لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ

تاريخ الإضافة 28 يناير, 2021 الزيارات : 172
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
قال الله تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ” [ البلد 4]
أقْسَمَ اللهُ تعالى بالبلد الحرام مكة فقال: ” لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ” ثم قال في جواب القسم : ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)”
ما معنى كبد في اللغة ؟
الكبد هو العضو المعروف في جسم الإنسان، ويضرب به المثل كأطيب ما يطعمه الإنسان، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم قبل يوم بدر : ” هذه مكة قد ألقت إليكم فلِذات أكبادها ” والفلِذة هي قطعة اللحم إذا قطعت بالطول والمقصود أنهم جاؤوا بأشرافهم بين يدي القتال.
ويقال : في كبد السماء:أي وسطها تشبيها بكبد الإنسان لكونها في وسط البدن.

وفلانٌ تُضْرب إِليه أَكبادُ الإبل: يُرْحَل إِليه في طلب العلم وغيره

أَصَابَ كَبِدَ الْحَقِيقَةِ: أَيْ أَصَابَ صُلْبَهَا.

ونقول فلان يكابد في عمله أي عمله شاق ، وتكبد خسارة فادحة ، أي أصابته فأوجعته وشقت عليه أمره.

وأَوْلاَدُنَا أَكْباَدُنَا : أي جُزْءٌ مِنَّا وَأَعَزُّ مَا نَمْلِكُ ، قال الشاعر : –

وَإِنَّمَا أَوْلاَدُنَا بَيْنَنَا …  أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ.

والكبد: المشقة. قال تعالى: لقد خلقنا الإنسان في كبد [البلد/4] 

فلا بُدَّ أنْ يُقاسيَ أنواعَ الشدائِدِ مِنْ وقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ إلى حِينِ نَزْعِها. 
والمَعْنَى: لقد خَلَقْنا الإنسانَ لِهذِه الشدائِدِ والآلامِ، التي هِيَ مِن طَبِيعَةِ هذِه الحياةِ الدنيا، والتي لا يَزالُ يُكابِدُها وَيَنُوءُ بِها، ويَتَفاعَلُ مَعَها, حتى تَنْتَهِيَ حياتُه. وَلَا فَرْقَ في ذلكَ بَيْنَ غَنِىٍّ أو فقير، وَحاكِمٍ أو مَحْكُوم, وصالِحٍ وغيرِ صالح. فَالكُلُّ يُجَاهِدُ ويُكَابِدُ ويَتْعَبُ، مِنْ أَجْلِ بُلُوغِ الغايةِ التي يَبْتَغِيها.
طُبعتْ على كدرٍ وأنت تريدهــــــــــــــــــا *** صفواً من الأقذاء والأكـــــــــــــــــــــدار
ومُكلّفُ الأيّام ضــد طباعـــهــــــــــــــــــــــا *** مُتطلبٌ في الماء جذوة نـــــــــــــــــــار
مظاهر الكبد في حياة الإنسان :
1- أولُ أَمْرِ هذا الإنسان, أَنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ أباه آدمَ مِنْ طِين، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مُتَسَلْسِلاً, كما قال تعالى: ( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَليه ) أي: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ مُسْتَقْذَرٍ ( نَبْتَلِيهِ ) بِذَلكَ لِنَعْلَمَ هَلْ يَرَى حالَه الأُولى ويَتَفَطَّنُ لها, أَمْ يَنْساها وتَغُرَّهُ نَفْسُه؟.
2- ثُم بعد ذلك يُكَابِدُ قَطْعَ سُرَّتِه، ثم يُكابِدُ الإرتضاعَ الذي لَوْ حُرِمَه لَهَلَك أو كاد.
3- ثُمَّ يُكابِدُ نَبْتَ أسنانِه وما يُصاحِبُها مِنَ الألمِ والحُمَّى.
4- يُكابِدُ تَحَرُّكَ لِسانِه وتَعَلُّمَ الكلامِ.
5- ثم يُكابِدُ الفِطامَ، فإنَّ الفطامَ عن اللبنِ شَديدٌ على الطفل. 
6- ثم يُكَابِدُ التَعَلُّم, فَيُكابِدُ الدراسةَ ومِشْوارَها الطويل.
7- ثُمَّ يُكابِدُ طَلَبَ الرِّزقِ, لأن العبدَ مأمورٌ بالاكتِساب، وَمَنْهِيٌّ عنِ العَجْزِ والتَكَاسُلِ وتَعْطِيلِ الأسباب.
8- ثم يُكابِدُ الزواجَ وإعفافَ الفَرْجِ, والتَعْجِيلَ فيهِ, مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِ الوَلَدِ والذُرِّيَّةِ.
9- ثم يُكابِدُ النفقةَ عليهِم وعلاجَهَم وتربيتَهُم, والصبرَ على أذاهُم وتعامُلِهِم.
10- وكذلك يُكابدُ الصبرَ على الضَرَّاءِ, والشُكرَ على السَرَّاءِ, ويكابدُ أذَى الناسِ والصبرَ عليه.
11- ويُكابِدُ الصبرَ على الطاعةِ, والصبرَ عن المعصية, لأنه مخلوقٌ لعِبادةِ الله, وقد قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ( حُفَّت الجنةُ بالمَكارِه, وحُفَّت النارُ بالشَّهَوات )
12- ثم يُكابِدُ الكِبَرَ والهَرَمَ، وضَعْفَ الرُّكْبَةِ والقَدَمِ، في مَصائِبَ يَكْثُرُ تَعْدادُها، ونَوَائِبَ يَطُولُ إِيرادُها، مِنْ صُداعِ الرأسِ، وَوَجَعِ الأضراسِ، وَرَمَدِ العَيْنِ، وَغَمِّ الدَّيْنِ، وأَلَمِ الأُذُنِ.
13- ويُكابِدُ مِحَنًا في المالِ والنَفْسِ، ولا يَمْضِي عليهِ يَوْمٌ في الغالِبِ إِلاَّ ويُقَاسِي فيهِ شِدَّةً، ويُكابِدُ فيه مَشَقَّةً، فَلَوْ كانَ الأَمْرُ إليه, ما اختارَ هذه الشدائِد، ولكن الأمرَ كُلَّهُ لِلّهِ العليمِ الحكيم.
14- ثُمَّ بعد ذلك كُلِّهِ يُكابِدُ المَوْتَ وسَكْرَتَه، ثُمَ القَبْرَ وظُلْمَتَه ، ثم البَعْثَ والعَرْضَ على الله، ثم المُرُورَ على الصراطِ المَمْدُودِ على مَتْنِ جَهَنَّم, إلى أَنْ يَسْتَقِرَّ بِه القَرارُ، إمَّا في الجنةِ, وإما في النار.
 
يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال: “ثم تفترق الطرق  وتتنوع المشاق هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره. وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخِرقةِ الكساء. وهذا يكدح ليجعلَ الألفَ ألفينِ وعشرة آلاف.. وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله. وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحملُ حَملهُ ويَصعدُ الطريقَ كادحًا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبدُ الأكبرُ للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء.
إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا. تختلف أشكاله وأسبابه. ولكنه هو الكبد في النهاية. فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأَمَرِّ في الأُخرى-والعياذ بالله-. وأفلحُ الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلاتٍ تُنهي عنه كبدَ الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله.”أهـ
هل الموت راحة للجميع ؟
يعتقد بعض الناس أن بالموت ينتهي الكبدُ والمشقةُ من حياة الإنسان، لكن الحقيقة هي أن مرحلةَ الكبدِ الدنيوي هي التي انتهت فقط، أما الكبدُ الأخروي قد بدأ بموت الإنسان، فإنه يُكابدُ سكراتِ الموت، ثم ما يلاقيه من (مُساءلةِ الملك، وضَغطة القبر، ثم البعثُ والعرضُ على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار.

عن أبي قتادة بن رِبْعيٍّ الأنصاري رضي الله عنه: أنه كان يحدِّث: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مُستريحٌ ومُسْتَراحٌ منه)، قالوا : يا رسول الله، ما المُستريحُ والمُستَراح منه؟ فقال:(العبد المؤمن يستريح من نصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يَستريح منه العبادُ والبلاد والشجَرُ والدوابُّ) أخرجه البخاري ومسلم 

فالموتى قسمان:

الأول: يستريح،وهو المؤمن، يَستريحُ مِن نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما وَجَدَ مِن كرب الموت ما وَجَد، قالت فاطمة: واكرب أبتاهْ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – : (لا كرب على أبيك بعد اليوم)[ أخرجه ابن ماجه]؛ وذلك أن الكرب الحقيقي عند المؤمن، ينتهي بنهاية الدنيا وانقطاعه منها؛ وذلك لأنها تحجزه عن ما بعدها من السرور والسعادة الأبدية، والتي لا ينغصها شيء.

قال المناوي رحمه الله: من تحققت له المغفرة استراح، وذلك لا يكون إلا بعد فصل القضاء والأمر بدخول الجنة، فليس الموت مُريحا، لأن ما بعده غيب عنا. اهـ.فيض القدير.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد العبدُ طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.

والثاني : يُستَراح منه وهو الفاجر، يستريح منه العبادُ والبلاد والشجر والدوابُّ؛ يستريح غيره منه؛ مِن أذاه وظُلمه، وسوء خُلقه وجَوْرِه، يستريح غيره من فساده الكبير، وشرِّه المستطير، بل لربما استراحت منه الأرضُ بدوابِّها وشجرها؛ لسوء فِعاله معها، والتي لم تكن تطيقها منه، كتسلُّطِه عليها، وتحميلها ما لا تحتمله، أو إلحاق الأذى بها بأي صورة من صور الأذى.

الاستعانة بالله وطلب العون منه سبحانه :

والمسلم مع هذا الكبد والمشقة يطلب العون من الله تعالى في أمور الدنيا والآخرة، وعليه التبرؤ من الحول والقوةفلا حول ولاقوة له إلا بالله، كما قال الله تعالى: “فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ” [هود:123]. وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عباس: وإذا استعنت فاستعن بالله. رواه الترمذي.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “وأما الاستعانة بالله -عز وجل- دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -عز وجل-، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: “لا حول ولا قوة إلا بالله”؛ فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -عز وجل-، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه”.

فالله جل جلاله علمنا أن نعبده وحده ونستعين به وحده ،وبذلك فإن المؤمن يتعلم أن يستعين بالحي الذي لا يموت. . وبالقوي الذي لا يضعف…. وبالقاهر الذي لا يخرج عن أمره أحد.. . واذا استعنت بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانبك، وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك الي قوة وَذُلك الي عز.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

اللهم أقل عثرات المسلمين وردهم إليك رداً جميلاً.

اللهم اجمع كلمتهم على الحق والهدى وألّف بين قلوبهم ….آمين آمين يارب العالمين

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


أحدث خطبة الجمعة

تفسير جزء قد سمع

شرح الأربعين النووية

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس ومحاضرات

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 1
  • 2٬755
  • 1٬886
  • 5٬605
  • 3٬505
  • 4٬055٬122
  • 806٬520
  • 201
  • 2