6- ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
هذه الآية دالة على عظيم تكريم الله لبني آدم؛ فقد أكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء، وأنعم عليهم بنعم ظاهرة وباطنة، ويسّر لهم الركوب في البر والبحر، وسخّر لهم من أسباب الحمل والتنقل ما يحتاجون إليه، ورزقهم الطيبات من المآكل والمشارب والملابس والأزواج وغيرها، ولذلك كان تفضيل الإنسان على كثير من المخلوقات تفضيلًا ظاهرًا.
معنى الآية الكريمة
يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) ولقد اختلف العلماء في بيان أَوْجُه تكريم الإنسان على أقوال منها:
1- تكريم آدم أبي البشر عليه السلام
كرم الله الإنسان، وشرّف أباه آدم تشريفًا عظيمًا، فخلقه بيده، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] وأسجد له ملائكته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28-29] فسجد الملائكة لآدم بأمر الله سجود تحية وإكرام، لا سجود عبادة؛ ثم قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] فكان من تكريمه العلم.
2- ومن أعظم ما خص الله به الإنسان العقل والتمييز والبيان:
كُرِّمَ بالعقل والنطق والبيان والكتابة والتفكير، والقدرة على التعلم واكتساب المعارف والصناعات، وعلى معرفة ما ينفعه واجتناب ما يضره؛ فيستطيع أن يستخدم ما حوله ويطوّعه لمصلحته، فغيره من المخلوقات قد تكون أقوى منه في جانب معين؛ فالفرس أسرع منه، والجمل أقدر منه على حمل الأثقال، وبعض الحيوانات أقوى جسمًا، لكن الإنسان يستطيع بعقله أن يسخر هذه الحيوانات وأن يجعلها في خدمته، قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4] فبهذا العقل يميز، وبهذا اللسان يعبر، وبهذا البيان ينقل العلوم من جيل إلى جيل؛ فالإنسان يولد لا يعلم شيئًا، ثم يستطيع بعد سنوات أن يقرأ ويكتب، ويبني ويزرع، ويحسب، ويطبب، ويصنع، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
3- تسخير الكون له:
سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأعد لهم مقومات حياتهم قبل خلقهم، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء والمطر والسحاب وسائر قوى الكون تمدهم بأسباب الحياة من غير أن يكون لهم سلطان على خلقها أو تسييرها؛ قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]
4- إنزال الوحي وإرسال الرسل
ومن تكريم الله للإنسان إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليعرف منهج الله وصراطه المستقيم، ويعرف بدايته ونهايته ومصيره، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: 48]
5- خلقه في أحسن صورة
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، معتدل القامة، جميل الصورة، وفي وجهه للنظر عينان، وللسمع أذنان، وللبيان لسان وشفتان، ومنحه الله يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما، ووهبه عقلا يفكر به.
وليس المرادُ من الصّورة الحَسنة جمال المنظر؛ بل المقصودُ تناسبُ أجزاءِ الإنسان بعضها مع بعض وتناسبُ مجموعِها مع الغاية التي خُلِق من أجلِها، فالأجهزةُ الفعّالةُ في جسم الإنسان فيها غايةُ التناسبِ والاِنسجام وتفاعلِ بعضِها مع البعض الآخر
6- حفظ كرامة الإنسان حيًا وميتًا
حرم الإسلام الاعتداء على دمه وماله وعرضه إلا بحق، وجعل للإنسان حرمة بعد موته، فشرع غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولم يجعل جثته شيئًا يلقى كما تلقى الأشياء.
لكن هل كل الناس متساوون في الكرامة عند الله؟ هنا يجب أن نفرق بين كرامة عامة وكرامة خاصة.
فالكرامة العامة لجنس بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ المؤمن والكافر، الأبيض والأسود، العربي والعجمي؛ كلهم من بني آدم.
لكن هناك كرامة أخرى أعلى منها، وهي الكرامة عند الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] فليست الكرامة عند الله بجنس الإنسان، ولا باللون، ولا بالمال، ولا بالشهادة، ولا بالوظيفة، ولا بكثرة الأتباع، وإنما بالتقوى؛ فالأتقى هو الأكرم عند الله، وقد يكون الرجل لا يعرفه أهل الأرض، لكنه معروف في السماء.
وفي الحديث عن أبي هريرة (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) رواه مسلم
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: وحملناهم في البر على الدواب والرواحل والمراكب التي ألهمناهم صنعها واستعمالها، وحملناهم في البحر على السفن والفلك بعد أن سخرنا لهم الماء والرياح والسنن الكونية التي تمكنهم من الانتقال والتجارة وطلب الرزق، مع أن الإنسان ضعيف أمام قوى البر والبحر، ولكن الله منحه العقل والاستعداد اللذين يمكّنانه من الانتفاع بها
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: ورزقناهم من الطيبات؛ من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والصحة والحواس والقدرة على الحركة، ويسرنا لهم تنقية الطعام وطبخه وتركيبه وتناوله على أحسن هيئة، فما من طيب تتعلق به حاجتهم إلا وقد جعل الله لهم منه نصيبًا ويسّره لهم، غير أن طول الألفة بالنعم قد يجعل الإنسان يغفل عنها فلا يعرف قدرها إلا إذا فقدها.
