تفسير سورة الحجرات : (12) يمنون عليك أن أسلموا

تاريخ الإضافة 14 يونيو, 2025 الزيارات : 19189

(12)يمنون عليك أن أسلموا

 

 قال تعالى : ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 16]

(قل أتعلمون الله ) أي أتخبرون الله ، وهذا إنكار لقول الذين قالوا آمنا، يعني أتعلمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء.

والمعنى : قل لهم أيها الرسول: أتخبرون اللَّه بما في ضمائركم من الدين، ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا ؟ واللَّه عالم لا يخفى عليه شيء، يعلم كل ما في السموات وما في الأرض من جمادات ونباتات وحيوانات وإنس وجن، فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟ واللَّه لا تخفى عليه خافية من ذلك، يعلم بكل شيء، فاحذروا أن تدّعوا شيئا خلاف ما في قلوبكم .

قوله تعالى : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]

سبب النزول :

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أسلمنا وقاتلنا العرب ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، فنزلت هذه الآية الكريمة: ” يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنوا علي إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ، إن كنتم صادقين ” .[1]

(يمنون) منّ عليه: ذكره بإحسانه ، والمنة هي النعمة الثقيلة ، والمن لا يكون إلا لله فهو صاحب العطاء والفضل أما المن من العبد فهو مذموم، والمقصود به ذكر المنة للمنعم عليه على سبيل الفخر والتعيير له .

وقوله: {بل الله يمن عليكم } أي ليس لكم منة على الرسول بإسلامكم، بل المنة لله – عز وجل – عليكم أن هداكم للإيمان، ولا شك أن هذا أعظم منة أن يمن الله على العبد بالهداية إلى الإيمان .

وقوله: {إن كنتم صادقين } أي إن كنتم من ذوي الصدق القائلين بالصدق، فإن المنة لله عليكم.

 قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: 18]

أخبر الله في هذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السموات والأرض، وما ظهر فهو من باب أولى، وأخبر – عز وجل – أن من جملة ما يعلمه عمل بني آدم، ولهذا قال:

{والله بصير بما تعملون } وهذه الآية تفيد الترهيب من العمل السيء؛ لأن العبد سيجازى عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله عز وجل، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالهداية والتوفيق.

نسبة المنة والفضل لله في الهداية

 المنّ حقيقة بالفعل لا يليق إلا لله فهو صاحب الفضل والعطاء والإنعام أن يعطيك، ويملكك الكثير من النعم العظيمة ، أما المنّ بالقول فيفعله الجهلة المغترون بما آتاهم الله .

 هناك مَن يمنّ عليك، يقول لك: أنا أطعمتك أنا أعطيتك…، هذا منٌ بالقول، وهو مستقبح، ومبطل للأجر ، إلا إذا كُفرت النعمة كما قال النبي  حينما وجد الأنصار على أنفسهم في لعاعة من الدنيا تألف النبي بها قوماً ليسلموا، ووكلهم إلى إسلامهم، فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: ” يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي ، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي ” ، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا ، قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَن”

 فلذلك المنّ مقبول ؛ حينما ينسى الإنسان الخير، فيذكره غيرُه به.

ومن أسماء الله تعالى المنان :

عن أنس: أنَّه كان مع رسول جالسًا ورجل يصلِّي ثم دعا: اللَّهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا إله إلا أنت المنَّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال واﻹكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد دعا اللهَ باسمِه العظيم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطى ) رواه. أبو داود وصححه اﻷلباني

 ومعناه : هو المنعم المعطي ، الذي يدر العطاء على عباده منّا عليهم بذلك وتفضلا.

 المن كمال لله نقص في حق العبد :

فهذه الصفة في حقه تعالى صفة كمال، وفي حق المخلوق، – بهذا المعنى – صفة نقص، فلا يلزم أن يكون كل كمال في الخالق كمالا في المخلوق.

