الصفة الأولى: يمشون على الأرض هونا

افتُتحت صفات عباد الرحمن في هذا السياق بوصف مشيهم على الأرض، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]
هونا: الهون في اللغة: الرفق واللين، والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع، ولا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء.
لكن لماذا جعلها الله أول صفة لعباده؟
لأن المشية غالبا ما تعبر عن صاحبها، وعن شخصيته وما يستكن فيها من مشاعر وأخلاق، فالرجل له مشية والمرأة لها مشية أخرى، والمتكبرون لهم مشية، والمؤمنون المتواضعون لهم مشية، والصحيح السليم له مشية، والمريض العليل له مشية …. وهكذا كل يمشي معبرا عما في ذاته .
فعباد الرحمن يمشون على الأرض هونا، متواضعين هينين لينين، بسكينة ووقار لا بتجبر واستكبار، لا يستعلون على أحد ولا ينتفخون كأحد الذين يمشون فيقول: (يا أرض انهدي ما عليك قدي)
وقد نهانا الله عن هذه المشية فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]
نعم فمهما دببت في الأرض فلن تخرقها، ومهما تطاولت بعنقك، فلن تبلغ الجبال طولا!!
وفي وصايا لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 18-19]
(ولا تصعر خدك للناس) لا تكلمهم وأنت عنهم معرض ولا تجعلهم يكلمونك وأنت معرض عنهم، بل أقبل عليهم ووجهك منبسط إليهم.
(ولا تمش في الأرض مرحا) أي كبرا وتعاليا فنهينا كمسلمين أن يمشي أحدنا مشية المتكبر.
(إن الله لا يحب كل مختال فخور) المختال الذي يظهر أثر الكبر في أفعاله والفخور الذي يظهر أثر الكبر في أقواله؛ فالله لا يحب الصنفين معا المختال والفخور، إنما يحب المتواضع الذي يعرف قدر نفسه، ولا يحتقر أحدا من الناس.
(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) القصد: هو الاعتدال في الأمر من دون إفراط ولا تفريط، أي: كن وسطا في مشيتك لا تسرع إسراعا يقلل مروءتك أو يعرضك لبعض المخاطر، ولا تتماوت فيظن من يراك أنك مريض، فالمؤمن يمشي مشيًا طبيعيًّا يناسب صحته وقدرته وحاجته، من غير تبختر ولا تصنّع، وقد يسرع لحاجة، وقد يبطئ لتعب أو مرض أو لمرافقة كبير في السن.
مشية الرسول ﷺ:
ليس المقصود أنهم يمشون متماوتين كالمرضى كما يفعل بعض الناس ذلك وفي ظنه أن هذا من التنسك والزهد …كلا فما كان النبي ولا أصحابه يفعلون ذلك، وكانت مشية رسول الله ﷺ أعدل المشيات، كأنما تُطوى له الأرض طيًّا.
عن علي بن أبي طالب: في وصف مشية النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ، كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
أي كأنما ينزل من مرتفع إلى منحدر أي: يمشى على أطراف أصابعه كما يفعل الرياضيون الآن فهذه مشية أولى العزم والهمة والشجاعة.
ويقول أبو هريرة (ما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث) أخرجه الترمذي
فلم يكن متماوتا ولا بطيئا إنما مشيه وسط بين السرعة والبطء.
ولما رأى عمر شابا يتماوت في مشيته قال: أأنت مريض؟ قال ما أنا بمريض، قال: إذا فلا تمش هكذا.
ورأت الشفاء بنت عبد الله شبانا يمشون متماوتين؛ فسألت عنهم من هؤلاء؟ فقيل لها: هؤلاء نساك عباد؛ قالت رحم الله عمر لقد كان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع؛ وكان الناسك حقا. [1]
التحذير من الكبر:
وهذه الصفة تدل على تواضعهم فهذه المشية تعبر عما في القلب؛ فالقلب المتواضع يمشي مشية المتواضعين والقلب المتكبر يمشي مشية المتكبرين فهؤلاء يرون أنفسهم عباداً لله يسعون بين خلق الله لا يتجبرون ولا يتكبرون.
والتواضع حينما يتصف به المسلم فإنما هو يلتمس الرفعة من الله عز وجل كما في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ) أخرجه مسلم.
فإذا أنعم الله عليك بنعمة من نعمه، أوهيأ الله لك سبباً من أسباب الرفعة المادية فلا تتعالى على خلق الله ولا ترى أن ما عندك ليس عند بقية الخلق وهذا هو التكبر بعينه ؛ لأن المتكبر يرى نفسه أفضل من الناس وأعلى من الناس ويرى أنه إذا دخل مجلساً فلا بد أن يُفْسَحَ له الناس ولا يجالس الفقراء ولا الضعفاء ولا يكلمهم فتجده قد وضع حائطاً بينه وبين الناس يحاول أن يتميز في كلامه وفي مشيته وفي هيئته فلا يقبل أن يكون واحداً من الناس.
