4- ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5]
ما الحكمة من خلق إبليس؟
يتساءل بعض الناس قائلا: لماذا خلق الله إبليس يوسوس لي ويزين لي المعصية؟
وللإجابة عن هذا السؤال لابد من مقدمة، وهي أن نفهم طبيعة المخلوقات التي خلقها الله عز وجل:
الملائكة:
خلق الله تعالى الملائكة وجعلها مجبولة (مفطورة)على طاعته فالملائكة لا تعرف إلا طاعة الله، ليس عند الملائكة خيار الطاعة والمعصية أو الإيمان والكفر، قال تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء/20] فالملائكة في عبادة دائمة لله عز وجل لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون وليس فيهم ذكور وإناث، وبالتالي لا زواج ولا ذرية، هكذا خلقوا من الله عز وجل بكلمة كن فكانوا.
الجن والإنس:
خلق الله الجن والإنس، وجعلهم مختارين مكلفين، ليسوا مجبولين على الطاعة فقط كالملائكة؛ ولا مجبرين على المعصية، إنما أقدرهم الله على فعل الطاعة والمعصية، والخير والشر، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8] والإلهام هنا معناه الإلهام الغريزي، والقدرة على فعل الشيء أو تركه، ثم الحساب والجزاء غدا بين يدي الله يوم يقوم الناس لرب العالمين.
عداوة الشيطان لبني الإنسان:
بعد أن سوّى الله آدم ونفخ فيه الروح، أمر الملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم بأمر الله سبحانه، فسجدوا كلهم إلا إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34] ولم تكن معصية إبليس مجرد امتناع عن فعل، بل كشف القرآن عن الداء الذي أهلكه : إنه داء الكبر عندما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] نظر إلى نفسه، ونظر إلى مادة الخلق، واعترض على أمر الله، فجمع الكبر والحسد والعصيان.
ومنذ تلك اللحظة أعلن إبليس حربه على بني آدم، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]
فالشيطان يترصد الإنسان وهو يسير إلى الله، يثبطه عن الطاعة، ويزين له المعصية، ويهون عليه الذنب، ويسوف له التوبة، ويفتح له أبواب الغفلة، فإذا لم يستطع أن يمنعه من الخير حاول أن يفسد عليه نيته، أو يدخله في العجب والرياء، أو يشغله بالمفضول عن الفاضل.
ثم أسكن الله آدم وزوجه الجنة، وأباح لهما خيرها، ونهاهما عن شجرة واحدة:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35] ولكن العدو الذي توعد آدم وذريته بدأ أول معركة من معارك الإغواء فَوَسْوَسَ لَهُمَا وزين لهما ما نهاهما الله عنه، وأقسم لهما: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، وهكذا يفعل الشيطان إلى يومنا هذا: لا يأتي المعصية غالبًا فيقول للإنسان هذه معصية فافعلها، ولكنه يكسوها بثوب جميل، ويسمي الأشياء بغير أسمائها، ويعد ويمني، حتى يرى المرء الشر خيرًا والخير شاقًا ثقيلًا.
فوقع آدم في المعصية، لكن هنا يظهر فرق عظيم بين طريق آدم وطريق إبليس؛ إبليس عصى فاستكبر وعاند وأصر على عصيانه، وآدم زل ثم عرف ذنبه وانكسر بين يدي ربه: قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
الحكمة من خلق إبليس
1- ظهور عبودية أنبيائه وأوليائه بالاستعاذة من الشيطان الرجيم:
ويستعينون بالله في دفعه ودفع وساوسه، ونحن نتعبد لله بقولنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 200-201] وقال جل شأنه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98-100]
وكان النبي ﷺ يستفتح الصلاة بقوله: “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه”
همزه: وساوسه، ونفخه: الكبر، ونفثه: كل كلام قبيح أو شعر حرام.
