صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن:1- “وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”

تاريخ الإضافة 11 يونيو, 2026 الزيارات : 3783

(وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) النساء 28

أولا / تفسير الآية

ما المراد بـ (ضعْف الإنسان)؟

ثلاثة أقوال للعلماء:

القول الأول: هو الضعف في أصل الخلقة، خلق من نطفة من ماء مهين، ثم يمر بمراحل الخلق في بطن أمه، ثم يخرج من بطنها ضعيفاً لا حول له ولا قوة، ثم يشب قليلاً حتى يكون شابا قويا، ثم يشرع في النقص فيكتهل، ثم يشيخ ثم يهرم وهو – الضعف بعد القوة – فتضعف الهمة والحركة، ولهذا قال تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ” [الروم: 54]

القول الثاني: الضعف هنا معناه قلة الصبر عن النساء، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) أخرجه البخاري ومسلم.

وكان بعض السلف يقول:” ما يئس الشيطان من أحد إلا وأتاه من قبل النساء” يقصد الافتتان بهن.

القول الثالث: الإنسان ضعيف من جميع الوجوه، كما يقول ابن القيم رحمه الله – بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية –: ” والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور ” [1] ، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يضعف عنه.

وأرى أن هذا الرأي هو الأرجح في تفسير أوجُه الضعف البشري في الآية الكريمة بحملها على إطلاقها.

ثانيا / الحكمة من خلق الله الإنسان ضعيفا 

الحكمة الأولى: ضعف الإنسان سبب لحركته في الكون:

هذا الضعف ينتج عنه حاجة الإنسان للأشياء، وهذه الحاجة تدفعه للحركة والسعي، فهو يحتاج للطعام والشراب والمسكن والملبس …. الخ، فهذا كله يدفعه للعمل لجلب ما يحتاج إليه وينفعه، وليدفع عن نفسه ما يضره، فجعل الله هذه الحركة في الكون لتدور عجلة الحياة، فلو كان الإنسان قويا مستغنيا ما تحرك ولا سعى.

الحكمة الثانية: الافتقار إلى الله واللجوء إليه:

حينما يركن الإنسان إلى نفسه سيجد الضعف والعجز والتعب، عنده ضغوط في العمل وفِي الدراسة وفِي تربية الأولاد، ضغوط في الحياة بكل ألوانها وأشكالها ما الحل؟

الحل هو بأن تستعين بالله! اركن إلي الله سبحانه وتعالي.

ولما قال نبي الله لوط ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: 80] قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) يقصد الله عز وجل) متفق عليه.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15] هذا هو الحل الوحيد للتغلب على ضعفنا ونقصنا، وقلة حيلتنا وعجزنا، أن نلجأ إلى الله، فلا ملجأ من الله إلا إليه، فإذا افتقرنا نلجأ إليه؛ فهو الغني، فإذا أصابنا الهم والغم نلجأ إليه؛ فلا فارج للهمِّ إلا هو، وإذا مرضنا نلجأ إليه؛ فالشفاء بيده والعافية من عنده: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]

الإنسان الذي يظن أنه ملك الدنيا بعلمه واختراعاته ، وأنه قادر على أن يفعل ما يشاء، تراه ضعيفا أمام قوة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان مهما بلغ من القوة فهو ضعيف أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، فلا يغتر بقوته ولا بما مكنه الله سبحانه وتعالى من الإمكانات ، فيا أيها الإنسان، لقد خُلِقت ضعيفاً لتكون قوياً بالله، خُلقت فقيراً لتكون غنياً بالله، خَلَقَت ضعيفاً ليكون ضعفُك دافعاً لك إلى باب الله، لتلوذَ بحماه، وتقْبِل عليه، وتلجأ إليه، ولو أن الإنسان خُلِقَ قوياً لاستغنى بقوته عن الله، فشقي باستغنائه عن الله، فعلاج هذا الضعف باللجوء إلى الله والدعاء.

 ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل عليّ غضبك، أو تنزل عليّ سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله)[2]

أي: يا رب، لا أشكو حالي اعتراضًا على قضائك، وإنما أرفع فقري وعجزي وانكساري إليك وحدك؛ فالشكوى إلى الله عبادة وتوحيد، وليست منافية للصبر، وقوله: ضعف قوتي أي ضعفي في الأسباب الظاهرة، وقلة حيلتي أي انسداد الوسائل، والطريق التي سلكتها لدعوة قومي، وهواني على الناس أي ما وقع عليه من أذى الناس واستخفافهم به وعدم قبولهم دعوته.

وقوله: يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ فيه اعتراف أن العبد لا غنى له عن ربه طرفة عين، وأن أشد ما يخافه المؤمن أن يتركه الله إلى نفسه أو إلى الخلق.

 وقوله: إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ أي: إن وكلتني إلى عدو يغلظ علي أو إلى قريب أو صاحب سلطة يملك أمري فأنا ضعيف، لكن رجائي فيك أنت.

وقوله: إن لم تكن ساخطًا علي فلا أبالي من أعظم مقامات العبودية؛ فالمؤمن قد يصبر على فقر أو مرض أو أذى أو خذلان الناس، لكن الذي لا يطيقه هو سخط الله، والمعنى: ما دام البلاء ليس علامة غضب منك يا رب، فأنا راضٍ محتسب.

 ثم قال: غير أن عافيتك أوسع لي وهذا أدب كامل؛ فهو لا يتمنى البلاء، ولا يدعي القوة عليه، بل يسأل العافية؛ لأن العافية أوسع وأرحم وأسلم للقلب والدين والدنيا.

وقوله: أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة فيه توسل إلى الله بصفة من صفاته، وهي نور وجهه الكريم.

وقوله: أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك يؤكد أن أكبر خوف العبد ليس ألم الدنيا، بل غضب الله.

وقوله: ولك العتبى حتى ترضى أي لك الرجوع والرضا والاسترضاء، فأنا راجع إليك، معترف بتقصيري، طالب رضاك حتى ترضى.

وقوله: ولا حول ولا قوة إلا بالله أي لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على طاعة أو صبر أو نجاة إلا بإعانة الله.

وعلم النبي فاطمة ابنته أن تدعو بهذا الدعاء في كل صباح ومساء قال: قولي: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه النسائي في “السنن الكبرى” وقال الألباني إسناده حسن .

أصلح لي شأني كله: حين يدعو الإنسان يا رب أولادي يا رب شغلي يا رب ديوني …فيعجز لسانه عن عد المشكلات التي يتعرض لها، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يلخص لنا ذلك كله ويقول: (أصلح لي شأني كله) أصلح لي نفسي، أصلح لي عملي، أصلح لي زوجتي، أصلح لي أولادي، أصلح لي شغلي … جاري … والدي …أصلح لي كل شيء، أصلح لي شأني كله.

يا رب أنت وكيلي وكلتك جميع أمري، يا رب أبرأ من الحول والقوة إلا بك…يا رب أنا ضعيف … أنا فقير … أنا عاجز …أنا لا أملك من أمري شيئا، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إليّ نفسي طرفة عين.

الحكمة الثالثة: ترك الكبر:

لأن المؤمن إذا عرف قوة الله تواضعَ، فلا يجتمع كبر مع معرفة قوة الله عزَّ وجلَّ، فكلما تمت معرفتك بقوة الله تلاشت قدراتك أمام قوَّته، فأصبحت متواضعاً، ومن يتواضع لله يزيده الله قوةً إلى قوَّته، أما إذا وضعه الله في مكانٍ قوي واعتدَّ بقوَّته فالله عزَّ وجلَّ يجعله مثلاً في الضعف ليتَّعِظ العباد به، ويجعله عبرة لغيره.

