صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الفوائد لابن القيم(26) من كلمات العارفين

تاريخ الإضافة 26 أكتوبر, 2026 الزيارات : 16

من كلمات العارفين

1- الذُّنوبُ جراحاتٌ، ورُبَّ جرحٍ وقع في مَقْتَلٍ.

الذنب ليس مجرد مخالفة تنتهي في لحظتها، بل هو جرح يصيب القلب والإيمان والمقتل هو الموضع الذي إذا أصابه الجرح أهلك صاحبه، فقد يقع ذنب في موضع شديد الخطر، كذنب يفسد القلب، أو يوقع صاحبه في الشرك أو الإلحاد، أو البغي والظلم؛ فالمقصود المسارعة إلى العلاج ومداواة القلب بالتوبة والاستغفار.

2. لو خرج عقلُك من سلطان هواك عادتِ الدولةُ له.

العقل عند علماء السلوك يقصد به القدرة على رؤية العاقبة، وتقديم الحق النافع على اللذة العاجلة، أما الهوى فهو ميل النفس إلى ما تشتهيه، وقد يستعمل في المذموم إذا صار قائدًا للإنسان بدل أن يكون تابعًا للشرع والعقل.

فالإنسان قد يعرف أن الأمر يضره، ثم يفعله لأن هواه استولى على عقله، كمن يعلم حرمة علاقة أو إدمان أو غش أو إسراف، لكنه يبرر لنفسه حتى يضعف صوت العقل.

ومعنى عادت الدولة له: أن العقل لم يمت، وإنما أُسر، ويستعيد سلطانه بالتوبة، وعدم الاستجابة للشهوات المحرمة، وقطع أسبابها، ومشاورة أهل الخير، واستحضار العواقب.

3- دخلتَ دارَ الهوى، فقامرتَ بعُمرك.

القمار أن تدخل بمالك في مخاطرة قد تذهب به كله، وابن القيم يجعل العمر رأس المال، لأن ما فات منه لا يعود؛ فكل لذة محرمة أو شهوة مسترسلة قد تأخذ من الإنسان دقائق، ثم ساعات، ثم سنوات، ثم خلقًا وعادةً وهويةً كاملة؛ هو يظن أنه أخذ متعة، لكنه في الحقيقة راهن بعمره وقلبه ومستقبله؛ فهذا تحذير من أن يتحول الهوى إلى بيت يسكنه القلب، فيصير المسلم عبدا خادمًا للشهوة فيقع في مستنقع المحرمات ولا يستطيع الإفلات أو النجاة.

 

4- إذا عرضتْ نظرةٌ لا تحلُّ، فاعلم أنها مِسعَرُ حربٍ؛ فاستترْ منها بحجاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فقد سَلِمتَ من الأثر، وكفى اللهُ المؤمنين القتال.

المسعر هو ما توقد به النار أو تهيج به الحرب؛ فالنظرة المحرمة ليست أمرًا بسيطًا، لأنها قد تبدأ صغيرة ثم تفتح باب الخيال والتعلق، ثم تجر إلى ما بعدها.

وقوله استتر منها بحجاب (قل للمؤمنين) يعني أن الحجاب هنا هو امتثال أمر الله بغض البصر، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]

ويقتبس من الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25] يقصد به أنك إن منعت الشرارة لم تضطر إلى خوض حرب طويلة مع أثر النظرة المحرمة في القلب.

5- بحرُ الهوى إذا مدَّ أغرق، وأخوفُ المنافذ على السابح فتحُ البصر في الماء.

الصورة هنا متصلة بما قبلها: الهوى بحر، والإنسان سابح فيه، والعين أخطر منفذ يدخل منه الماء إلى الجسد، فإذا فتح السابح فمه أو عينيه في الماء هلك.

والمعنى أن القلب لا يسقط غالبًا دفعة واحدة، بل تدخل إليه الصور والمشاهدات ثم تتحول إلى تذكر، ثم إلى شهوة، ثم إلى تعلق، ثم إلى عادة، لذلك كان ضبط العين من أوائل وسائل حفظ القلب.

