1- ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].

من أعظم الأسئلة التي ينبغي للإنسان ألا يعيش غافلًا عنها:
من أين جئت؟ ولماذا خُلقت؟
وما الذي ينتظرني بعد هذه الحياة؟ أين المصير؟
ولم يترك القرآن الإنسان حائرًا أمام هذه الأسئلة، بل قص عليه قصته من أولها، وكشف له حقيقة وجوده، وأخبره بمهمته، وحذره من عدوه، ثم أخبره إلى أين ينتهي الطريق.
لقد بدأت قصة الإنسان قبل أن تطأ قدماه هذه الأرض، حين قال ربنا سبحانه للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
فوجود الإنسان في الأرض لم يكن عبثًا، ولم يكن ظهوره في هذا الكون حادثًا بلا حكمة، بل خلقه الله بإرادته وعلمه وحكمته، وهيأ له هذه الأرض ليعيش فيها زمنًا معلومًا، ويُبتلى فيها بما أعطاه الله من إرادة وقدرة واختيار، ثم يعود إلى خالقه.
مراحل خلق الإنسان الأول: آدم عليه السلام:
جاءت الألفاظ القرآنية عن بداية خلق الإنسان: التراب، والطين، والحمأ المسنون، والصلصال لتصف مراحل متتابعة في خلق الإنسان:
1- التراب
الأصل الأول هو التراب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59] فالتراب هو المادة الأصلية التي بدأ منها خلق آدم عليه السلام.
2- الطين
ثم اختلط التراب بالماء فتحول إلى طين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: 11] والطين اللازب هو الطين المتماسك الذي التصق بعضه ببعض.
3- الحمأ المسنون
ثم بقي هذا الطين مدة، فتغير وصار حمأً مسنونًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] والحمأ هو الطين الذي مضى عليه زمن فاختمر فتغيرت رائحته.
وأما معنى المسنون فقد جاءت فيه أقوال للمفسرين، منها: المتغير، ومنها المصوَّر، ومنها المصبوب على هيئة معينة.
4- الصلصال
ثم جف الحمأ المسنون وصار صلصالًا، والصلصال هو الطين اليابس.
وسمي صلصالًا لما يكون له من صوت أو صلصلة إذا قُرع، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14] وتشبيهه بالفخار لا يلزم منه أنه أُدخل النار وصار فخارًا حقيقة؛ وإنما صار يابسًا له صلصلة كالفخار.
5- التسوية ثم نفخ الروح
ثم بعد تمام هذه المراحل سوّى الله آدم على الهيئة التي أرادها، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29] إذن بدأ خلق الإنسان من تراب؛ أضيف إليه الماء فصار طينًا؛ مكث فتغير فصار حمأً مسنونًا؛ جف فصار صلصالًا؛ سوَّاه الله؛ نفخ فيه الروح.
إنها أوصاف متعددة لمادة الخلق الأولى، يذكرها القرآن ليوقظ في الإنسان حقيقتين عظيمتين:
- أن أصله من هذه الأرض، فلا ينبغي له أن يتكبر.
- وأن الذي رفع قدره ليس مادة جسده، وإنما ما أكرمه الله به من الروح، والعقل، والعلم، والهداية.
هل الإنسان خليفة الله في الأرض؟
هذا يرجع لتفسير قوله تعالى للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] وللعلماء قولان في معناها:
التفسير الأول: أن الإنسان هو خليفة الله تعالى في الأرض، استخلفه الله -عز وجل- للإصلاح فيها وعمارتها، وإقامة شريعة الله تعالى ودينه، وهذا المعنى المقصود به تشريف الإنسان بهذا الاستخلاف، وهذا ورد في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قول الحق جل وعلا لداوود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]، وكان داوود عليه السلام ملكا نبيا مستخلفا من الله -عز وجل- في الأرض ليحكم بين الناس بالحق.
وفي الآية الأخرى يقول الحق جل وعلا على لسان موسى لما شكا بنو إسرائيل إلى موسى اشتداد أذى فرعون، قال: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129] وقال الله -عز وجل- ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62] أيضا ورد قول الحق تعالى في سورة الحديد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7] والمقصود هنا مما ملككم الله تعالى من عطائه ونعمته، فالإنسان مستخلف من الله على المال، وأمره الله أن يؤدي حق الله في المال بالزكاة، وإطعام الفقير، والمسكين، وإعطاء المحتاج إلى آخر ذلك.