وحينما ينسى الإنسان ضعفه يتكبر ويتعالى على الخلق بما أعطاه الله، قال تعالى:” كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” [العلق 6،7]

هذا قارون لما وهبه الله ما وهبه من الكنوز بغى وأفسد في الأرض ولما قيل له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ  وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا  وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي  أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا  وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص: 77-78] فخسف الله به وبداره الأرض ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ [القصص: 81]

وهذا فرعون الذي طغا وبغى ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ [القصص: 39] في عز قوته وصولجانه غرق هو وجنوده لا نفعهم ولا نفعوه!!! سبحان الله وكانوا من قبل مستكبرين مفسدين في الأرض، فما كان له من ناصر وما كان له من منقذ …. والأمثلة كثيرة.

فالإنسان حينما يدرك ضعفه وقدرة الله عليه يتواضع ويخبت إلى ربه أما حينما ينسى ذلك يطغى ويفسد في الأرض فيهلكه الله.

قال علي ّبن أبي طالب –رضي الله عنه: يا ابن آدم إن غرتك قوتك فلم استحكمت فيك شهوتك؟!!

 ورأى مطرف بن عبد الله بن الشخير المهلب بن أبي صفرة يتبختر في ملابسه وهيئته فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أولك نطفة مذرة[3]، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فمضى المهلب وترك مشيته.

ونظم الكلام محمود الوراق فقال:
عجبت من معجب بصورته وكان في الأصل نطفة مذرة
وهو غدا بعد حسن صورته يصير في اللحد جيفة قذرة
وهو على تيهه ونخوته ما بين ثوبيه يحمل العذرة

ولما دخل ابن السماك على هارون الرشيد قال عظني وكان بين يدي الرشيد طعاماً فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت إن غصت هذه اللقمة في حلقك بكم تفتديها؟
قال: بنصف ملكي، قال: فإن حصرت (الإمساك) فلم تستطع إخراجها؟
قال: بنصف ملكي الآخر، فقال يا أمير المؤمنين فلا تغترن بملك يضيع بين شرقة وعذرة!!!

الحكمة الرابعة: التكليف في حدود الاستطاعة:

جاءت التكاليف الشرعية متوافقة مع الطبيعة التكوينية للإنسان: فالذي خلق الإنسان أعلم بقدراته وضعفه {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 14] فالتكليف الشرعي يقع ضمن الوسع والإمكان البشري، ويتغير شكل أدائه أو صورته بحسب الاستطاعة لكل مكلف، لتغير أحواله وتقلبه في الحياة بين محطات الابتلاء بالشدة والرخاء، والعسر واليسر، والصحة والمرض، والوجود والعدم،  لأن الإنسان خُلق ضعيفاً كلَّفه ضمن طاقته ، قال الله تعالى :﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾[ سورة البقرة : 286 ]

وحينما يعجز الإنسان عن فريضة أمر الله بها لمرض أو نحوه يأتي التخفيف من الله، فأجاز له أن يفطر إذا مرض أو سافر فأعفاه من الصيام، وأذن بالتيمم نيابة عن الوضوء والغسل، وشرع الصلاة جالسا للمريض، وهكذا.

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا ياذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.


[1] طريق الهجرتين ” (1/228)

[2] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وضعفه الألباني، وذهب الدكتور العمري إلى تضعيف الحديث في كتابه السيرة النبوية الصحيحة (1/186) وذهب إبراهيم العلي إلى صحته، وبين أن للحديث شاهدًا يقويه ولذلك اعتبره صحيحًا وذكره في كتابه صحيح السيرة النبوية، ص136، وذهب الدكتور عبد الرحمن البر مدرس الحديث وعلومه في جامعة الأزهر أن الحديث بطريقيه قوي مقبول، وخرج طرقه في كتابه الهجرة النبوية المباركة، ص38.

[3] مذرة أي فاسدة والمقصود أن يحقر الإنسان نفسه.

 

 

Visited 418 times, 1 visit(s) today

(2) تعليقات



اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 485
  • Today's page views: : 542
  • Total visitors : 102,002
  • Total page views: 113,291