ولم يعط الله الإنسان مجرد ما يحفظ حياته، بل وسّع عليه في الرزق، وجعل له ألوانًا من الطعام والشراب والثمرات والمنافع التي يستطيبها؛ فالإنسان لا يأكل لمجرد سد الجوع فقط، بل يعرف مذاقات متعددة، ويتخير من ألوان الرزق، وهذا كذلك من مظاهر التكريم.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ وفضلناهم على كثير من مخلوقاتنا تفضيلًا عظيمًا بما جمعنا لهم من حسن الصورة، والعقل، والعلم، والبيان، والإرادة، والاختيار، والقدرة على التصرف والتدبير، وتسخير المخلوقات الأرضية، وتطوير أساليب حياتهم وحضارتهم.
إذن الآية تتحدث عن تكريم النوع الإنساني من حيث أصل خلقته واستعداده، لا عن استحقاق كل فرد للفضل عند الله مهما كان عمله؛ فإن كرامة التقوى والجزاء لا ينالها إلا المؤمن المطيع، وقد ينحط الإنسان بالكفر والمعصية حتى يكون كالأنعام، بل أضل سبيلًا، والمقصود تذكير الإنسان بعظيم نعمة الله عليه حتى يشكره، ويعرف قدر نفسه، ويستعمل عقله وجوارحه وما سُخّر له في طاعة خالقه وعمارة الأرض بالحق، ولا يقابل هذا التكريم بالكفر والغفلة والفساد.
من هو الأكرم عند الله؟
إذا قلنا إن الله كرّم الإنسان، فقد يسأل سائل:
هل معنى ذلك أن الإنسان أفضل من الجن؟
وهل هو أفضل من الملائكة؟
والجواب عن المسألتين كالتالي:
أولًا: الإنسان والجن
الإنس والجن جنسان مختلفان، وكلاهما مكلف، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] وفي الجن مؤمن وكافر، وصالح وطالح.
وقد قالوا عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] فنرى منهم المسلمين العاملين بالطاعة، ومنهم دون ذلك، فهم فرق مختلفة، كما يقع الاختلاف في الإنس، ولهذا لا يصح أن نقول: كل إنسان أفضل من كل جني.
فمحمد ﷺ أفضل الخلق جميعًا بلا إشكال، وكذلك سائر الأنبياء لهم الدرجات العليا عند الله، أما سائر الخلق من الجن والإنس فالكريم منهم عند الله التقي، والقرآن جمع الفريقين في الثواب والعقوبة والتكليف؛ بل قال في الضالين من الفريقين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179] وسبب وصفهم بأنهم أضل من الأنعام أنهم أوتوا التمييز ثم أعرضوا عن دلائل الحق.
فالميزان الحقيقي عند الله الإيمان والطاعة والقرب من الله.
ثانيًا: أيهما أفضل، صالحو البشر أم الملائكة؟
هذه مسألة قديمة اختلف فيها العلماء، على ثلاثة أقوال:
- الملائكة أفضل؛ فالملائكة في الملأ الأعلى، مستغرقون في عبادة الله، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20]
- الأنبياء وصالحو البشر أفضل من الملائكة؛ ومن أدلة من فضّل صالحي البشر: تكريم آدم، وتعليمه الأسماء، وأمر الملائكة بالسجود له، وما خص الله به الأنبياء والأولياء من الدرجات.
- وتوقف طائفة، وقالوا: لا يوجد في المسألة نص قاطع يفصل جميع أفراد هذا الباب على وجه لا احتمال فيه.
ومن أجمل ما قيل في الجمع بين الأدلة: تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال بمعناه: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية.
أما الإنسان المؤمن، فإنه يجاهد شهواته، ويجاهد شيطانه، ويجاهد نفسه، ويصبر على البلاء، ويعبد الله وهو بين دواعي المعصية؛ فإذا ثبت حتى لقي الله وبلغ منازل أهل الجنة، كان له من الكمال والكرامة ما ذكره الله.
ومع ذلك فالمسألة اجتهادية، فلا نجعلها من أصول الدين التي يضلل فيها المخالف.
أسباب الهوان عند الله
وإذا كان الله قد كرّم الإنسان وهداه إلى طريق العزة، فإن الإنسان قد يسلب نفسه آثار هذا التكريم المعنوي حين يختار الكفر والاستكبار والإعراض.
1- الكفر والشرك:
من أعظم أسباب الهوان أن يكرمك الله بالوجود والعقل والرزق ثم تجعل العبادة لغيره؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] فالذين حق عليهم العذاب هم الكفار والمشركون الذين أعرضوا عن توحيد الله وعبادته، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6]
2-الاستكبار
أول من سقط من مقام القرب من الله بسبب الكبر إبليس عندما قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] فكانت نتيجة “أنا خير منه“: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13]
فدخل إبليس الهوان من باب الكبر، ولذلك لا تغتر بنسب، ولا بمال، ولا بمنصب؛ فالكرامة ليست أن تكون فوق الناس، وإنما أن تكون عند الله من أهل التقوى.