6- ما أحدٌ أكرمُ من مُفردٍ  في قبره أعمالُه تؤنسُه

مُنعَّمًا في القبر في روضةٍ           ليس كعبدٍ قبرُه محبسُه

على قدرِ فضلِ المرءِ تأتي خُطوبُه           ويُعرَفُ عند الصبر فيما يُصيبُه

ومن قلَّ فيما يتَّقيه اصطبارُه        فقد قلَّ ممّا يرتجيه نصيبُه

المفرد هو الذي صار وحده في قبره؛ فالإنسان يودعه أهله وماله ومكانته، ولا يبقى معه إلا عمله، وهذا المعنى موافق للحديث الصحيح (يتبع الميت أهله وماله وعمله، ثم يرجع الأهل والمال ويبقى العمل.) متفق عليه.

فالشاعر يمدح من دخل قبره وقد جعل أعماله الصالحة أنيسًا له.

والخُطوب هي الشدائد، وكلما علت غاية الإنسان احتاج إلى صبر أعظم.

7- كم قُطِع زرعٌ قبل التمام؛ فما ظنُّ الزرع المستحصَد؟ اشترِ نفسَك، فالسوق قائمة، والثمن موجود؛ لا بدَّ من سِنة الغفلة ورُقاد الهوى، ولكن كن خفيف النوم؛ فحُرّاس البلد يصيحون: دنا الصباح.

الزرع الذي قُطع قبل تمامه يقصد به ابن القيم من مات قبل أن يدرك ما كان يؤمله من صحة أو شباب أو مشروع أو توبة، فإذا كان هذا يقع للزرع قبل الحصاد، فما الظن بالزرع الذي صار مستحقًا للحصاد؟ فهذه دعوة إلى عدم تأجيل التوبة والعمل.

والسوق هي أيام العمر، والثمن هو العمل الصالح والتوبة والمجاهدة، وليس المقصود أن الجنة تشترى بعمل العبد استقلالًا عن رحمة الله، بل أن الله فتح لعباده بابًا يتقربون به إليه، فلا يبيعوا أنفسهم بثمن شهوة عابرة.

والسِّنة هي النعاس الخفيف، والرقاد هو النوم الطويل ؛ فالمؤمن قد يضعف ويغفل، لكنه يكون خفيف النوم يستيقظ سريعًا إذا نُبّه، وحراس البلد هم العلماء ودنا الصباح معناه أن باب الرجوع ما زال مفتوحًا، فلا تنم عن النداء.

8- نور العقل يضيء في ليل الهوى، فتلوح جادَّة الصواب، فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور.

الهوى ليل لأنه يحجب الرؤية، والعقل نور لأنه يرى النهاية لا البداية فقط؛ فالهوى يقول: افعل الآن، والعقل يقول: ماذا سيبقى بعد ساعة وبعد سنة وعند الموت وبين يدي الله؟ فالبصير من يدرك عواقب الأمور؛ يرى الشهوة ومعها الحسرة المحتملة، ويرى الطاعة ومعها ثمرتها، ويرى المال ومعه حسابه، ويرى الغضب ومعه ندمه.

9- اخرج بالعزم من هذا الفِناء الضيق المحشو بالآفات إلى ذلك الفِناء الرحب الذي فيه ما لا عين رأت؛ فهناك لا يتعذّر مطلوب، ولا يُفقد محبوب.

الفِناء ساحة الدار وما اتسع أمامها؛ فالمعنى: اخرج من الساحة الضيقة للدنيا المليئة بالآفات إلى الساحة الرحبة للآخرة والجنة، لأن الدنيا ضيقة ولو اتسعت، لأن مطلوبات الإنسان فيها ناقصة، وما وصل إليه قد يفقده، وما أحبه قد يزول، وما تمناه قد يتعذر؛ أما الجنة ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) متفق عليه.

قوله «لا يتعذر مطلوب»؛ فكل ما تشتهيه نفسك وتتمناه ستجده، قال تعالى:﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]

«ولا يُفقد محبوب»؛ فجميع أحبتك معك، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، ولو أن رجلا دخل الفردوس الأعلى، ثم تفقّد أهله متسائلًا: أين أبنائي؟ وأين أحفادي؟ وأين زوجتي؟ وكانوا في منزلة أدنى من منزلته، فمن جود الكريم سبحانه ألا يُهبطه إليهم، بل يضمهم إليه ويرفع منازلهم إلى منزلته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21] وقوله «وما ألتناهم» أي: ما أنقصناهم؛ فلا ينقص الله درجتك لتلحق بأولادك، وإنما يرفعهم ليكونوا في صحبتك، فلا يتعذر في الآخرة مطلوب، ولا يُفقد محبوب، فاللهم اجعلنا من أهل الجنة.

