صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإنسان في القرآن: 3- وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا

تاريخ الإضافة 3 سبتمبر, 2026 الزيارات : 5105

(3)” وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا..”

فضل الدعاء

الدعاء من أجلِّ العبادات وأعظم القربات، وهو مظهر افتقار العبد إلى ربه، وإقراره بكمال قدرة الله ورحمته وغناه؛ فالعبد ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، والله سبحانه هو القادر على كشف الضر، وتفريج الكرب، وتيسير العسير. ولذلك أمر الله عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].

والدعاء عبادةٌ محبوبة لله تعالى، وهو سبب لجلب النعم ودفع النقم، وانشراح الصدر، وتفريج الهم، وتثبيت القلب؛ قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة» رواه أبو داود والترمذي. وكلما اشتدت حاجة العبد، وانقطعت عنه أسباب الخلق، وصدق اضطراره والتجاؤه إلى الله، كان أقرب إلى الإخلاص والانكسار بين يديه.

وقد وعد الله المضطر بإجابة دعائه وكشف كربه، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62] فهذه الآية دليل صريح على أن الله وحده يجيب دعاء المضطر ويكشف عنه السوء؛ لأن المضطر يكون قد انقطعت به الحيل، وضاقت أمامه السبل، فلم يبق له ملجأ إلا الله سبحانه.

غير أن الواجب على العبد ألا يعرف ربه في وقت الشدة وحده، ثم ينساه بعد انكشافها، بل يدعوه ويطيعه ويشكره في الرخاء والشدة؛ وهذا هو المعنى الذي ترشد إليه آية سورة يونس وتحذر من مخالفته.

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يونس: 12]

تكشف هذه الآية ضعف الإنسان الغافل، فهو يكثر من الدعاء عند نزول البلاء، ثم ينسى فضل الله بعد زواله، ومن هنا يقرر القرآن مبدأً إيمانيًّا عظيمًا: أن المؤمن لا يعرف الله في الشدة وحدها، بل يعبده ويشكره في الرخاء والشدة.

معنى الآية الكريمة

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ الإنْسانُ المُراد بِهِ جِنْسُ الإنسان.

 ﴿الضُّرُّ﴾ أيْ إذا أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ.

﴿دَعَانَا﴾ والدُّعاءُ: هُنا الطَّلَبُ والسُّؤالُ بِتَضَرُّعٍ.

﴿لِجَنْبِهِ﴾ أي نائما أو مستلقيا على جنبه لشدة وجعه، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِجَنْبِهِ﴾ بِمَعْنى عَلى.

﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ أي أنه يَدْعُو اللَّهَ في حالَة تتَطَلُّبِ الرّاحَةِ ومُلازِمَةِ السُّكُونِ، أيْ دَعانا في سائِرِ الأحْوالِ لا يُلْهِيهِ عَنْ دُعائِنا شَيْءٌ.

﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي مضى على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضر من ترك العبادة، ونسي حالة الجهد والبلاء والضيق والفقر، كأنه لا عهد له به كأنه لم يدعنا من قبل.

﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك التزيين العجيب أي كما زين له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء، والدعاء عند الضر ليس عملًا مذمومًا حتى يكون هو المزيَّن للمسرفين، وإنما المذموم هو الإعراض بعد كشف الضر، والاستمرار في الكفر والغفلة والمعصية.

 والتزيين من الشيطان بالوسوسة، أو من طريق النفس الأمارة بالسوء، والمعنى أنه كما زُيِّن لهذا الإنسان إعراضُه واستمرارُه على غفلته بعد كشف الضر عنه، زُيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي.

وهنا لفتة بلاغية: أن المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها قليلة زائلة في مقابلة سعادة الدار الآخرة، والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب ذلك، فمن بذل هذه الحواس لأجل أن يفوز بهذه اللذات الدنيوية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين.

المعنى العام للآية:

وإذا أصاب الإنسان الشدة استغاث بنا في كشف ذلك عنه، مضطجعا لجنبه أو قاعدا أو قائما، على حسب الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضر به، فلما كشفنا عنه الشدة التي أصابته استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الشدة والبلاء، وترك الشكر لربه الذي فرج عنه ما كان قد نزل به من البلاء، والسر في هذا أن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر، وجبل أيضا على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع، وإظهار الخضوع والانقياد، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران، وهذه حال الإنسان الغافل الذي لم يهذبه الإيمان؛ أما المؤمن فيصبر عند البلاء، ويشكر عند الرخاء.

وكما زين لهذا الإنسان استمراره على جحوده وعناده بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به.

تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة

الدعاء نعمة كبرى، أنعم بها ربُّنا جل وعلا حيث أمرنا بالدعاء، ووعدنا بالإجابة والإثابة؛ فشأن الدعاء عظيم، ومنزلته عالية في الدين، فما اسْتُجْلِبت النعم بمثله، ولا استُدْفِعت النقم بمثله، والدعاء عبادة لله، وتوكُّل عليه، والدعاء سبب عظيم لانشراح الصدر، وتفريج الهم، ودفع غضب الله سبحانه، والدعاء مَفْزَع المظلومين، وملجأ المستضعفين، وأمان الخائفين، فما أشد حاجتنا إلى الدعاء! بل ما أعظم ضرورتنا إليه! قال الله تعالى﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]

وقال تعالى﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]

ومَن كانَتْ عادَتُهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ كَثِيرَ التَّضَرُّعِ والدُّعاءِ، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ ونُزُولِ الآلاءِ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مُتَغافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِشُكْرِهِ، كانَ مُسْرِفًا في أمْرِ دِينِهِ مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ في الغَفْلَةِ عَنْهُ.

 وفي الحديث  تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة” والرخاء ضد الشِّدّة، وحال الرخاء يشمل كل أحوال الإنسان الاعتيادية، أما الشدائد فهي عارضة وليست دائمة.

والمعنى: الزم طاعته وحقوقه في الرخاء، يحفظك ويعينك في الشدة؛ وليس معناه أن الله لم يكن عالمًا بالعبد ثم عرفه.

 والعبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه.

وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يروي عن ربه جل وعلا: (ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه

فالمسلم يلجأ إلى الله تعالى في أحواله كلها؛ في سرَّائه وضرَّائه، وشدَّته ورخائه، وصحته وسقمه، فلا يقتصر ذلك في حال الشدة فقط إذ إن ملازمةُ المسلم للطاعة والدعاء حال الرخاءِ، ومواظبته على ذلك في حال السرَّاء سببٌ عظيمٌ لإجابة الدعاء عند الشدائد، والمصائب، والكُرَب، والبلاء.

 وقد جاء عن النبيَّ ﷺ قال: (مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فلْيُكثِر من الدعاءَ في الرخاء) رواه الترمذي

قال ابن رجب رحمه الله: “معرفة العبد لربه نوعان:

 أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين.

والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله عز وجل”.

ثم قال: ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان:

معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: 32]

والثاني: معرفة خاصة وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله -ﷺ- فيما يحكى عن ربِّه: ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فلئن سألني، لأُعطِيَنَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّها. هـ

مقارنة بين يونس وفرعون

معرفة الله والإيمان به وتعظيمه ليس شيئا طارئا لينقذ الإنسان نفسه من الهلكة كما فعل عدو الله فرعون حينما أدركه الغرق لجأ إلى الله وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس: 90-92] ومن الملفت للنظر أن المد في قوله تعالى: (آلآن) مد لازم يجب مده ست حركات آلآن” لم تعرف أن لك إلها تؤمن به إلا الآن؟

أمَّا يونس -عليه السلام- حين ابتلعَهُ الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87]

لماذا قُبِلَت هذه الكلمة من يونس ولم تُقبل من فرعون؟

لم يكن دعاء يونس عليه السلام إيمانًا طارئًا عند الهلاك؛ بل كان دعاء نبي موحِّد عُرف بالتسبيح والعبادة قبل البلاء، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: 143-144].

أما فرعون فلم يعلن الإيمان إلا حين أدركه الغرق وعاين العذاب، فلم ينفعه إيمانه الاضطراري.

 فرعون قال بكل كبر وغرور: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24]

أما يونس-عليه السلام- نادى وهو مكظوم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] وخاطب الله خطاب من يعرف ربه: (أنت، وسبحانك) وهذا خطاب من امتلأ قلبه بتعظيم الله ومراقبته وحسن الظن به.

أما فرعون فماذا قال؟ قال” لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل سمع أنه يوجد إله أمنت به بنو إسرائيل، فلما اصابه الغرق شعَر أن إله بني إسرائيل هو الذي أغرقه فقال” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل

قصة أصحاب الغار

قص النبي عليه السلام خبر الثلاثة من بني إسرائيل آواهم المبيت إلى غار فتدهدهت[1]عليهم صخرة عظيمة أغلقت فم الغار؛ فإذا الغار صندوق مغلق محكم الإغلاق، مقفل موثق الإقفال؛ إن نادوا فلن يسمع نداؤهم، وإن استنجدوا فلا أحد ينجدهم، وإن دفعوا فسواعدهم أضعف وأعجز من أن تدفع صخرة عظيمة سدت فم الغار، وكانت كربة شديدة؛ فلم يجدوا وسيلة يتوسلون بها في هذه الشدة إلا أن يتذكروا معاملتهم في الرخاء، فدعوا الله في الشدة بصالح أعمالهم في الرخاء.

دعا أحدهم متوسلا إلى الله ببره والديه، يوم أتى فوجدهما نائمين، وطعامهما قدح من لبن في يده، وصبيته يتضاغون(يبكون) من الجوع، وكان بين خيارين إما أن يوقظ الوالدين من النوم، وإما أن يطعم الصبية!! فلم يختر أيًا من هذين الخيارين، ولكن اختار خيارًا ثالثًا وهو أن يقف والقدح على يده والصبية يتضاغون عند قدميه، ينتظر استيقاظ الوالدين الكبيرين، والوالدان مستغرقين في النوم حتى انبلج الصبح وأسفر الفجر فاستيقظا، وبدأ بهما وأعرض عن حنان الأبوة وقدم عليه حنان البنوة على الأبوة فشرب أبواه وانتظر بنوه.

