصَارَ المُؤْمِنُ إلى إِيمَانِهِ، وَصَارَ المُنَافِقُ إلى نِفَاقِهِ. اهـ.

الحكمة من الابتلاء

للمصائب والابتلاءات في الكتاب والسنة سببان اثنان مباشران – إلى جانب حكمة الله تعالى في قضائه وقدره:

السبب الأول: الذنوب والمعاصي التي يرتكبها الإنسان، سواء كانت صغيرة أم كبيرة من الكبائر، فيبتلي الله عز وجل بسببها صاحبها بالمصيبة على وجه المجازاة والعقوبة العاجلة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79]، قال المفسرون: أي بذنبك.

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (رواه الترمذي وصححه الألباني.

السبب الثاني: إرادة الله تعالى رفعة درجات المؤمن الصابر، فيبتليه بالمصيبة ليرضى ويصبر فيُوفي أجر الصابرين في الآخرة، ويكتب عند الله من الفائزين، وقد وقع البلاء بالأنبياء والصالحين فجعله الله تعالى مكرمة لهم ينالون به الدرجة العالية في الجنة.

 ولهذا جاء في الحديث: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ) رواه أبو داود وصححه الألباني.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال): إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُرواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني

وقد جُمع السببان في حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال :( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً (رواه البخاري ومسلم.

قال بعض الصالحين: ” علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق.
وعلامة الابتلاء تكفيراً وتمحيصاً للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات.
وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف

وسُئلَ الجُنَيد رحمه الله: بِمَ نعرف أن البلاء نزل غَضَباً، أو كفّارةَ ذنوب، أم رَفعَ درجات؟ قال: بحسب ما تكون حين تَلَقِّي البلاء: إن تلقيتَهُ بغضب، فهو غضب، وإن تلقيته بالتوبة والاستغفار، فهو كفارة، وإن تلقيته بالرضا بقضاء الله، فهو رفع درجات!!

ولعل الأهم من هذا التفصيل كله أن يقال :إن الفائدة العملية التي ينبغي للعبد التأمل فيها هي أن كل مصيبة وابتلاء هي له خير وأجر إن هو صبر واحتسب ، وأن كل ابتلاء ومصيبة هي له سوء وشر إن جزع وتسخط ، فإن وطَّن نفسه على تحمل المصائب ، والرضا عن الله بقضائه ، فلا يضره بعد ذلك إن علم سبب البلاء أو لم يعلمه ، بل الأَوْلى به دائما أن يتَّهِم نفسه بالذنب والتقصير ، ويفتش فيها عن خلل أو زلل ، فكلنا ذوو خطأ ، وأينا لم يفرط في جنب الله تعالى ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أصاب المسلمين يوم أحد بمقتلة عظيمة ، وهم أصحاب النبي ،ﷺ: ، وخير البشر بعد الرسل والأنبياء ، بسبب مخالفةِ أمرِ النبي ،ﷺ: ، فكيف يظن المرء بعد ذلك في نفسه استحقاق رفعة الدرجات في كل ما يصيبه .

 وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله – إذا رأى اشتداد الريح وتقلب السماء – يقول: هذا بسبب ذنوبي، لو خرجت من بينكم ما أصابكم.
فكيف بحالنا نحن المقصرين المذنبين.

ثم أولى من ذلك كله وأهم، أن يحسن العبد الظن بربه دائما، وعلى كل حال؛ فالله سبحانه وتعالى هو أولى بالجميل، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا ويغفر لنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، ويأجرنا في مصائبنا، إنه سميع مجيب الدعوات.

قصة الشيخ عبد الحميد كشك مع المعلم عطية

يقول الشيخ في مذكراته: جلست ذات يوم فدخل علىّ ” المعلم عطية” قبل المغرب عندما أوشكت الشمس أن تودع الكون، وجلس بجانبي حزينا وسألته عن حزنه فقال لي: أنت السبب !!وسألته خيرا.