3-المعصية والإصرار عليها
المعصية تُذل صاحبها؛ فقد يضحك بين الناس وقلبه ذليل، وقد يركب أفخم سيارة وهو أسير شهوة، وقد يملك الملايين وهو عبد لماله، وقد يعيش إنسان فقير في بيت متواضع وقلبه عزيز بالله.
فليست العزة فيما يراه الناس؛ إنما العزة في طاعة الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]
وعندما فتح المسلمون جزيرة قبرص بكى أبو الدرداء، فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟!
فقال أبو الدرداء: ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، إذ عصوا الله فصاروا إلى ما ترى”
نعم ما أهونهم على الله، لو أضاعوا أمره!!
وقال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد.
4- الإعراض عن ذكر الله
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124] والمعيشة الضنك معيشة كلها ضغوط وكآبة وضيق، والعقوبة الأخروية أن يحشر يوم القيامة أعمى، والنسيان هنا ليس نسيان القرآن كما يظن البعض، إنما النسيان هنا هو الترك، الترك أتته آيات الله- عز وجل- فأعرض عنها إعراض الترك، كالغافل عنها كالذي لا يبصرها.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وإن يعيذنا من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
الخلاصة:
- تكريم الله لبني آدم تكريم عام يشمل جنس الإنسان؛ مؤمنهم وكافرهم، وعربيهم وأعجميهم، وأبيضهم وأسودهم.
- بدأ تكريم الإنسان بتكريم أبيه آدم عليه السلام؛ فخلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلّمه الأسماء، وأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وإكرام.
- العقل والعلم والبيان من أعظم وجوه التكريم؛ فبها يتعلم الإنسان ويفكر ويكتب وينقل المعرفة ويقيم الحضارات.
- فضّل الله الإنسان بحسن الخِلقة والصورة؛ فجعله معتدل القامة، ومكّنه من تناول الأشياء بيده والتصرف فيها.
- سخّر الله للإنسان ما في السماوات والأرض من الشمس والقمر والماء والهواء والدواب وسائر أسباب الحياة.
- إرسال الرسل وإنزال الكتب من أجلِّ صور التكريم؛ ليعرف الإنسان ربه وغاية خلقه والطريق الموصل إلى سعادته.
- تيسير وسائل النقل من نعم الله العظيمة؛ فقد حمل الإنسان في البر والبحر، وألهمه صناعة المراكب والانتفاع بالنواميس الكونية.
- رزق الله الإنسان من الطيبات؛ من الطعام والشراب واللباس والمسكن والزواج والصحة والحواس وسائر المنافع.
- كثرة الألفة بالنعم قد تورث الغفلة عنها؛ فلا يعرف الإنسان قدر الصحة أو الحواس أو الأمن إلا عند فقدها.
- لم يرزق الله الإنسان ما يحفظ حياته فقط، بل وسّع عليه في ألوان الأطعمة والأشربة والثمرات والمنافع التي يستطيبها.
- فضّل الله بني آدم على كثير من خلقه بما جمع لهم من العقل والعلم والبيان والإرادة والاختيار والقدرة على التدبير.
- التكريم الإنساني لا يعني تساوي الناس في المنزلة عند الله؛ فالكرامة الخاصة والرفعة الحقيقية تكون بالإيمان والتقوى.
- ميزان التفاضل عند الله ليس الجنس ولا اللون ولا المال ولا المنصب، وإنما التقوى.
- الإنس والجن مكلفون بعبادة الله، وفي كلٍّ منهما المؤمن والكافر والصالح والطالح؛ ولذلك يكون التفاضل بين أفرادهما بالإيمان والطاعة.
- من أجمع الأقوال في مسألة تفضيل صالحي البشر على الملائكة أن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية بعد مجاهدة النفس والشيطان والشهوات.
- يجوز للإنسان أن يرتقي بالطاعة حتى يبلغ أعلى الدرجات، كما يمكن أن ينحط بالكفر والمعصية حتى يكون كالأنعام، بل أضل سبيلًا.
- الشكر العملي هو مقتضى التكريم؛ وذلك باستعمال العقل والعلم والجوارح والنعم في طاعة الله وعمارة الأرض بالحق.
- الشرك من أعظم أسباب الهوان؛ لأنه مقابلة لتكريم الله ورزقه بصرف العبادة لغيره.
- الكبر سبب للسقوط والذل، كما وقع لإبليس حين اعترض على أمر الله وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.
- المعصية والإصرار عليها يورثان ذل القلب، ولو كان صاحبه غنيًّا أو ذا منصب، بينما تمنح الطاعة صاحبها عزة ولو كان فقيرًا.
- الإعراض عن ذكر الله سبب لضيق الحياة وهوان الآخرة، أما الإيمان والذكر والطاعة فهي أسباب الطمأنينة والعزة.
- الإسلام يحفظ كرامة الإنسان حيًّا وميتًا؛ فيصون دمه وماله وعرضه، ويشرع بعد موته غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
- الغاية الكبرى من الآية أن يعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه، وألا يقابل التكريم بالكفر والغفلة والفساد، بل بالشكر والتواضع والاستقامة.

