“شرف الانتساب لعباد الرحمن”

عناصر الخطبة:
أولا / لماذا الحديث عن صفات عباد الرحمن؟
ثانيا/ معنى قوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ﴾
ثالثا/ معنى اسم الله الرحمن.
رابعا/ ما الحكمة التي بها استحق عباد الرحمن شرف هذه الإضافة؟
أولا / لماذا الحديث عن صفات عباد الرحمن؟
اخترت الحديث عن “صفات عباد الرحمن” والتي ذكرها الله في خواتيم سورة الفرقان لعدة أسباب:
الأول: أن الآيات عرضت الصفات التي اتصف بها عباد الرحمن عرضًا واضحًا مشوقًا مرغبًا كل مؤمن أن يتصف بها.
الثاني: جمعت هذه الصفات بين العبادة وحسن الخلق؛ فالإسلام ليس محصورا -كما يعتقد بعض المسلمين- في العبادات الشعائرية الظاهرة فقط، كالصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات، بل هو مراعاة لحقوق الله ثم مراعاة حقوق العباد، ومن حقوق العباد التعامل معهم بالأخلاق الحسنة والإحسان إليهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: «الفم والفرج»، رواه الترمذي
الثالث: جمعت صفات عباد الرحمن بين إحسان العبادة مع التخلي عن سيء الأخلاق والتحلي بأحسنها، أي أن عباد الرحمن هم الذين سلكوا أفضل سبيل لتزكية النفس والتقرب إلى الله تعالى.
ثانيا/ معنى قوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ﴾
هذه الإضافة (عباد الرحمن) إضافة تشريف وتكريم وتفضيل.
وعباد جمع عبد، ويحتمل معنيين:
الأول: عبد بمعنى معبَّد: أي مذلل ومسخر، كما نقول طريق معبَّد أي أصبح مذللًا بكثرة طرقه والمشي عليه، والعبد بهذا المعنى يشمل جميع المخلوقات ويدخل في ذلك جميع الناس: المؤمن والكافر، والبر والفاجر لأنهم عبيد لله، لا يملك أحدهم لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] أي ذليلًا منقادًا غير ممتنع؛ الملائكة والإنس والجن وغيرهم كلهم مملوك له عز وجل.
الثاني: عبد بمعنى عابد: والمقصود به المحب المتذلل لله تعالى وهذا المعنى خاص بالمؤمنين حيث قاموا بطاعة الله تعالى وتوحيده وهو المراد في الآية معنا في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]
شرف العبودية لله:
يظهر شرف العبودية لله عندما نقرأ وصف الله تعالى للأنبياء والمرسلين بأنهم عباد الله تعالى كما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ [ص: 41] وقال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:3]
ووصف الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأنه (عبدًا) في أشرف المقامات فقال تعالى في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ [الإسراء: 1]
وقال تعالى في مقام إنزال القرآن الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1] وقال تعالى في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:19]
ثالثا/ معنى اسم الله الرحمن
الرحمن مشتق من الرحمة ، والرحمة في اللغة هي الرقة والتعطف والشفقة، وتراحم القوم أي رحم بعضهم بعضا والرحم القرابة.
وهو مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، وهو لا يثنى ولا يجمع ولا يسمى به أحد غيره.
والرحمن هو من عمت رحمته الكائنات كلها في الدنيا سواء في ذلك المؤمن والكافر.
وقد ذكر ابن القيم أن وصف فعلان يدل على سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به؛ ألا تري أنهم يقولون غضبان للممتلئ غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن مليء بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول، ولهذا يقرن تعالي استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] وكقوله أيضا: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] فاستوي على عرشه باسمه الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم على اختلاف أنواعهم ، كما قال تعالي: ﴿ َرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]
فاستوي على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات ومن ثم وسعت رحمته كل شيء.
واسم الرحمن اختص به الله لا يتسمى به غيره فقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110] فقرن بين اسمي الله والرحمن فكما أن لفظ الجلالة (الله) لا يتسمى به غيره فكذلك اسم (الرحمن (
رابعا/ ما الحكمة التي بها استحق عباد الرحمن شرف هذه الإضافة؟
إضافة «عباد» إلى «الرحمن» في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] إضافةُ تشريف وتكريم؛ لأنهم حققوا عبودية الطاعة والمحبة لله، وخصَّهم باسم «الرحمن» للدلالة على رحمته بهم، ورجائهم رحمته، وما ظهر في أخلاقهم من الرفق بخلقه.
وقد بيّن المفسرون عدة حكم منها:
الحكمة الأولى: أضافهم الله تعالى إلى نفسه في قوله «عباد الرحمن» إشارةً إلى إخلاصهم؛ فهم عبادٌ للرحمن وحده لا شريك له، لا تتنازع قلوبهم عبودياتٌ لغيره.