فقال: لقد وصيتنا بأداء صلاة الفجر ولما عدت وجدت القفل قد كسر وقد أخذ اللص كل محتويات الغرفة، وهذه أول مرة أصاب بمثل هذا!! أبعد ما تبت إلى الله يصيبني هذا الذي أصابني؟!

وكان هذا الرجل يعمل بائعا للسمك ويقيم في الغرفة وحده؛ ولابد أن يكون الجواب منطقيا ومقنعا فقلت له: وهل هذا يدعو إلى أن تحزن؟

إن الإنسان عندما يتقدم للعمل بإحدى الوظائف لا يستلم عمله إلا بعد أن يقدم مسوغات التعيين وأنت اليوم قد تقدمت للعمل في ساحة الرحمن جل جلاله فلابد من مسوغات التعيين وها أنت ذا قد قدمتها بصبرك على البلاء، فكن قرير العين مطمئن القلب فقد قال صلي الله عليه وسلم:” ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه

ورضي الرجل بقضاء الله بعد ما أنزل الله برد السكينة على قلبه وأصبح من أوتاد المسجد الذين ما أذن لمؤذن للصلاة إلا وهم داخلها لا تفوتهم تكبيرة الإحرام وراء الإمام.

الخلاصة:

  1. الدنيا دار ابتلاء واختبار، وليست دار نعيم دائم أو راحة خالصة.
  2. النعم والمصائب كلاهما امتحان؛ فالعطاء امتحان بالشكر، والمنع امتحان بالصبر.
  3. كل ما يملكه الإنسان من مال وصحة وأهل وأمن هو نعمة تستوجب الشكر واستعمالها في طاعة الله.
  4. حقيقة العبودية أن يثبت المؤمن على طاعة الله في السراء والضراء، لا أن يعبده عند الرخاء فقط.
  5. شدة البلاء ليست دليلًا على غضب الله؛ فقد تكون علامة على قوة الإيمان، أو سببًا لتكفير الخطايا ورفع الدرجات.
  6. النجاح في امتحان البلاء يكون بالصبر والاحتساب وحسن الظن بالله، والفشل فيه يكون بالجزع والتسخط والاعتراض.
  7. عبادة الله طلبًا للمنافع الدنيوية وحدها دليل على ضعف الإيمان؛ فالمؤمن لا يترك دينه إذا تأخر عنه الرزق أو أصابته الشدة.
  8. ما يصيب المؤمن من مرض أو تعب أو حزن أو همّ يكون سببًا لتكفير سيئاته إذا صبر واحتسب.
  9. من ثمرات الصبر على البلاء: رحمة الله، وهدايته، وتكفير الخطايا، ورفع الدرجات.
  10. الابتلاء يكشف حقيقة الإنسان ومقدار صدق إيمانه؛ فالناس مستورون في العافية، وتظهر معادنهم عند الشدائد.
  11. من حُسن التعامل مع المصيبة أن يتذكر العبد النعم الباقية، وألا ينشغل بالنعم التي فقدها وحدها.
  12. وقد يكون البلاء للمؤمن الصالح رفعةً لدرجاته وإيصالًا له إلى منزلة لم يبلغها بعمله.
  13. الشكوى المذمومة هي التي تتضمن التسخط والاعتراض على الله، أما طلب المساعدة أو الإخبار بالألم من غير اعتراض فلا ينافي الصبر.
  14. على العبد أن يجمع بين محاسبة نفسه وحسن الظن بربه؛ فيتهم نفسه بالتقصير، ويرجو رحمة الله وحكمته.
  15. التوبة لا تعني انقطاع الابتلاء؛ فقد يُبتلى التائب لتثبيت صدقه، وتطهيره من ذنوبه، ورفع منزلته.
  16. الخلاصة العملية: كل بلاء يمكن أن يصير خيرًا إذا قوبل بالصبر والاحتساب، وقد يصير شرًّا إذا قوبل بالجزع والسخط.

Visited 541 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 825
  • Today's page views: : 920
  • Total visitors : 148,339
  • Total page views: 164,417