10- يا بائعًا نفسَه بهوى من حُبُّه ضنًى، ووصلُه أذًى، وحُسنُه إلى فناء! لقد بعتَ أنفس الأشياء بثمن بخس، كأنك لم تعرف قدر السلعة ولا خِسَّة الثمن. حتى إذا قدمتَ يوم التغابن، تبيّن لك الغبن في عقد التبايع، لا إله إلا الله سلعةٌ، الله مشتريها، وثمنها الجنة، والدلّال الرسول؛ أترضى ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كلُّه جناح بعوضة؟

من حبه ضنى: التعلّق بالهوى الدنيوي يجلب الهم والتعب والمرض والهزال للقلب والبدن، فلا يمنح صاحبه راحة حقيقية.

ووصلُه أذى: نيل المحبوب أو بلوغ الشهوة قد يصحبه الألم والنكد والتعب.

وحسنه إلى فناء: مهما بلغ جمال الدنيا ونعيمها، فإنهما زائلان لا يدومان.

يقصد: لقد بعت أنفس الأشياء بثمن بخس: أي ضحيت بأعظم ما تملك، من نفسك ودينك وآخرتك، في مقابل متاع زائل قليل القيمة.

حتى إذا قدمت يوم التغابن، تبين لك الغبن في عقد التبايع: أي إذا جاء يوم القيامة، ظهر لك عظم الخسارة في صفقة بعت فيها آخرتك بدنيا فانية.

وتصور التجارة الرابحة بقولهم: الله مشتريها، وثمنها الجنة، والدلال الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى مستلهم من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111] فالبيع هنا تصوير للعهد الذي يبذل فيه المؤمن نفسه وماله في طاعة الله، ويعده الله بالجنة فضلا منه ووعدا.

والسلعة في هذا المعنى هي النفس والمال المبذولان في سبيل الله، وثمنهما الجنة. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الداعي إلى هذه التجارة والمبين لها، لا يملك الثمن ولا يتصرف في الجنة من عند نفسه.

ولا يعني ذلك أن مجرد التلفظ بقول لا إله إلا الله، مع الإصرار على نقض معناها، ثمن للجنة، إنما المقصود كلمة التوحيد التي يصدق بها القلب، ويظهر أثرها في الانقياد لله والتوبة وحفظ حدوده.

ويوم التغابن هو اليوم الذي يظهر فيه الغبن والخسران، فيدرك من باع آخرته بدنيا زائلة فداحة ما فرط فيه فالدنيا، مهما عظمت في أعين أهلها، لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

11- إذا كان شيءٌ لا يساوي جميعُه      جناحَ بعوضٍ عند من صرتَ عبدَه

ويملك جزءٌ منه كلَّك، ما الذي     يكون على ذا الحال قدرك عنده؟

وبعتَ به نفسًا قد استامها بما          لديه من الحُسنى، وقد زال وُدُّه

هذا شرح شعري للمعنى السابق؛ فقد يصير جزء صغير من الدنيا مالكًا لكل الإنسان، فإذا صار الشيء يملك قرارك، ويجعلك تترك الطاعة أو تقع في الشهوات المحرمة، فقد صار معبودًا من جهة التعلق والطاعة، وإن لم تسجد له، لذلك يسأل الشاعر: ما قيمة إنسان باع نفسه العظيمة بشيء حقير زائل؟

والمقصود من الكلام : لو أن رجلا باع الآخرة الباقية بالدنيا الفانية أو باع جنة عرضها السماوات والأرض بلذة ساعة أو بشهوة ساعة ؛ فهذا ولا حول ولا قوة إلا بالله أخسر الخاسرين وهذا ما قاله الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15]

وفي الحديث عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها) رواه البخاري.

12- يا مُخنَّثَ العزم، أين أنت والطريق؟ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريّا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ تُزهى أنت باللهو واللعب؟!