2- أن هذا من باب إظهار الشيء وضده:
كما يقولون في اللغة العربية وبضدها تتميز الأشياء، فخلق الله النفس الطاهرة جبريل رسول الله من الملائكة الذي ينزل بالوحي على الرسل، وقدر الله سبحانه وتعالى خلق النفس الخبيثة إبليس الذي اختار طريق الكفر والعصيان، وأصر عليه، وسعى في إغواء بني آدم، وخلق الله السماوات والأرض والبياض والسواد والحرارة والبرودة …. الخ، فخلق الشيء وضده لتتميز الأشياء فما كنا لنعرف الخير ووضوحه وصفاءه إلا بعد أن نرى الشر وظلمته وسواده.
3- مجاهدة النفس:
ومن الحكم أننا ما كنا لنعرف الطاعة إلا بالمجاهدة لترك المعاصي، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، وإلا بمعرفة كلام الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 5-6]
والأمر هنا ليس فقط أن نعلم أن الشيطان عدو، بل ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، أي عاملوه معاملة العدو.
فإذا أمرك بتأخير الصلاة فخالفه.
وإذا وسوس لك أن التوبة ما زالت بعيدة فبادر.
وإذا زين لك الحرام فاذكر عاقبته.
وإذا أوحى إليك باليأس من رحمة الله فاعلم أنه يريد أن يقطعك عن ربك.
وإذا أغراك بالكبر فتذكر أصل أبيك آدم من تراب.
وإذا دفعك إلى الحسد فتذكر أن أول معصية أهلكت إبليس بعد كبره كانت حسده لآدم.
والشيطان مهما بلغ كيده فهو ضعيف أمام عبد متصل بالله.
4- مشروعية التوبة:
ومن الحكم أن الله شرع التوبة لكل من عصى وشرد عن طريق الله وطاعته، فمن وفّقه الله للتوبة ألقى في قلبه الندم والإنابة، فتاب واستغفر واستشعر معنى التوبة، والرجوع إلى الله عز وجل، ويستغفر الله، فما كان ذلك ليحدث ونحن على الطاعة الدائمة وهذا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، وقال :( كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون (ومن الخطأ الكبير مظنة أن هذا الحديث معناه أنه لا بد من الوقوع في المعاصي، وهذا ليس مقصودا من الحديث، بل المفهوم التشجيع على التوبة ؛ فيا من أذنبت قد شرع الله لك التوبة، ويامن بعدت عن الله واتبعت طريق الشيطان ارجع إلى طريق الرحمن، تب إلى الله واستغفر ربك ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 106]
كيد الشيطان
ما هو الكيد؟ الكيد هو التدبير الخفي لإيقاع الضرر بالغير، وكيد الشيطان ضعيف أمام الإيمان والاستعانة بالله.
وبعض الناس بسبب الحديث الكثير عن الشيطان يظن أنه قوي وعنده بأس شديد، كلا فإن الشيطان وجنوده من أضعف ما يكونون، وكيد الشيطان ضعيف لسببين:
الأول: أنه لا يملك قوة يقهر بها جسدا، ولا يملك حجة يقهر بها قلبا، وقهر الجسد أن تفعل الفعل وأنت كاره، كأن يتوعدك ويهدِّدك إن لم تفعل ليفعلن بك ما يسوؤك، كما ورد في خطبته لأهل جهنم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22]
أما قهر القلب فهو بالحجة والبرهان، والشيطان لا هو بالجبار الذي يقهرك على فعل شيء، ولا هو بصاحب الحجة البالغة التي تأسر روحك ويغير بها قناعاتك، فلا قوة له ولا حجة، تصمدان أمام قوة الحق.
الثاني: أن أولياء الرحمن قال الله عنهم : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201] بمجرد شعورهم بالوسوسة وكيد الشيطان يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم فيذهب الله عنهم ذلك ،أما أولياء الشيطان إذا استنصروا به فإنه لا يملك أن ينصرهم ، فهو مع أوليائه جبان ضعيف هزيل ، ونحن ولينا الله عز وجل فإذا استنصرنا بالله أذهب عنا الشيطان ورجسه ، قال تعالى : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98-100] والمقصود هنا سلطان الإغواء والتزيين على من يتولونه ويطيعونه، وليس سلطان الإكراه الذي يسلب الإنسان اختياره، فسلطانه على أوليائه فقط الذين يتبعونه ويستجيبون له ، نسأل الله أن نكون من أولياء الرحمن ، اللهم آمين.