فدعا الله قائلا: “اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه”.

ثم دعا الآخر، فتوسل إلى الله بخشيته لله ومراقبته يوم أن قدر على المعصية، وتمكن من الفاحشة ووصل إلى أحب الناس إليه، ابنة عمه، بعد أن اشتاق إليها طويلاً وراودها كثيرًا وحاول فأعيته المحاولة، حتى إذا أمكنته الفرصة واستطاع أن يصل إلى شهوته، وينال لذته خاطبت فيه تلك المرأة مراقبة الله فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فارتعد القلب واقشعر الجلد، ووجفت النفس وتذكر مراقبة الله تعالى فوقه، فقام عنها، وهي أحب الناس إليه وترك المال الذي أعطاها.

فدعا الله قائلا: “اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه”.

ودعا الثالث فتوسل بعمل صالح قربه، وهو الصدق والأمانة حيث استأجر أجراء فأعطاهم أجرهم، وبقي واحد لم يأخذ أجره فنمّاه وضارب فيه، فإذا عبيد وماشية وثمر، ثم جاء الأجير بعد زمن طويل يقول: أعطني حقي.

فكان أمينًا غاية الأمانة، نزيهًا غاية النزاهة، فقال: حقك ما تراه، كل هذا الرقيق، وكل هذه الماشية، كلها لك، فكانت مفاجأة لم يستوعبها عقل هذا الأجير الفقير، فقال: “اتق الله ولا تستهزئ بي” فقال: يا عبد الله إني لا أستهزئ بك، إن هذا كله لك، فاستاقه جميعًا، ولم يترك له شيئًا.

فدعا الله قائلا: “اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه”

وتقبل الله دعواتهم، فإذا الشدة تنفرج والضيق يتسع، وإذا النور يشع من جديد فيخرجون من الغار يمشون.

تاب في الطائرة ثم انتكس

يقول الدكتور خالد حنفي[2]: حدثني من أثق به أن صديقا له كان مسافرا وقبل هبوط الطائرة في بلده العربي أخبرهم قائدها أن خللا وقع في إطارات الطائرة وأن الهبوط قد يؤدى إلى أن يفقد الجميع حياته!!!

 وهنا فزع إلى جوار راوي القصة رجل انخرط في نوبة بكاء شديدة، وتحدث إلى هذا الأخ أنه نهب ميراث أولاد أخيه وخان الأمانة، وأنه الآن نادم على ما فعل تائب إلى الله منه ….. وطلب منه إن كتب الله له الحياة أن يرد هذه الأموال إلى أولاد أخيه وأن يطلب منهم العفو والمسامحة ….. وأثنى الأخ على صنيعه ودعا له وهو يؤمّن، وهما يبكيان، بل كان هذا حال كل من في الطائرة بعد أن أحاط الموت بهم.

وبعد دقائق هبطت الطائرة بسلام ونجى الله جميع من فيها.

وقبل خروجهم منها قال الرجل التائب لمن عاهده: انس الموضوع …كأنك لم تسمع منى شيئا وإياك أن تخبر به أحدا!! المال مالي ولا حق لأحد فيه!

الخلاصة:

  1. بيان ضعف الإنسان وافتقاره إلى الله؛ إذ يلجأ إليه عند نزول المرض والفقر وسائر الشدائد.
  2. التحذير من نسيان نعمة الله بعد زوال البلاء، والعودة إلى الغفلة والمعصية كأن الشدة لم تقع.
  3. وجوب شكر الله عند تجدد النعم وزوال النقم، وعدم مقابلة الإحسان بالجحود والكفران.
  4. أن دعاء الله عبادة عظيمة، وسبب لجلب النعم، ودفع البلاء، وتفريج الهموم والكربات.
  5. أن المؤمن يلجأ إلى الله في جميع أحواله: في السراء والضراء، والصحة والمرض، والرخاء والشدة.
  6. أن ملازمة الطاعة والدعاء في الرخاء من أعظم أسباب إجابة الدعاء والنجاة عند الشدائد.
  7. أن معنى «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»: احفظ حدود الله وحقوقه في حال السعة، يتولاك الله برحمته وتوفيقه عند الكرب.
  8. أن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء يزيِّنان للإنسان الغفلة والإعراض عن الشكر بعد انكشاف الضر.
  9. وجوب صدق التوبة بالندم والإقلاع ورد الحقوق إلى أهلها، وعدم نقض العهود مع الله بعد زوال الخوف.

[1] تدهدهت: انحدرت

[2] الأستاذ الدكتور خالد محمد عبد الواحد حنفي، عالم أزهري مصري مقيم في ألمانيا، متخصص في الفقه وأصول الفقه وفقه الأقليات المسلمة، ويشغل حاليًا منصب عميد الكلية الأوروبية للعلوم الإنسانية بألمانيا، وهو نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ورئيس مجلس الأئمة والعلماء بألمانيا، وقد ذكر القصة  على صفحته الشخصية على الفيسبوك.

Visited 228 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 854
  • Today's page views: : 949
  • Total visitors : 148,368
  • Total page views: 164,446