فمعنى خليفة أي أنه موكل من الله -عز وجل- بهذه المهمة، وهذه الوكالة ليست كوكالة الملائكة فإن الملائكة إذا كلفوا بأمر فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أما بنو آدم ففيهم الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، فهناك من يحرم نفسه من شرف الاستخلاف في الأرض فيصير من أتباع الشيطان، وهناك من يشرف بهذا الشرف العظيم فيقيم شعائر الله، ويقيم أمر الله، ويصلح في الأرض، ويعمرها، ويصلح فهذا يؤدي حق الاستخلاف في الأرض.
التفسير الثاني: (إني جاعل في الأرض خليفة) يعني خلقا يخلفون الجن في الأرض، أو خلقا يخلف بعضهم بعضا، كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 165]، خلائف أي: جيل يعقبه جيل، يخلف بعضهم بعضا، وفي الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59]، والناس في الدارجة المصرية يسمون الأولاد الخلفة، فالخلف المقصود به أن هناك خلقا يخلفه خلق، وجيلا يخلفه جيل، وهكذا، أي أن الله تعالى يجعل نسلا وتكاثرا وعمارة في الأرض بهؤلاء الخلق.
هذا الأمر أراده الله تعالى في الحياة لحكم كثيرة منها، الابتلاء وعمارة الأرض، وأن يظهر الصالح من الفاسد، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2] إلى غير ذلك من الحكم.
والراجح: أن اللغة العربية تحتمل المعنيين أن بني آدم فعلا خلفوا الجن في الأرض بعد أن أفسدوا فيها، وأنهم أجيال تتعاقب؛ خلف من بعد خلف، وجيل من بعده جيل، وكذلك خلق الله الإنسان ليكون موكلا ومكلفا بتنفيذ أمر الله تعالى وإقامة شرعه وإصلاح الأرض.
الغاية من خلق الإنسان
بين الله تعالى لنا الغاية من خلقنا وأنا خلقنا لثلاث غايات:
الغاية الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] أي أن الغاية العظمى من وجودنا في الدنيا هي عبادة الله وحده، وعبادة الله عز وجل تكون بإفراده سبحانه بالتوحيد، وإفراده سبحانه بالتشريع؛ فهو الآمر الناهي نعبده وحده لا شريك له؛ ونطيعه ولا نعصي أمره جل جلاله.
وهذه الغاية هي الأساس التي لا يصح عمل إلا بها، ثم إنها تظهر عبر الابتلاء لأن به يظهر الصادق من الكاذب، وتظهر من خلال عمارة الأرض والإصلاح فيها.
الغاية الثانية: حكمة الابتلاء:
الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولم يتركهم هملا لا يثيبهم ولا يعاقبهم، بل جعل الدنيا دار اختبار وامتحان، كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2] فإن الله خلق عباده، وأسكنهم الأرض لأجل مسمى قدره سبحانه ، فينقلون منها بالموت، ثم يبعثهم من قبورهم فيجازيهم على أعمالهم، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء.
الغاية الثالثة: إعمار الأرض:
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] فالإسلام دين يدعو للعمل والحركة والإصلاح وعمارة الأرض فلا رهبانية ولا انعزال وانطواء بعيدا عن الناس، إنما يسعى الإنسان لإعمار الأرض، واستثمار خيراتها النافعة في تحقيق مراد الله تعالى، وحفظ نظام التعايش فيها.
وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)
والمقصود من الحديث أن المسلم مكلف بالعمل فإذا يئس من ثمرة العمل أن يحصلها؛ فلا يترك العمل، عسى أن تنفع ثمرته غيره.
هل سكن آدم جنة الخلد بعد خلقه؟
وبمناسبة الحديث عن إعمار الأرض يلح علينا سؤال وهو أي جنة سكنها آدم بعد خلقه؟[1]
القول المشهور عند جمهور المفسرين: أن آدم كان في جنة الخلد، وأن إبليس وسوس لآدم في الجنة.
