10-﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]
معنى الآيات الكريمة
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ الخطاب لجميع بني الإنسان.
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ما الذي غر الإنسان بربه حتى عصاه؟ وردت عدة أقوال في التفسير ألخصها كما يلي:
- غره جهله بالله سبحانه، فلو علم الإنسان عظمة الله وقدرته لما عصاه.
- غره شيطانه المسلط عليه.
- غرته نفسه الأمارة بالسوء واتباعه للهوى.
- غره كرم الله عز وجل وإمهاله وحلمه.
- وقال ابن القيم: “غره بربه الغرور (بفتح الغين) وهو الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه، وأتي سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به” [1]
(الكريم) والكريم -سبحانه- هو كثير الخير، الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه، الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، فالكريم اسم جامعٌ لكل ما يُحمد؛ فلا كرم يسمو على كرمه، ولا إنعام يرقى إلى إنعامه، ولا عطاء يوازي عطاءه، فما أكرمه سبحانه، وكل ما في الكون إنما هو من شواهد جوده وإكرامه فهو الذي يعطي بغير حساب، وينعم وإن جحد به الجاحد.
فلا أحد أكرم منه جل جلاله، فكرم كل كريم من كرمه، وهو الذي يبتدئ عباده بالنعم من غير استحقاق، ويحسن إليهم من غير سؤال، وهو كريم في عفوه حتى يبدّل سيئات التائبين حسنات، فهو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، ولا ينقطع سخاؤه، عمَّ بعطائه وإحسانه المؤمنَ والكافرَ، والمطيع والعاصي
قال ابن كثير: “لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور مع أنه قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.” [2]
(يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم)
ظن بعضهم أن ذكر اسم الله «الكريم» جاء لإرشاد المذنب إلى الجواب ليعتذر قائلاً: «غرني كرمك»، وقد رد المحققون من المفسرين ذلك، مثل ابن كثير وابن القيم والقرطبي؛ مبيّنين أن الآية سيقت مساق التهديد والتوبيخ الشديد؛ لأن العظيم المتفضل بإحسانه حقه أن يُطاع ويُشكر ويُستحيا منه، لا أن يُتجرأ على معصيته بحجة كرمه.
أما مقولة الفضيل بن عياض لما سئل: ماذا يقول لو سئل: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ قال: «غرني ستورك المرخاة» فقد بيّن العلماء أن هذا الكلام قيل على وجه الاعتراف بالذنب والندم على الخديعة بحلم الله وإمهاله، وليس على سبيل الاعتذار والاتكال المذموم.
وفي هذا أنشد ابن السماك رحمه الله:
يَا كَاتِمَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِي … وَاللهُ فِي الْخَلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهَالُهُ … وَسَتْرُهُ طُولَ مَسَاوِيكَا
فالمقصود من السؤال هنا التوبيخ والتبكيت للعبد من الله، أي ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق، وكيف اجترأت عليه، ولم تخفه، فأضعت ما وجب عليك؟
ما الذي غرك حتى تجاوزت حدود الله؟ فحلم الله على العبد في إمهاله، ولو شاء الله لعاجَلَه بالعقوبة… أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت! أهي الشهوات؟ أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان؟ أما علمت أنه لك عدو مبين؟ إذن ما الذي خدعك؟
إنها لآية عظيمة وتذكرة بينة لمن وعاها!!!فحلم الله تعالى على من عصاه واسع، ولولا حلمه لهلك الناس كلهم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دابة وَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]
الإمهال قد يكون رحمة وقد يكون استدراجًا
تأخر العقوبة لا يعني أن الله راضٍ عن العبد؛ فقد يكون الإمهال فرصة للتوبة، وقد يكون استدراجًا لمن أصرّ وأعرض، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]
فعلى المؤمن أن يقابل الستر بالتوبة، والإمهال بالرجوع، والنعم بالشكر.
من صور الاغترار:
- الاغترار بالصحة والشباب، وكأن المرض والموت لا يأتيان فجأة.
- الاغترار بالمال والمنصب وكثرة الأتباع.
- الاغترار بالستر، فيظن العاصي أن عدم افتضاحه دليل رضا الله عنه.
- الاغترار بتأخر العقوبة، مع أن الإمهال ليس إهمالًا.
- الاغترار ببعض الطاعات مع الإصرار على أكل حقوق العباد أو ظلمهم.
- الاغترار بالنسب الصالح أو بمكانة الأسرة الدينية.
- الاغترار بسعة رحمة الله مع ترك التوبة.
- الاغترار بالعلم والوعظ مع ضعف العمل والإخلاص.
باب التوبة مفتوح للمغتر
مع شدة التوبيخ في الآية، فإنها دعوة للاستيقاظ والعودة إلى الله قبل حلول الأجل، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
فمن أدرك أنه اغتر بالستر أو الصحة أو طول الأمل، فطريقه:
- الاعتراف بالتقصير.
- الندم على المعصية.
- الإقلاع عنها.
- العزم على عدم العودة.
- رد حقوق العباد.
كيف يتخلص الإنسان من الغرور؟
- شكر النعم بالعمل: استغلال الجوارح التي سوّاها الله وعدلها في طاعته (العين في التدبر، واللسان في الذكر، واليد في الخير).
- دوام المراقبة والاستغفار: التعرّف على الله بأسمائه وصفاته؛ فهو سبحانه كريم واسع المغفرة، وهو كذلك شديد العقاب لمن أصرَّ على الكفر والمعصية ولم يتب.
- التأمل في النشأة الأولى: تذكر أصل الخلقة (من نطفة مذرة) لمنع الكبر والإعجاب بالنفس.
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي قدر خلقك من نطفة فسواك في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك.
(فعدلك (أي جعلك معتدلا سوي الخلق، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ فيها ثلاثة أقوال:
- إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حيوان.
- إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى.
- في أي صورة أي: ركَّبك في الصورة التي شاءها، وفي الشَّبَه الذي اختاره لك من أب أو أم أو غيرهما.
قال سيد قطب رحمه الله في التفسير: “إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة، تفضلا منه ورعاية ومنة، فقد كان قادرا أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها، فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.
وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سوي الخلقة، معتدل التصميم، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله.
وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء!
وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي ودقته وإحكامه وليس هنا مجال التوسع الكامل في عرض عجائب هذا التكوين.
ولا يقتصر معنى ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ على اعتدال الجسد؛ بل يدخل في التذكير أيضًا ما وهبه الله للإنسان من العقل والفهم والسمع والبصر والقدرة على البيان والتمييز.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
فكل جارحة نعمة، وشكرها أن تستعمل فيما خُلقت له وأباحه الله.
والآيات لم تذكر خلق الإنسان لمجرد بيان جمال صورته، وإنما لتقيم عليه حجة العبودية والشكر: فالذي خلق وسوّى وعدّل وركّب هو وحده المستحق للعبادة.
ولهذا ينتقل التدبر الصحيح من مشاهدة النعمة إلى معرفة المنعم، ومن معرفة المنعم إلى محبته وتعظيمه وطاعته.
عشر نداءات من الله لعباده:
هذا الحديث يؤكد افتقار العباد إلى ربهم، وغناه عنهم، وسعة عطائه ومغفرته:
عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:
- “يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا.
- يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلاَّ مَن هديته فاستهدوني أهدكم.
- يا عبادي، كلكم جائع إلاَّ مَن أطعمته فاستطعموني أطعمكم.
- يا عبادي، كلكم عارٍ إلا مَن كسوته، فاستكسوني أكسكم.
- يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم.
- يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.
- يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا.
- يا عبادي، لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.
- يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك ممَّا عندي إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخِل البحر.
- يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه “صحيح مسلم.
قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثَا على ركبتيه إعظامًا له.
فالمعنى الإجمالي للآيات:
يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك، فخلقك من العدم وأنعم عليك بنعمة الوجود وجعلك في أحسن هيئة وأفضل صورة ما الذي غرك بربك، فجعلك تقصر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه؟ وهو ربك الكريم، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره؛ ومن آثار هذا الإكرام ما منحك من خصائص الإنسانية؛ فعقلتَ وأدركتَ وتميَّزتَ عن كثير من المخلوقات.
فالواجب على جميع العباد من الجن والإنس من الرجال والنساء أن يعبدوا الله وحده، بدعائهم وخوفهم ورجائهم وصلاتهم وصومهم وغير هذا من العبادات كلها لله وحده، وأن يشكروه على نعمه؛ كالصحة والمال والزوج والذرية، وهكذا المرأة تشكر الله على زوجها على ذريتها على صحتها على ما أعطاها من الأرزاق، وهكذا على جميع الجن والإنس الشكر لله والطاعة لله وعبادته ؛ فإن الله ما خلقهم عبثًا ولا سدى؛ إنما خلقهم ليعبدوه وأمرهم بهذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فالواجب على الجميع أن يعبدوا الله وحده بالصلاة والصوم والدعاء والاستعانة به وحده، وغير هذا من العبادات كلها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] فعلى جميع العباد أن يعبدوا الله ويتقوه، ويمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه، وينتهوا عن نواهيه فلا يعصوه جل وعلا وعليهم أن يشكروا نعمه فيصلوا شكرها بطاعته، ومن شكرها طاعتهم لله، وترك معصيته.
الخلاصة:
- قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ سؤال توبيخ وتقريع للإنسان على جرأته على المعصية مع كثرة نعم الله عليه.
- من أعظم أسباب الاغترار: الجهل بالله، واتباع الشيطان، وطاعة النفس الأمارة بالسوء، والاستسلام للهوى، والاغترار بإمهال الله وستره.
- ذكر اسم الله «الكريم» ليس حجة للمذنب، بل تذكير بأن كرم الله وإحسانه يوجبان شكره وطاعته والاستحياء منه.
- لا يجوز للعبد أن يغتر بحلم الله وتأخير العقوبة؛ فالإمهال فرصة للتوبة وليس دليلًا على الرضا عن المعصية.
- الله سبحانه هو الكريم كامل الكرم، كثير الخير، واسع العطاء، الذي عمَّ إحسانه المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي.
- الدنيا وشهواتها زائلة، والشيطان عدوٌّ مبين؛ فلا يصح أن يجعلها الإنسان سببًا للغفلة عن الله والدار الآخرة.
- تذكُّر ضعف الإنسان وأصله ومآله يزيل عنه الكبر والغرور؛ فقد خُلق من نطفة، وهو مفتقر إلى الله في جميع أحواله.
- قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ يذكّر الإنسان بنعمة الخلق، وتسوية أعضائه، واعتدال صورته، وإحكام تكوينه.
- قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ يدل على كمال مشيئة الله وقدرته في تشكيل الإنسان وتحديد جنسه وصفاته وشَبَهه.
- التقوى لا تزيد في ملك الله، والفجور لا ينقص منه؛ وإنما تعود ثمرة الطاعة أو عاقبة المعصية إلى الإنسان نفسه.
- من وسائل النجاة من الغرور: معرفة الله بأسمائه وصفاته، ودوام مراقبته، وكثرة الاستغفار والتوبة.
- الجمع بين الرجاء والخوف واجب؛ فالله كريم واسع المغفرة، لكنه شديد العقاب لمن أصرَّ على المعصية واستكبر.
[1] الجواب الكافي 13.
[2] تفسير ابن كثير ج4/ص482

