رمي الجمرات قبل الزوال د/ خالد حنفي

تاريخ الإضافة 3 أغسطس, 2019 الزيارات : 1173

رمي الجمرات قبل الزوال

غدا أول يوم من أيام التشريق، حيث يرمي حجاج بيت الله الحرام الجمرات الثلاثة الصغرى والوسطي والكبري، ليومين لمن تعجل وثلاثة لمن تأخر، ويقترب عدد الحجاج هذا العام من الثلاثة ملايين، كما تقترب درجة الحرارة من 40 .

ورغم الجهود التى تبذلها المملكة فى تنظيم الحجيج ومنع التدافع، إلا أن عدد الحجاج يبقى أكبر من مسارات وأماكن الرمي إذا ما تم التمسك بالأوقات المستقرة فقها للرمي فى أيام التشريق.

حيث يرى جمهور الفقهاء أن وقت الرمي فى أيام التشريق التى تبدأ غدا، يبدأ من منتصف النهار (الزوال) وحتى غروب الشمس، وهى مساحة زمنية لا تستوعب أعداد الحجيج، حتى وإن قبلنا يتوسيع نهاية الوقت ليلا إلى منتصفه، ولئن تمكن الحجاج من الرمي فى هذا الوقت دون تدافع، وتعريض أرواحهم للخطر يبقى الحرج والمشقة قائمتين فى هذا الطقس والعدد، وارتفاع نسبة المرضى وكبار السن بين الحجاج.

لهذا أتقدم بمقترحات ثلاثة لحل الإشكال من الناحية الفقهية:

الأول: التوسيع فى التوكيل والنيابة فى الرمي، خاصة بحق النساء والمرضى وأصحاب الأعذار، وقد قال بجواز التوكيل في الرمي لعذر أغلب الفقهاء.

الثاني: ترك الحجاج باختياراتهم الفقهية التي قدموا بها من بلدانهم وعدم إلزامهم بمذهب فقهي واحد حتى وإن قوى دليله وترجح على غيره، على أن لا يختص ذلك بمسألة الرمي.

فالمبيت بمنى على سبيل المثال سنة عند الحنفية وواجب عند الجمهور يلزم بتركه دم، وترك أصحاب المذهب الحنفي كالاتراك وغيرهم وما اختاروه يعني تخفيف الزحام على منى، وتيسير النسك على المرضى وكبار السن والنساء، وكذلك المبيت بمزدلفة سنة عند الحنفية والمالكية واجب عند غيرهم.

وهذا هو عمق وأساس كثرة النصوص ظنية الدلالة فى آيات الأحكام، فتح باب الاجتهاد الذي ينتج تعدد الاختيارات أمام المكلف لتناسب الشريعة كل زمان ومكان وأحوال وأشخاص. 
وفى موضوع الرمي فى أيام التشريق هناك قطاع من الحجاج مقتنع ومنفذ للرمي قبل الزوال لكن يقع التشكيك فى فعله ويطالب بإعادة الرمي من قبل بعض المفتين، وهو ما يوقع الناس في الحرج وتصادم القاعدة الفقهية: لا إنكار فى مسائل الاجتهاد . وتقرير هذا المبدأ يعني وجود شريحة من الحجاج ترمي قبل الزوال وأخرى بعده، وثالثة توكل من يرمي عنها، مما يوسع الزمان إضافة إلى توسيع المكان ويخفف الزحام ويؤمن الحجيج.

الثالث: توسيع وقت الرمي قبل الزوال في أيام التشريق ليبدأ من فجر الغد إلى فجر بعد غد، خلافا لجمهور الفقهاء. وقد قال بهذا الرأى فقيه المناسك سيدنا عطاء بن أبي رباح وطاوس من فقهاء السلف وعدد من الفقهاء المعاصرين، وإنني أرجح هذا الرأى وأدعو إلى العمل به تماما كرأى الجمهور المخالف له وذلك لما يلي:

1. يتمسك الجمهور بفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ رمى عند الزوال فى أيام التشريق، ولم ينقل أنه جوز الرمي قبله، ولا ثبت ذلك عن الصحابة. 
قلت: ليس مجرد رمي النبي صلى الله عليه وسلم زوالا دليلا على عدم الرمي قبله، فالراجح من أقوال الأصوليين فى الترك النبوى المجرد الذي لم يصحب بنهى قولى، أنه يدل فقط على مجرد الترك. ولا يعنى حرمة الفعل الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرمي قبل الزوال.

2. من تناقضات المشهد الفقهي أن جمهور الفقهاء جوزوا تأخير طواف الإفاضة عن يوم النحر رغم كونه ركن من أركان الحج والرمي واجب ينجبر عند تركه بدم . حيث قالوا بتأخير طواف الإفاضة الركن عن اليوم الذي طاف فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوم النحر على خلاف بينهم فى توسيع الوقت فمنهم من وسعه إلى نهاية أيام التشريق ومنهم من وسعه إلى نهاية ذي الحجة، ومنهم من وسعه إلى نهاية العام. فكيف فهموا من رمي النبي صلى الله عليه وسلم الجمرات وهى واجبة زوالا التأقيت وعدم جواز الرمي قبل الزوال ، بينما فهموا التوسيع فى وقت طواف الإفاضة الركن رغم فعله النبي له فى وقت محدد وهو يوم النحر! ولعل السبب أنهم لم يكونوا بحاجة للنظر فى المسألة بحدود زمانهم وحلهم حيث العدد المحدود للحجيج.

3. قياس توسيع وقت الرمي فى أيام التشريق على الرمي فى يوم النحر حيث يبدأ من منتصف ليلة النحر أو من فجرها، وإنما وسع الشارع وقت الرمي يوم النحر لكثرة الأعمال فيه من رمي وذبح هدى وحلق أو تقصير وطواف وسعي، بينما فى أيام التشريق لا عمل سوى الرمي. والحرج والمشقة وزيادة أعداد الناس اليوم أسباب لتوسيع الوقت تعادل كثرة الأعمال فى يوم النحر.

4. الحفاظ على أرواح الناس وأعراضهم من مقاصد الشريعة، وتعريض حياتهم للخطر أو النسك للحرج والمشقة الزائدة مخل بهذه المقاصد ويعرض الصورة الحضارية العالمية للإسلام للتشويه.

والله أعلم 
وكتبه 
د/ خالد حنفي

رئيس لجنة الفتوى بألمانيا 
وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الإسلام في كندا

يبلغ عدد سكان كندا حوالي 33 مليون نسمة ونصف المليون ونسبة المسلمين 1.9%. وتقول بعض المصادر إن النسبة تتعدى 2 %. وحسب إحصائية 2009 يصل عدد المسلمين إلى مليون ونصف المليون ، يعيش أغلبهم في مقاطعة أونتاريو الكندية ثم في كيبيك. ويُظهِر آخر إحصاء للسكان أن الإسلام هو الديانة رقم واحد بين العقائد والديانات غير

تاريخ الإضافة : 8 أكتوبر, 2019 عدد الزوار : 4689 زائر

جديد الموقع

الإحصائيات

  • 0
  • 2٬620
  • 0
  • 3٬840
  • 0
  • 2٬120٬222
  • 0
  • 103
  • 10٬999