والقول الآخر أنها كانت جنة على الأرض وليست هي جنة الخلد، وهذا هو القول الذي أرجحه للأدلة التالية:
الدليل الأول: هناك تداخل في اللفظ ما بين جنة الخلد وكلمة جنة من الناحية اللغوية، العرب تطلق على البستان الممتلئ بالأشجار والثمار جنة، وهذا إطلاق وارد في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32] والله تعالى أخبر عن إنزال المطر من السماء فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 14-16] ، وقصة أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17]، إذن كلمة الجنة تطلق ويراد بها المعنى اللغوي وليس جنة الخلد فالجنة في لغة العرب هي المكان الذي فيه الأشجار الكثيرة والثمار فيسمى جنة لأنه لكثرة الأشجار من يدخلها يجنّ يعني يستتر ويختفي، والفعل جنّ يعني اختفى واستتر ومنه (فلما جن عليه الليل) يعني أقبل بظلامه فستر كل شيء، ومنه الجن لأننا لا نراهم، ومنه الجنين لأنه مستور في بطن أمه، ومنه المجنون لأنه استتر عقله فلا يدرك.
فالجنة مكان في الأرض هيأه الله تعالى لآدم ليسكنه هو وزوجه، وكان فيه من الطيبات ومن الظلال لكنه لما عصى أمر الله أخرج منها حتى يكون مسؤولا عن نفسه مكلفا بأن يجمع طعامه ويهيئ شرابه وحياته إلى غير ذلك.
الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) في الأرض وليس في الجنة، لم يخلقنا الله لنسكن الجنة ابتداءً، لكن لا شك أن الجنة هي الدار التي أعدها الله جزاء لعباده المتقين؛ أما في بداية الخلق فإن الله بين أنه خلق آدم ليسكن هو وذريته في الأرض، فكيف يُخبِر الله ملائكته، قبل خلق آدم، بأنه جاعله في الأرض خليفة، ثم يسكنه الجنة؟ ثم يخرجه الله منها عقوبة على أكله من الشجرة التي نهي عنها؟
إذن ليس للابتلاء هنا معنى وكأن العقوبة مجهزة قبل أن يقوم بالذنب، وحاشاه جل وعلا أن يفعل ذلك.[2]
الدليل الثالث: أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم تكريما له، ومن ضمن المأمورين بالسجود لآدم إبليس، والسياق لم يذكر هذا صراحة لكننا نفهمه من خلال آيات القرآن، لأن الله تعالى قال لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] إذن فهو مأمور من الله أيضا مع الملائكة، لكن القرآن دائما يترك مساحات للمستمع أو للقارئ حتى يستوعب ويفهم دون ذكر تفاصيل، وهذه من بلاغة القرآن الكريم، فأنت تفهم أن الملائكة أمرت بالسجود لآدم، وأن إبليس كان من المأمورين بالسجود لآدم، فأبى واستكبر أن يسجد طاعة لأمر الله.
الشاهد أن الله تعالى طرده من الملأ الأعلى أي من السماء كلها، ومسألة الخلق والسجود كانت في الملأ الأعلى، ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13] إذن الآن إبليس غير موجود في السماء ولا في الملأ الأعلى، فلو كان آدم- عليه السلام- في جنة الخلد كيف وسوس له إبليس؟ وكيف وصل إليه إبليس بالوسوسة؟
هذا مستحيل، لأنه ملعون ومطرود من الملأ الأعلى فهو لا يصل إلى الملأ الأعلى، بالإضافة إلى أنه بعد مشهد الوسوسة والأكل من الشجرة، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] اهبطوا منها، من أي مكان؟ من السماء من الملأ الأعلى، إبليس مطرود من الملأ الأعلى، إذن معنى (اهبطوا منها) أي من جنة موجودة في الأرض، آدم وحواء وإبليس، ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] بهذا يتضح لنا هذا المعنى أن آدم لم يكن في جنة الخلد، إنما كان في جنة على الأرض.
وقد يعترض القائلون بأنها جنة الخلد أن الله تعالى قال: (اهبطوا منها) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.