العبارة عتابٌ لمن فترت همته وتعلّق باللهو، تذكّره بأن طريق الإيمان والصبر شاق، وأن الأنبياء لقوا فيه ابتلاءات عظيمة؛ فكيف يطلب الإنسان بلوغ غايته وهو مستسلم للكسل واللعب؟

يا مُخنَّث العزم: أي يا ضعيف الإرادة، المتردد الذي لا يمضي في قصده بثبات. هذا استعمال مجازي قديم في العبارة.

والطريق هو طريق الإيمان والطاعة وطلب مرضاة الله؛ أفتنشغل بالمرح واللعب، بينما طريق الصبر قد سلكه الأنبياء وتحملوا فيه الشدائد؟ فهي صيحة تهز المتراخي، لأن طريق الحق ليس طريق الراحة والكسل والتردد، فطريق الاستقامة لا يكون بلا صبر ومخالفة للنفس وثبات عند البلاء.

13- فيا دارَها بالحَزْنِ إنَّ مزارَها قريبٌ، ولكن دون ذلك أهوالُ

هذا بيت لأبي العلاء المعري والحَزْن اسم موضع من الأرض الغليظة المرتفعة، وقد أخذه السياق الوعظي من غزل الشاعر إلى معنى الآخرة دار الكرامة قريبة، لأن الموت قريب، لكن دون الوصول إليها أهوال من مجاهدة النفس، والموت، والقبر، والحساب، والصراط.

14- الحرب قائمة، وأنت أعزل في النظّارة؛ فإن حرَّكت ركابك فللهزيمة.

النظارة هنا جمع ناظر، أي المتفرجون، ومعنى العبارة: المعركة بين الحق والهوى والشيطان قائمة، وأنت واقف متفرجًا بلا سلاح، والسلاح هنا هو العلم، والصلاة، والذكر، وغض البصر، وصحبة الصالحين، والبعد عن أسباب الفتنة، والدعاء، والمحافظة على الفرائض؛ فمن دخل مواقع الفتنة وهو بلا عدة، ثم تفاجأ بهزيمته، فقد صدق عليه هذا المعنى.

15- من لم يباشر حرَّ الهجير في طِلاب المجد، لم يَقِلْ في ظلال الشرف.

الهجير شدة حر نصف النهار، والقيلولة الراحة فيه؛ فالمعنى أن من لم يصبر على حر التعب في طلب المجد، لا يستحق راحة الشرف ونتيجته.

والمجد هنا أوسع من الشهرة: مجد العلم، ومجد الأخلاق، ومجد حفظ الدين، ومجد تربية الأبناء، ومجد القيام بالواجبات؛ كل ذلك له حر هجير: وقت، وصبر، وترك راحة، ومداومة.

16- تقول سُليمى: لو أقمتَ بأرضنا ولم تدرِ أنّي للمقام أطوِّفُ

البيت لعروة بن الورد، والمعنى الأصلي أن زوجته تتمنى بقاءه معها، وهو يجيب أنه يطوف في البلاد ليطلب الرزق الذي يجعل الإقامة الكريمة ممكنة.

والمقصود: أن الإقامة الحقيقية أحيانًا تحتاج إلى سفر وتعب، فمن أراد مقامًا كريمًا في الآخرة، فلا بد أن يسافر بقلبه عن مألوفات الهوى، ويعمل اليوم لما يريده غدًا.

17- قيل لبعض العُبّاد: إلى كم تتعب نفسك؟ فقال: راحتها أريد.

المعنى: سُئل هذا العابد: لماذا تُجهد نفسك بكثرة العبادة؟ فأجاب: أُتعبها الآن طلبًا لراحتها الحقيقية لاحقًا؛ أي أرجو أن يكون اجتهادي في الطاعة سببًا لراحة النفس ونعيمها عند الله.

18- يا مُكرَّمًا بحُلَّة الإيمان بعد حُلَّة العافية، وهو يُخلِقهما في مخالفة الخالق! لا تنكر السلب؛ يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره أن يُسلَبَها.

يُخلقهما هنا من البلى، أي يبليهما، فالإيمان والعافية حلّتان يلبسهما الإنسان، وقد يبليهما بالمعصية واستعمال النعمة فيما يغضب المنعم.

وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال:

(إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ الخَلِقُ، فاسألوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبكم) رواه الحاكم وصححه الألباني.

ومعنى يَخْلَق: يَبلى ويضعف، كما يبلى الثوب.

19- عرائس الموجودات قد تزيّنت للناظرين؛ ليبلوهم أيُّهم يؤثرهن على عرائس الآخرة، فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي إيثاره.

عرائس الموجودات هي صور الدنيا الجميلة: المال، الجاه، البيوت، المظاهر، الشهوات، الشهرة، العلاقات، النجاح، والترف، سماها عرائس لأنها تتزين لتجذب الناظر.

والمقصود ليس أن الأشياء كلها شر، فالمال والصحة والجمال والزواج والعمل نعم إذا استعملت في الحلال. إنما الابتلاء في الإيثار: أيها يقدم الإنسان عندما تتعارض الدنيا مع طاعة الله أو مصلحة الآخرة؟ وعرائس الآخرة هي ما أعد الله لعباده من رضا وجنة وبقاء وأمن؛ فمن عرف مقدار التفاوت لم يرفض الدنيا، بل وضعها في يدِه لا في قلبه.

20- وحِسانُ الكون لمّا أن بدتْ         أقبلت نحوي وقالت لي: إليَّ

فتعاميتُ كأن لم أرها           عندما أبصرتُ مقصودي لديَّ

هذا تصوير شعري للدنيا في هيئة جميلة تدعو الإنسان إليها. فقوله فتعاميت كأن لم أرها لا يعني العمى الحقيقي، بل تعمد الإعراض، أي: رأيتها وعرفت جاذبيتها، لكنني لم أعطها قلبي لأنني أبصرت مقصدي الأعلى.

وهذه ليست دعوة إلى احتقار الزواج الحلال أو الجمال أو الحياة، بل إلى ألا تخون العينُ القلبَ، ولا يخون القلبُ المقصدَ. فمن أراد الله لا يجعل كل ما يراه أمرًا يجب أن يملكه.

21- كواكبُ هِمم العارفين في بروج عزائمهم سيّارة، ليس فيها زُحل.

العارفون هم العارفون بالله وبحقه وبالطريق إليه، لا أصحاب دعاوى غامضة. والهمم كواكب، والعزائم أبراج تسير فيها.

وزحل في الثقافة القديمة رمز للبعد والثقل والتأخر، ومن مادة زحل معنى التأخر والتنحي.

22- يا من انحرف عن جادّتهم، كن في أواخر الركب، ونم إذا نمت على الطريق؛ فالأمير يراعي الساقة.

الجادة هي الطريق الواضح، والساقة مؤخرة الجيش أو القافلة.

فالمعنى: إن تأخرت عن الصالحين فلا تترك طريقهم، وإن ضعفت فلا تنفصل عن ركبهم.

ونم إذا نمت على الطريق أي إن غلبك الضعف فلا تنم خارج الطريق، ولا تترك الصلاة وأهل الخير ومجالس الذكر وبيئة الطاعة، فمن لزم طريق الله بصدق، ولو تأخر، لم يضيعه الله.

23- قيل للحسن: سبقنا القوم على خيلٍ دُهم، ونحن على حُمرٍ مُعَقَّرة، فقال: إن كنتَ على طريقهم، فما أسرع اللِّحاق بهم!

الخيل الدهم خيل قوية شديدة السواد أو القتامة، والحمر المعقرة دواب أصابها العقر والجرح فأضعفها. الصورة: الصالحون السابقون كأنهم على خيل سريعة، ونحن كأننا على دواب مجروحة بطيئة.

وجواب الحسن البصري المنقول: إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم. أي إن العبرة ليست بسرعة البداية وحدها، بل بصحة الوجهة واستمرار السير؛ فلا يقارن الإنسان نفسه بعالم قضى أربعين سنة في الطاعة ثم ييأس.

المطلوب أن يصلي الفرض، ويتوب من الذنب، ويثبت على ورد قليل، ويترك طريق المعصية، ويصحح نيته. فمن بقي على الجادة، وصدق في السير، فله نصيب من اللحاق.

Visited 3 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 211
  • Today's page views: : 227
  • Total visitors : 197,222
  • Total page views: 219,457