تفسير سورة الحجرات (9) {إن أكرمكم عند الله أتقاكم }

تاريخ الإضافة 19 يناير, 2017 الزيارات : 1370

أولا التفسير التحليلي :3dlat.com_13930094651 (نسخ)

{ يا أيها الناس إنا خلقنـاكم من ذكر وأنثى وجعلنـاكم شعوباً وقبائل لتعـارفوا }الحجرات13

سبب نزول الآية :

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى علا على ظهر الكعبة فأذّن ، فقال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً ؟

وقال عتاب بن أسيد : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم .

وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئاً بغيره .

وقال أبو سفيان : أنا لا أقول شيئاً ، أخاف أن يخبره به رب السموات .

فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

مناسبة الآية لما قبلها :

وردت هذه الآية الكريمة بعد النهي عن التجسس والغيبة وغيرها من الأخلاق الذميمة ، فجاءت هذه الآية منبهة على تساوي البشر ، فلا يجوز لأحد أن يفخر على أحد ولا ينتقص أحداً أو يعيبه لأن تلك المفاخر النسبية لا مكان لها؛ لأن أصل خلقة الجميع من ذكر وأنثى .

وبتقرير هذا المبدأ ينتفي في ذهن المرء أي داعٍ من دواعي الاستعلاء على الغير من حيث صورة خلقه ونسبته البشرية، فينهدم ركن من أركان التفاضل الموهوم الذي قد يسوغ للبعض استحلال عرض أخيه بغيبة أو نميمة أو تجسس أو سخرية أو تنابز ولمز ونحوه.

معاني الآية الكريمة  :

{يا أيها الناس } والنداء هنا للناس جميعا، مع أن أول السورة وجه الخطاب فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك أن الآية ذكر فيها {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } وهذا أمر يعم جميع الناس أما النداء بـ(يا أيها الذين آمنوا) فإنه يشتمل على أوامر ونواهِ فخوطب بذلك أهل الإيمان الذين يمتثلون للأوامر والنواهي .

{إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } من ذكر هو آدم، وأنثى هي حواء وهذا الأصل لا تفاوت فيه بين الناس كلهم فهم فيه سواء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” كلكم لآدم”.

{وجعلنـكم شعوباً } جمع شعب (بفتح الشين )الشعب الأصول التي يتشعب (يتفرق) منها القبائل .

{وقبائل } فالله تعالى جعل بني آدم شعوباً وهم أصول القبائل، وقبائل وهم ما دون الشعوب، فمثلاً بنو تميم يعتبرون شعباً، وأفخاذ بني تميم المتفرعون من الأصل يسمون قبائل

{ لتعارفوا } أي: لا لتفاخروا بالأحساب والأنساب ؛ أي جعلناكم شعوباً حتى تُعرفوا حتى إذا جئت يقال هذا من شعب كذا وكذا وهذا من القبيلة الفلانية لتعارفوا أي ليحصل بينكم تعارف.

ثم بين الله سبحانه وتعالى الميزان الحقيقي الذي على الناس أن يتنافسوا فيه وهو الذي تكون به درجاتهم ومنزلتهم عند الله سبحانه وتعالى

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ليس صاحب المال ولا الجمال ولا الجاه ولا السلطان ولكن الكريم عند الله سبحانه وتعالى هو التقي.

{إن الله عليم } عليم بكل شيء.

( خبير) الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر لا شك أنه صفة مدح وكمال، لكن العلم بالبواطن أبلغ، فيكون عليم بالظواهر، وخبير بالبواطن .

والمعنى أن الله هو الذي يعلم التقي ويعلم الصالح ويعلم المفسد من المصلح فما في القلوب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى والتقوى ميزان التكريم .

التفسير الموضوعي للآية :

اشتملت الآية الكريمة على عدة موضوعات :

أولاً: الإسلام دين لا يعرف العنصرية

ثانيا / ذم التفاخر بالأنساب

ثالثا / الكرامة عند الله بالتقوى

أولاً: الإسلام دين لا يعرف العنصرية :

العنصرية مصدر صناعي من العنصر الذي هو الأصل والنسب، والعنصرية هي التمييز بين الناس على أساس عنصرهم أو أصلهم أو لونهم… أو جهتهم.. ومعاملتهم على ذلك الأساس.

والعنصري هو الذي يفضّل عنصره على غيره من عناصر البشر ويتعصب له، وأول من نادى بها هو إبليس عليه لعنة الله تعالى حيث قال:  (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) ص:76.

وهي من آثار الجاهلية الأولى التي قضى عليها الإسلام وحذر من التفاخر بها والتعامل على أساسها ، فالإسلام قد جاء رافضاً كلَّ أشكال التمييز العنصري بين البشر جميعاً بسبب الجنس أو اللون أو العِرْق أو النوع، وقرَّر أن الناس جميعاً سواء لا تفاضل ولا تمايز بينهم إلاَّ بالتقوى.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر واضحا جليا في حجة الوداع حينما قال : ( يا أيها الناس ! ألا إن ربكم واحد ، ألا إن ربكم واحد ، ألا لا فضل لعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فليبلغ الشاهد الغائب )

وربى النبي أصحابه على هذا المبدأ العظيم فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ) رواه البخاري

وعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ  رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ – أي ضربه على دبره – فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ !!!

فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ  : مَا هَذَا ؟

فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) رواه البخاري ومسلم

ولما تفاخر الناس بآبائهم تفاخر سلمان الفارسي رضي الله عنه بانتسابه للإسلام  فقال:

 

أبي الإسلام لا أب لي سواه        إذا افتخروا بقيس أو تميم

وبهذه الروح انطلق الصحابة كأمواج البحر الطاهرة فغسلوا الأرض من دنس الشرك والكبر والقهر والظلم والعنصرية ،وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها ودانت لهم الدنيا بالطاعة ، وما عرف أن أمة توحدت وارتبطت حتى كانت كجسم واحد رغم تفاوت أجناسها ولغاتها ، إلا أمة الإسلام .

وهذا هو السر في انتشار الإسلام في جميع أنحاء العالم ، فالناس فيه سواسية كأسنان المشط لا يتافضلون عند الله إلا بالتقوى .

وبعد ثلاثة عشر قرناً من الزمن عرفت الأمم هذا المبدأ وفخرت به وظنت أنها وقعت على شيء جديد لم يعرف من قبل ، وتجاهلت أن الإسلام العظيم قد جاء بهذه المثل العليا قبل زمن طويل في وقت كان البشر غارقين في العبودية بل وتقديس الطغيان ، فجاء الإسلام العظيم بهدم مزايا الأجناس والظلم وإلغاء الفروق الجنسية والتمييز العنصري والتعويل على التقوى والعمل الصالح وحدهما .

ثانيا / ذم التفاخر بالأنساب :

إنّ من آيات الله عزّ وجلّ أن خلق الناس مختلفين في كثير من الأمور، فكلٌّ له طباعه وأخلاقه وتصرّفاته التي تختلف عن غيره.

كما أنّهم ليسوا متساوين في أنسابهم وأعراقهم وأوضاعهم المادية ، ولله عزّ وجلّ حكمة في ذلك، ولكن هذا الاختلاف لا يعني أفضلية أحد على أحد.

فليس الغني بأفضل من الفقير، ولا ذو الحسب والنسب بأفضل من ذي النشأة المتواضعة، لأنّ كلُّ ما يتمتع به المرء هو رزق من عند الله عزّ وجلّ يهبه لمن يشاء من عباده، والأفضلية أساسها التقوى، إلا أنّ بعض الناس قد يجعل من نسبه أو وضعه الاجتماعي أو المادي مصدراً للفخر والمباهاة ، وقد نهى ديننا الحنيف عن التفاخر والتعالي على الناس بسبب النسب، وجعله من بقايا الجاهلية.

وقد وردت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن الفخر مثل قوله :  « إن الله عز وجل أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها » (حسنه الألباني

الجعلان : ‏ بكسر الجيم وسكون العين جمع جعل (بضم ففتح )دويبة سوداء يقال لها في مصر الخنفساء توجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث ومن شأنها جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمرها أنها تموت من ريح الورد وريح الطيب .
والمعنى أن أحد الأمرين واقع البتة إما الانتهاء عن الافتخار أو كونهم أذل عند الله تعالى من الجعلان الموصوفة.

‏ وقال صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وفخرها بالآباء إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب »

وقوله: عِِبِّيَّة أو عُبِّيَّة الجاهلية يعني الكبر والتفاخر، قال بعضهم: مأخوذ من عباب الماء إذا ارتفع، والمتكبر يرتفع على الآخرين.

إن كثيرا من الناس قد انقلبت عندهم الموازين فصاروا يفاضلون بين الرجال بملابسهم أو ألوانهم أو وظائفهم دون النظر إلى الدين والتقوى، وهذا ولا شك من الخلل البين والانحراف عن الصواب في ميزان الرجال،ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاتكال على هذه الأمور وترك العمل الصالح الذي يرفع صاحبه عند ربه تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: ” يا بني هاشم لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ”

وقال صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله عنها : “يا فاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا”.

و أخبر- صلى الله عليه وسلم- ببقاء هذا الفخر في أمته في قوله صلى الله عليه وسلم: « أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة »

فجعل من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب وجعل منها الطعن في الأنساب، ولا شك أن ذكر الجاهلية يعد تنفيرا من هذه الخصال.

فالتفاخر بأفعال الآباء والأجداد لا يفيد الإنسان إنما يفيده فعله وعمله هو؛ ولهذا يوبخ من يفتخر بآبائه يقول بعضهم :

 

كن ابن مـن شئت واكتسـب أدبـا *** يغنيـك محـموده عـن النسـب

أي إذا اكتسبت أدبا واكتسبت علما أغناك عن أن تقول أنا ابن فلان أو آبائي فيهم كذا وكذا فلا فخر إلا بالتقوى .

كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه:

الناس من جهة التمثيل أكفاء            أبوهم آدم والأم حواء

 

فإن يكن لهم من أصلهم نسب             يفاخرون به فالطين والماء

 

اضرب ابن الأكرمين :

جاء رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم !!

قال: عذت معاذ. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين.

فكتب عمر إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما، يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم. فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين.. ثم قال للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”.

ثالثا / الكرامة عند الله بالتقوى :

لا مجال في الإسلام لعصبية العرق، ولا لعصبية الأرض، ولا لعصبية الوطن، ولا لعصبية الجنس، ولا لعصبية اللون، ولا لعصبية اللغة، إن كل هذه الرايات لا مجال لها أن ترفرف في سماء الإسلام، كل هذه الموازين إلى زوال، وكل هذه القيم إلى فناء، إن الميزان الحقيقي الذي يخفض ويرفع، إنما هو ميزان التقوى،كما قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى :( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) رواه مسلم

هذا هو الميزان، وهذا هو المقياس الذي يخفض ويرفع، عند رب الناس جل وعلا  ، الأتقى لله هو الأكرم عند الله – عز وجل – وإذا سقط التفاخر بالأنساب، فسقوط غيره مما يتفاخر فيه الناس من أمور الدنيا من باب أولى، وتبقى التقوى هي ميدان التنافس والعمل.

والتقوى لا تنال بالأنساب ولا بالأموال  وإنما تنال بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبالأعمال الصالحة ، فمن الممكن أن يكون أي شخص من الناس هو الأكرم عند الله .

قال ابن تيمية: “ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، ولا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ، وإنما يمدحُ 

الإيمانَ والتقوى، ويذمَ بالكفرِ والفسوقِ والعصيان ” .الفتاوى الكبرى 1/164

وصدق والله القائل:

 

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه        فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس      وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أكرم ؟

قال : ” أكرمهم عند الله أتقاهم “

قالوا : ليس عن هذا نسألك

قال : ” فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله “

قالوا : ليس عن هذا نسألك

قال : ” فعن معادن العرب تسألون ؟

قالوا : نعم ، قال : خيارهم في الجاهلية ، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا .رواه البخاري

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحقيقة كثيرا، فتراه صلى الله عليه وسلم جالسا بين أصحابه فيمر عليهم رجل فيقول:

ما تقولون في هذا؟”

قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع

فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ” ما تقولون في هذا؟

قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع

فقال صلى الله عليه وسلم: ” إن هذا خير من ملء الأرض من هذا”

أمثلة على ذلك :

أبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من كبار رجال مكة حسباً وشرفاً ومالاً ، ولكنه لم يؤمن برسالة الإسلام ، بل وقف حائلاً دون انتشارها ومنفراً عنها هو وزوجته أم جميل ، أنزل الله تعالى فيه : ” تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى ناراً ذات لهب ، وامرأته حمالة الحطب ، في جيدها حبل من مسد ” فلم تنفعه قرابته ولم يشفع له نسبه.

وهذا بلال الحبشي المولى الفقير والعبد الضعيف ليس له قبيلة ولا عشيرة ، ولم يكن عربياً ولا قرشياً ولا مكياً ، بل كان عبداً حبشياً ، آمن برسالة الإسلام ، واتبع محمداً خير الأنام حتى أصبح يدعو إلى الله خمس مرات في اليوم مؤذناً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي يوم أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا بلال ، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة . قال : ما عملت عملا أرجى عندي : أني لم أتطهر طهورا ، في ساعة ليل أو نهار ، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي .

إنه بلال الذي لا يعرف له شرف نسب ولا جاه ولا سلطان، إنما يعرف بسابقته في الإسلام وصحبته للرسول صلى الله عليه وسلم وصلاحه وجهاده،وهل بعد هذا من شرف؟!

فهذه الدرجة التي نالها بلال وصلها بإيمانه وتقواه ، وتلك الدرجة التي وصل إليها أبو لهب بكفره وعناده .

ولما تسلق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نخلة انكشفت ساقه فضحك بعض الصحابة من دقتها قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “تعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد “.
وروي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قوله لسعد بن أبي وقاص خال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله، وصاحب رسول الله، فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن. فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة”.

وأختم بقول ابن القيم : إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم ، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له ، وعلى قدر طاعة العبد تكون له منزلته عنده ، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه ، فأسقطه من قلوب عباده ، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك ، فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر ،  ساقط القدر .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم تقواه وأن يجعلنا من أحب خلقه إليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

قصص وعبر

قصة العجوز التي كتب اسمها على المسجد

يحكى أن ملِكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره…حيث يريد أن يكون هذا المسجد من ماله فقط دون مساعدة من أحد، وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك . وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي

تاريخ الإضافة : 10 أغسطس, 2017 عدد الزوار : 64 زائر

اخترنا لك

الإحصائيات

  • 0
  • 337
  • 256
  • 664
  • 436
  • 30٬871
  • 132٬374