قال رسول الله ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال عليه الصلاة والسلام إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس) رواه مسلم
وغمط الناس هو: الاحتقار.
وبطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا.
وكان المجتمع الجاهلي بمكة مجتمعاً طبقياً سادة وعبيد أغنياء وفقراء فأراد الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يلغي هذه المسألة تماماً من عقلية الناس فكان قدوة للجميع في التواضع ؛ يدخل المسجد فيجلس حيث ينتهي به المجلس، والصحابة يلتفون حوله؛ فيدخل من يدخل يقول: أيكم محمد؟ فلا يستطيع أن يميز النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم : وقد اعتاد الناس على تقديس ذوي السلطان ملوكا كانوا أو سادة قبائل ، فقد كان للسيد مجلسا خاصا، وأمامه بساط أو مكان متسع هذا حرم للسيد لا يتجاوزه أحد؛ فيقف بعد هذا البساط أو هذا المكان حتى يأذن له السيد بالدخول أو الجلوس، وكانت الملوك نفس الأمر يجلس على العرش، ويدخل من يدخل بينه وبينه مسافة طويلة فيظل راكعاً أو ساجداً له حتى يأذن له فيرفع رأسه ويذكر حاجته، وكل هذه الصفات من صفات المتجبرين ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، وكان يأكل معهم ويقول: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يجلس الْعَبْدُ» أخرجه أبو يعلى في المسند، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
وكان إذا أقبل على أصحابه قاموا إليه احتراماً وحُقَّ لهم أن يقوموا له فهو خير خلق الله صلى الله عليه وسلم لكنه كره ذلك وقال: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»[ أخرجه أبو داود]
والأعاجم : كل من سوى العرب، فإذا دخل الملك يقف له الجميع فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقوموا له حتى لا يكون في ذلك كبرٌ، ونهى النبي أن يكون الرجل جالساً وحوله الناس قيام، لأن هذا نوع من الكبر فالإسلام حريص على أن يتربى أتباعه على أن تكون قلوبهم نقية تقية صافية ليس فيها كبر وليس فيها تعالٍ، ولا ترفع على خلق الله.
ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن صفرة – وكان من كبار القادة العسكريين – وهو يتبختر في جبة فقال: يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله فقال له المهلب: أما تعرفني فقال بلى أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرتك جيفة قذرة وأنت بين ذلك تحمل العذرة! فمضى المهلب وترك مشيته تلك.
فاعرف قدرك أيها الإنسان ، فمن تواضع لله رفعه ، ومن تكبر وضعه الله .
اللهم اجعلنا من المتواضعين ولا تجعلنا من المتكبرين آميـــــــن
الخلاصة: أول صفة لعباد الرحمن: أنهم يمشون على الأرض هونًا برفق وسكينة ووقار، فلا يسرعون إسراعًا يدلّ على الخفّة والطيش، ولا يبطئون تبطؤًا يدلّ على الكسل والخمول والتماوت، بل يمشون هونًا بهمّة وعزم ورجولة وفتوّة.
وصايا عملية:
- صحّح نيتك: اجعل تواضعك ابتغاء مرضاة الله، لا طلبًا لمدح الناس.
- امشِ بسكينة ووقار: تجنّب التبختر وتصنّع الضعف، وامشِ بما يناسب صحتك وحاجتك؛ فالسرعة وحدها ليست دليلًا على الكبر.
- عامل الناس باحترام: لا تجعل المال أو المنصب أو المظهر معيارًا لتقديرهم.
- اعتنِ بمظهرك دون غرور: اجمع بين النظافة وحسن الهيئة والتواضع.
- الزم الدعاء: سل الله أن يطهّر قلبك من الكبر، ويرزقك تواضعًا صادقًا وحسن خُلُق.
[1] أورده ابن الجوزي في مناقب عمر بن الخطاب، والشِّفاء بنت عبد الله هي الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية واسمها ليلى بنت عبد الله بينما الشفاء كان لقبًا لها لمهارتها في الطب.
أسلمت الشفاء في مكة قبل الهجرة هي وزوجها، وكانت من القلائل الذين عرفوا القراءة والكتابة في الجاهلية، وكانت الشفاء طبيبة وراقية وكانت تخرج مع النبي في غزواته فتداوي الجرحى، وقد ولاها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حسبة السوق في المدينة المنورة.