كيفية الوقاية من الشيطان
للوقاية من الشيطان ووساوسه لا يكفي أن يعرف المؤمن عداوته، بل عليه أن يأخذ بأسباب عملية ثابتة من الكتاب والسنة، من أهمها:
- تحقيق الإخلاص والعبودية لله
فالإخلاص أعظم حصن من تسلط الشيطان؛ قال تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]
- الاستعاذة بالله فور ورود الوسوسة
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200] فيقول المؤمن إذا شعر بوسوسته: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ولا يناقش المؤمن الوساوس ولا يبحث لها عن أجوبة؛ لأن من مقاصد الشيطان إشغاله وإدخاله الشك عليه، قال النبي ﷺ في الوساوس: (فليستعذ بالله ولينته) متفق عليه.
ومعنى «ولينته»: يقطع التفكير فيها ولا يسترسل معها.
- الصلاة:
الصلاة صلة بالله وحصن من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] وقال النبي عن صلاة الجماعة: «مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ» (رواه أبو داود).
وأوصانا أيضا بعمارة بيوتنا بصلاة النافلة لتكون بركة ونورا لبيوتنا، كما قال النبي ﷺ (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبوراً).
والمعنى لا تجعلوا البيوت مثل المقابر لا تصلون فيها؛ لأن المقابر لا يُصلى فيها، فنوّر بيتك بالصلاة فيه، وهذا في صلاة النافلة بالنسبة للرجال، أو في صلاة الفريضة إذا تعذر عليك صلاتها بالمسجد لفوات وقت الجماعة.
- قراءة سورة البقرة في البيت:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَجْعَلُوا بيوتكم قبورا إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة» رواه مُسْلِمٍ
وقال عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الشيطان يفرّ من البيت يُسْمَعُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. صححه الألباني
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ولا يستطيعها الْبَطَلَةُ» أي السحرة، وَمَعْنَى لَا تَسْتَطِيعُهَا أَيْ لَا يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا وَقِيلَ لَا يستطيعون إلحاق الأذى بقَارِئِهَا
وأما تقييد قراءة البقرة في كل ثلاثة أيام، أو أن الشياطين لا تدخله ثلاثة أيام فقد وَرَد في ذلك حديث ضعيف، وهو بِلفظ: (إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة؛ مَن قَرأها في بيته ليلا لم يَدخل الشيطان بيته ثلاث ليال، ومَن قَرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام.) رواه ابن حبان، وقد أورده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحح الحديث بلفظ آخر، وهو: (إن لكل شيء سناماً، وسنام القرآن سورة البقرة، وإن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تُقرأ؛ خرج من البيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة)
وورد حديث في فضل قراءة الآيتين اللتين ختمت بهما سورة البقرة، وأنهما إذا قرئتا في دار لم يقربها الشيطان ثلاث ليال، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله كَتَب كِتابا قبل أن يَخْلق السماوات والأرض بألْفَيّ عام، فأنزل منه آيتين فَخَتَم بهما سورة البقرة، ولا تُقْرآن في دارٍ ثلاث ليالٍ فَيَقْربها الشيطان.) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني.
- ذكر الله -سبحانه وتعالى:
والغفلة عن ذكر الله تفتح باب الشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]، وقال النبي ﷺ: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) رواه البخاري.
عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء”. رواه مسلم
واستحب العلماء إلقاء السلام حتى ولو كان البيت خاليا لأن بيت المسلم لا يخلو من الملائكة إن شاء الله كما في قوله تعالى: ﴿فإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61] وضبطها بعض العلماء بأن تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأيضا قول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له…» مئة مرة، قال النبي ﷺ) من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة… كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (متفق عليه.