وما المقصود بهذه العبوديات؟ يتضح معناها في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من عبودية الدينار والدرهم والثياب عندما قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) [رواه البخاري]
فعبد المال هو من تصبح المنفعة المادية غايته، فلا يوجّه سعيه إلا ما يجنيه من أموال، ويغدو جمع الثروة شغله الشاغل، وكذلك قد يستولي على الإنسان حبُّ الشهرة والمظهر والجمال، حتى تصبح حياته سعيًا وراء البريق وإعجاب الآخرين، وهو مما ابتُلي به كثيرٌ من الناس في عصرنا.
والأصل أن يتكلم الإنسان بما ينفع، وأن يقدّم ما يفيد، لكنك ترى بعض الرجال والنساء على وسائل التواصل الاجتماعي قد انحصرت اهتماماتهم في استعراض أنفسهم وأجسادهم وجمالهم، طلبًا للإعجابات والمشاركات. حتى إن بعض المشايخ كان يقول متهكما: «تعس عبد اللايك تعس عبد الشير.[1]
أما عباد الرحمن، فقد أخلصوا عبوديتهم لله عز وجل وحده، فشرّفهم بإضافتهم إليه، وانتسابهم إلى رحمته سبحانه وتعالى.
الحكمة الثانية: إن إضافة العباد إلى اسم الله «الرحمن» تدل على محبته لهم ورضاه عنهم؛ فهؤلاء العباد، الذين اتصفوا بالصفات المذكورة، شرفهم الله بنسبتهم إليه؛ فمن أراد هذا الشرف، وسعى إلى نيل محبة الله، فليجتهد في التحلي بصفاتهم.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه يجعل لعباده المؤمنين محبة في قلوب الخلق، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]
والود يدل على خالص المحبة وصفائها، ومن أسماء الله الحسنى «الودود»؛ فهو سبحانه يحب عباده المؤمنين، ويحبونه، ومن آثار فضله عليهم أن يغرس محبتهم في قلوب الناس.
قد تسمع باسم إنسان صالح، فتشعر نحوه بألفة ومودة، كأنه من أهلك أو من أقرب أصدقائك، مع أنك لم تعرفه معرفة شخصية، ولم تجالسه أو تلتق به. وقد تقرأ في سير العلماء والصالحين، فتجد في قلبك محبة لهم، وشوقا إلى الاقتداء بهم، مع أن بينك وبينهم قرونا طويلة.
فمن كرم الله على عباده أن يؤلف بين قلوبهم، وأن يجعل بينهم مودة تتجاوز المسافات والأزمان؛ فتتقارب أرواحهم، وتجتمع قلوبهم على محبته وطاعته؛ فنحن لم نر الشافعي، ولا مالكا، ولا أحمد، ولا البخاري، ولا الحسن البصري، ومع ذلك نحبهم ونوقرهم، ونشعر بمكانتهم في قلوبنا، لما عرفناه من علمهم وفضلهم وآثارهم الصالحة، وهذا من الود الذي يجعله الله لأهل الإيمان والعمل الصالح.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، وأخبره بمحبته لذلك العبد، وأمره أن يحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء بأن الله يحب فلانا، ويأمرهم بمحبته، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.
فتأمل هذا الفضل العظيم: عبد يحبه الله، ثم يحبه جبريل، ثم يحبه أهل السماء، ويجعل الله له قبولا في الأرض. إنها منزلة جليلة، ونعمة تستحق أن يسعى المؤمن إلى أسبابها بالإيمان والعمل الصالح والإخلاص.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل، وأخبره ببغضه لذلك العبد، وأمره أن يبغضه؛ فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء بذلك، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض.)
الحكمة الثالثة: أن أخلاقهم تناسب الرحمة والرفق: فتواضعهم في المشي مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لوصفهم بأنهم «عباد الرحمن». فتظهر آثار ذلك في السكينة، وترك التكبر، والحلم على الجاهل؛ إذ يجمعون بين عبادة الله وحسن معاملة عباده.
ولما كانت رحمته بالخلق عامة أراد عباد الرحمن أن تكون دعوتهم للخلق عامة، فسألوا الله أن يصبحوا هم أسوة للناس وقدوة في الخير والتقى وما ذلك إلا لرحمتهم بالناس، وهذا الأمر أعني الإمامة في التقوى ليست للترفع على الناس والتعالي عليهم بل حرصًا على هدايتهم وإرشادهم إلى الحق.
[1] اللايك (Like): زر «الإعجاب» الذي يظهر أسفل المنشور أو بجانب الفيديو، وغالبا يكون على شكل إبهام 👍. الشير (Share): زر «المشاركة»، ويتيح إعادة نشر المحتوى أو إرساله إلى الآخرين، وغالبا يكون على شكل سهم ↗️. وتجدهما في تطبيقات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب.