والجواب على ذلك: نعم الهبوط يكون من أعلى إلى أسفل فلعل هذه الجنة كانت على ربوة (مكان مرتفع) فاهبط منها إلى الأرض، أو اهبطوا بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان، ونبي الله موسى قال لبني إسرائيل: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61] وقد سمعت بعض الإخوة من المغرب العربي يقول أحدهم: أنا سأهبط إلى المغرب هذا العام، أنا سأهبط إلى الجزائر هذه الصيف، وهكذا فاهبط هنا ليس معناها أنه سينزل من السماء إلى الأرض إنما سينتقل من جنة في الأرض بربوة إلى مكان آخر من هذه الأرض.
وبناء على ذلك: فإن الله لم يخلق آدم ليعيش في جنة الخلد؛ إنما خلقه ليعبد الله وحده لا شريك له، ويعمر الأرض ويصلحها.
إلى أين المصير؟
من أعظم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل قلب كل إنسان: أين المصير بعد هذه الحياة؟ ماذا بعد انقضاء الأعمار، وتوقف الأنفاس، ومفارقة الأهل والأحباب، وترك البيوت والأموال والمناصب؟
هل تنتهي قصة الإنسان حين يوضع في قبره؟ وهل يصبح بعد الموت ترابًا لا بعث بعده ولا حساب؟ أم أن الموت انتقال من دارٍ إلى دار، ومن حياة العمل إلى حياة الجزاء؟
لقد أجاب القرآن عن هذا السؤال جوابًا واضحًا لا غموض فيه، فقال سبحانه:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
هذه الآية تلخِّص رحلة الإنسان كلها: حياةٌ قصيرة، ثم موت محتوم، ثم بعث وحساب، ثم مصير إلى جنة أو نار.
الدنيا ليست دار بقاء
فمهما طالت حياة الإنسان فإن نهايتها الموت، ومهما جمع من المال فإنه سيتركه، ومهما علا منصبه فسينزل منه، ومهما قوي جسده فسيضعف، ومهما أحبه الناس فسيحملونه يومًا على أكتافهم، ثم يضعونه في قبره ويعودون.
قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]
الموت بداية الرحلة إلى الآخرة
ليس الموت فناءً محضًا، ولا نهايةً للوجود، ولكنه بوابة العبور من الدنيا إلى الآخرة، وانتقال من زمن العمل إلى زمن الجزاء.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
البعث حق لا ريب فيه
بعد حياة البرزخ يأتي اليوم الذي يبعث الله فيه الخلائق من قبورهم، حفاةً عراةً، كما بدأهم أول مرة، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 51-52].
إن الذي خلق الإنسان من العدم قادر على أن يعيده بعد الموت، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء العظام وهي رميم.
وسيخرج الناس من قبورهم لا يحملون أموالهم ولا ألقابهم ولا أنسابهم؛ وإنما يحمل كل واحد منهم سجلَّ أعماله، ويقف الجميع بين يدي الله رب العالمين.
الوقوف بين يدي الله والحساب
إن المصير بعد الحياة وقوفٌ بين يدي ملك الملوك، الذي لا تخفى عليه خافية، ولا تضيع عنده مظلمة، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
بعد الحساب لا يبقى إلا المصير الأبدي: إما جنة وإما نار، إما نعيم لا ينفد، وإما عذاب لا يطاق، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].
أما أهل الإيمان والتقوى، فيقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46].
فيدخلون الجنة لا موت فيها، ولا مرض، ولا خوف، ولا حزن، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم نعيمها رضا الله والنظر إلى وجهه الكريم.
وأما أهل الكفر والإعراض، ومن مات مصرًّا على ما يسخط الله، فلهم الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-11].
هذا هو المصير، فاختر لنفسك اليوم مصيرها غدًا؛ فإن طريق الجنة يبدأ من هنا، وطريق النار يبدأ من هنا اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
الخلاصة:
- أن وجود الإنسان في هذه الحياة لم يكن عبثًا، بل خُلق بإرادة الله وعلمه وحكمته لغاية عظيمة.
- أن معنى استخلاف الإنسان في الأرض يحتمل قيامه بالإصلاح والعمارة وتنفيذ شرع الله، كما يحتمل تعاقب الأجيال وخلافة بعضها بعضًا.
- أن الإنسان مستخلف فيما آتاه الله من المال والقدرات والنعم، وعليه أن يستعملها فيما يرضي الله وينفع الخلق.
- أن من حقق العبودية وأصلح في الأرض أدى أمانة الاستخلاف، ومن أطاع الشيطان وأفسد حرم نفسه من هذا الشرف.