وذكر الله عند الاستيقاظ من النوم قال النبي ﷺ): يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد… فإن قام فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس (متفق عليه.
- قراءة آية الكرسي قبل النوم:
قال ﷺ في شأن آية الكرسي: «إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقرأ آيَةَ الكُرْسِيِّ فإنه لَنْ يَزالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حَتَّى تُصْبِحَ» (رواه البخاري).
- قراءة المعوذات صباحًا ومساءً وعند النوم
قال النبي ﷺ لعبد الله بن خبيب: (اقرأ: قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء) رواه أبو داود
وكان ﷺ إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ونفث فيهما، وقرأ الإخلاص والفلق والناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات؛ رواه البخاري.
- مخالفة الشيطان عند الغضب
كان رجلان يستبان عند النبي ﷺ، فغضب أحدهما، فقال ﷺ: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) متفق عليه.
- التوبة والاستغفار سريعًا بعد الوقوع في الذنب
يأتي الشيطان إلى الإنسان، الذي يريد أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى، فيقول له: ماذا فعلت حتى تتوب؟ أنت بالنسبة لغيرك من أفضل الناس، إنما التوبة لأصحاب المعاصي الكبيرة، وأنت لست منهم، فيهون عليه المعصية لكي يستمر عليها، وقد يأتي للعاصي فيقول له: إن الله تعالى لن يقبل توبتك، فقد فعلت كبائر الذنوب، ويذكره بكل معصية كان يفعلها حتى يجعله ييأس من رحمة الله التي وسعت كل شيء.
الخلاصة:
- خلق الله الملائكة مطيعين له، يسبحونه ويعبدونه ولا يعصون أمره.
- خلق الله الجن والإنس مكلَّفين، وبيّن لهم طريق الخير والشر، وجعلهم مسؤولين عن اختياراتهم وأعمالهم.
- إبليس من الجن، وقد عصى أمر الله حين رفض السجود لآدم، وكان سبب هلاكه الكبر والاعتراض على أمر الله.
- أعلن إبليس عداوته لآدم وذريته، وتعهد بإغوائهم وإبعادهم عن الصراط المستقيم.
- يعتمد الشيطان في إغواء الإنسان على تزيين المعصية، وتهوين الذنب، وتسويف التوبة، وإفساد النيات، والدعوة إلى الرياء والعُجب.
- يختلف طريق آدم عن طريق إبليس؛ فآدم أخطأ ثم اعترف بذنبه وتاب، أما إبليس فعصى واستكبر وأصر على معصيته.
- من حِكم خلق إبليس ظهور عبودية الاستعاذة بالله، والتوكل عليه، واللجوء إليه لدفع وساوس الشيطان.
- من الحكم تمييز الخير من الشر، وظهور فضل الطاعة وقبح المعصية، وتمييز المؤمن الصادق من غيره.
- من الحكم ظهور عبودية التوبة والاستغفار؛ فالمؤمن إذا أذنب لا يصر على ذنبه، بل يرجع إلى الله ويندم ويستغفر.
- الأحاديث التي تبين فضل التوبة لا تدعو إلى ارتكاب المعاصي، وإنما تفتح باب الرجاء أمام المذنب وتحذره من اليأس.
- كيد الشيطان ضعيف؛ لأنه لا يستطيع إجبار الإنسان على المعصية، وإنما يوسوس له ويزيّن الباطل ويدعوه إليه.
- يضعف كيد الشيطان أمام المؤمن الذي يذكر الله، ويستعيذ به، ويتوكل عليه، ويتمسك بالحق.
- ينبغي الاستعاذة بالله فور ورود الوسوسة، وقطع التفكير فيها، وعدم الاسترسال في مناقشتها.
- يجب المبادرة إلى التوبة بعد الذنب وعدم الاستجابة لتزيين الشيطان للمعصية أو تخويفه المذنب من عدم قبول توبته.