- أن العبادة ليست محصورة في الشعائر، بل تشمل كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله، ويوافق شرعه.
- أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، يظهر فيها الصادق من الكاذب، والطائع من العاصي، والمحسن من المسيء.
- أن طاعة الله واتباع هداه طريق الأمن والسعادة، بينما اتباع الشيطان والهوى طريق الضلال والشقاء.
- أن الدنيا ليست دار بقاء؛ فكل حيٍّ ميت، وكل ما عليها فانٍ، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى.
- أن الموت ليس فناءً ونهايةً للوجود، بل انتقال من دار العمل إلى حياة البرزخ، ثم إلى دار الحساب والجزاء.
- أن البعث بعد الموت حق لا ريب فيه، وأن من خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته بعد أن يصير ترابًا.
- أن الوقوف بين يدي الله حق، وأن جميع الأعمال، صغيرها وكبيرها، مكتوبة في صحائف لا يغادر منها شيء.
- أن الإنسان يختار في الدنيا الطريق الذي ينتهي به إلى مصيره في الآخرة؛ فطريق الجنة يبدأ بالإيمان والطاعة، وطريق النار يبدأ بالكفر والإعراض والمعصية.
- أن الواجب على العاقل أن يستعد للقاء الله بالتوبة، والمحافظة على الفرائض، ورد المظالم، والإكثار من الأعمال الصالحة.
- أن معرفة أصل الإنسان وغاية خلقه ومصيره ينبغي أن تغيِّر نظرته إلى حياته، فيعيش عبدًا لله، متواضعًا، عاملًا، مصلحًا، ومستعدًّا للآخرة.
[1] هذه المسألة خلافية بين العلماء: فمنهم من قال: هي جنة الخلد التي في السماء، وأُهبط منها آدم عليه السلام. ومنهم من قال: هي جنة في الأرض، ومنهم من توقف في هذه المسألة، فلم يرجح أحد القولين على الآخر، وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأطال النفس في ذلك؛ ذاكراً أقوال العلماء، ومما قاله رحمه الله: “الجمهور على أنها هي التي في السماء، وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث. وقال آخرون: بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد؛ لأنه كلّف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة. والإمام ابن القيم رحمه الله يعد من أكثر من بحث هذه المسألة وأطال فيها؛ فقد قام رحمه الله باستقصاء أدلة كل قوم بالتفصيل، ولم يرجح رحمه الله قولاً على قول، بل توقّف في المسألة لتعارض الأدلة، ولقوة ووجاهة كلّ قول.
انظر: مفتاح دار السعادة (116- 44) وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (52:77)
[2] وعلى سبيل التقريب في قصة إسماعيل وإسحاق، البعض يقول إن الذبيح هو إسحاق- عليه السلام-، والجمهور على أن الذبيح هو إسماعيل، والدليل أننا لو قرأنا في سورة هود لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] فمعنى هذا أن سارة زوج إبراهيم ستنجب إسحاق وأن إسحاق سيعيش حتى ينجب يعقوب، فلو أن الذبيح هو إسحاق وأن الله أمر إبراهيم حين بلغ معه السعي أن يذبح ولده إسحاق، فما معنى البشرى بأن من وراء إسحاق يعقوب؟ إذن فليس المراد هنا أن يكون هو إسحاق إنما الذبيح هو إسماعيل، فالمبشر بالخلف والذرية هو إسحاق، وهذه البشارة سابقة على ولادته، يعني لم يولد بعد، فكيف تبشر بأنها ستنجب؟ وذكر اسمه إسحاق ومن نسله يعقوب، ثم يأمر تعالى حينما يبلغ معه السعي وقبل أن يتزوج أن يذبحه؟ بالإضافة إلى أنه في سورة الصافات بعد ذكر قصة الذبح قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112] فكيف تجري القصة؟ ويقول الشاب لأبيه (يا أبت افعل ما تؤمر)، ثم يأتي بعد ذلك البشرى بإسحاق، فالبشرى بإسحاق كانت عقب الابتلاء بذبح ولده إسماعيل؛ فالله تعالى من بادئ الأمر قبل أن يخلق آدم قال إني جاعل في الأرض خليفة.