قال ابن القيم : حظر الله على عباده المن بالصيغة، واختص به صفة لنفسه لأن من العباد تكدير وتعيير، ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير .
– وأيضاً فإنه هو المنعم في نفس الأمر والعباد وسائط.
– وأيضاً الامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
– وأيضاً المنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.
– وأيضاً فالمنان بعطائه يشهد نفسه مترفعاً عن الأخذ ويشهد ذل الأخذ وحاجته إليه وفاقته .
– وأيضاً فإن المعطي قد تولى الله ثوابه أضعاف ما أعطى .[2]

(بل الله يمن عليكم )

 إن الله تعالى هو الذي يمنَّ علينا وهو الذي هدانا، فله النعمة ، وله الفضل أن هدانا للإسلام وحبب قلوبنا في طاعته ، وأخذ بنواصينا إليه ، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

والله تعالى يذكر عباده دائماً بفضله فيقول: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) [النور: 21 ]

أي: تذكروا أنكم تحت فضل الله تعالى ونعمته فهو المتفضل عليكم، وهو الذي وفقكم وهداكم للإسلام، ولو شاء لخذلكم ولسلط عليكم الأعداء، فاشكروه على فضله تعالى ونعمته .

هل تظن أن أي عبادة تؤديها الله في حاجة إليها؟

كلا كلا الله عز وجل قال في الحديث القدسي : (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني.)  من أنت حتى تبلغ من القوة أو العلم أو السيادة أن تنفع الله عز وجل أو تضر الله؟

لو كل العباد اجتمعوا على أن ينفعوا الله أو أن يضروا الله لا يصلون إلى شيء من ذلك ، وفي بقية الحديث قال : ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. ) فلا العبادة تزيد في ملكي ولا المعصية تنقص من ملكي .

( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فأعطيت لكل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط (الإبرة) إذا أدخل ماء البحر. )هل الإبرة إذا أدخلناها ماء البحر وأخرجناها تنقص منه شيئا ؟!

فإذا أعطى الله الخلق جميعا حوائجهم ما ينقصون من ملكه شيئا سبحانه وتعالى.

والأعرابي كان فقيها حينما سألوه لمن هذه الغنم ؟قال :هي لله في يدي. يعني أنا مؤتمن عليها .

فأنا وأنت وكل الناس ما نملكه فهو ملك لله أولا ؛ فالله تعالى مالك كل شيء وما ملك فهو صاحب المنة وهو صاحب الفضل وهو صاحب العطاء جل وعلا؛ فالذي أعطاك ومنع عني قادر أن يمنع عنك ويعطيني.

إذن فإن الله تعالى يمن على عباده بنعمه حتى يعلموا جميعا أن الشكر له جل وعلا ، وأن الافتقار إليه جل وعلا ، وأن الذي يعطي ويمنع هو سبحانه وتعالى فلا يرجو إلا ربه ولا يستعين إلا به جل وعلا.

إذن لما يمن الله تعالى، المنة هنا لتتذكر فقرك وحاجتك إلى الله سبحانه وتعالى وتتذكر مع هذا غناه عنك. الله غني عنا.

من نحن بالنسبة لله عز وجل؟ وما نكون؟ نحن لا شيء.

إذا كانت الدنيا كلها لا تساوي عنده جناح بعوضة. الدنيا كلها… فمن أنت تساوي وماذا أنا أساوي؟

وكل هذه الدنيا…إذا كانت الدنيا بأجمعها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

فنحن منغمسون في نعم الله قال – سبحانه -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ﴾ [النحل: الآية 53]

وفي الحديث القدسي قال الله – سبحانه وتعالى -: ( يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم )

ويذكر أنَّ عمر بن الخطاب حينما طُعن ، قال له عبد الله بن عباس – رضي الله عنهم أجمعين – مواسيًا: (يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون)

فرد قائلا: (أمّا ما ذكرت من صحبة رسول – صلى الله عليه وسلم – ورضاه: فإنما ذلك مِن مَنٌّ الله – تعالى – عليَّ، وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك مِن مَنٌّ الله عليَّ، وأمّا ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله! لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله – عز وجل – قبل أن أراه). رواه البخاري

فمن منا يستشعر فضل الله عليه ومنته أنه خلقنا وهدانا وكفانا وآوانا وأنعم علينا بطاعته، فكم من الناس الآن مع اللهو ومع العبث .

 وكما يقول بعض السلف إن أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك .

إذا عملت أي عمل صالح؛ إذا أديت الصلاة ؛ إذا أديت الزكاة ؛ إذا صمت رمضان؛  إذا حججت إلى البيت الحرام ؛ إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ؛ إذا حضرت محاضرة أو درساً ؛ احمد الله أن وفقك فالمنة لله وحده .

والمسلم يعلم يقينا أنه لا يكون من أهل الجنة بمجرد عمله، بل بفضل الله تعالى وبرحمته، وإن كانت الأعمال من جملة الأسباب لدخول الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)

ومن الذكر الذي ورد بعد دبر كل صلاة أن يقول العبد: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن)، فله المن على عباده والفضل عليهم.

وعن ‏ ‏البراء ‏ ‏رضي ‏ الله عنه ‏ ‏قال : ‏رأيت النبي ‏ ‏صلى ‏ الله عليه وسلم ‏ ‏يوم ‏ ‏الخندق ‏ ، ‏وهو ينقل التراب حتى ‏وارى ‏التراب شعر صدره ، وكان رجلا كثير الشعر ، وهو ‏ ‏يرتجز ‏‏برجز ‏عبد ‏ الله : [3]

اللهم ‏ لو لا أنت ‏ ما اهتدينا   ولا ‏ تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ‏    وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأعداء قد بغوا علينا  إذا أرادوا فتنة أبينا

يرفع بها صوته ) . رواه الشيخان

فحقاً لله المنة على عباده، وله الفضل عليهم، فإذا أنعم على بعض العباد فهداهم وأقبل بقلوبهم على طاعته فإنه المتفضل وله الفضل في ذلك، وإذا خذل بعض العباد وحال بينهم وبين رشدهم، وأضلهم على علم فله الحكمة في ذلك، يقول الله تعالى: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ) [الجاثية:23 ]

فالله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هداه الله فقد تفضل عليه، ومن خذله وأضله فقد عامله بعدله.

وعدم المن على الله بالعمل الصالح أمر أدق من الإخلاص وأخفى، ويسميه ابن القيم – رحمه الله-: “عدم شهود المنة “فقال: “أنفع العمل أن تغيب عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المنة”.

وقريب من هذا أن المصلي يقول بعد فراغه من الصلاة: “أستغفر الله”؛ حتى لا يعجب بصلاته، بل إنه يحس بتقصيره، وأنه لم يوفها حقها.

وطرح ابن القيم في كتاب الفوائد سؤالا فقال : ما معنى قول السلف : إن العبد ليعمل الحسنة يدخل بها النار ؟

فأجاب : يفعل الحسنة فلا يزال يمنُّ بها على ربه ، ويتكبر بها ، ويرى نفسه ، ويعجب بها ، ويستطيل بها ، ويقول فعلت وفعلت ، فيورثه ذلك من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه .

وفي هذا المعنى قال بعض السلف: ربّ طاعة أورثت عزاً واستكباراً، وربّ معصية أورثت ذلاً واستغفاراً .

العمل سبب لدخول الجنة وليس ثمن لدخول الجنة :

الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله.قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.

فالعمل سبب لدخول الجنة وليس ثمن لدخول الجنة… مهما عملت من طاعات لن تبلغ ثمن شيء في الجنة…..الجنة لا يقابلها شيء من الدنيا كلها.

الرسول قال : “لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها.” والسوط :ما يضرب به من حبل أو جلد.

إذن لما يكون موضع صغير في الجنة لا تساوى معه الدنيا بأسرها…. فسبحان الله !!! كل عباداتك، كل طاعاتك هي من فضل الله عليك، هي من رحمة الله تعالى بك.

فالحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام وأكرمنا بنعمة الهداية، وأكرمنا بنعمة البصيرة وأكرمنا بنعمة السجود بين يديه، وأكرمنا بهذه النعم كلها.

احذروا الإعجاب بالنفس:

احذروا بروز الأنا وحظوظ النفس في أي عمل لله فإن ذلك يفسده.

قال العلماء: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.

وقال الشافعي : إذا خفت على عملك العُجب فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب، فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله .

فنحن نعترف بفضل الله تعالى علينا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، ونرغب إليه أن يعمنا بواسع رحمته وفضله، وأن يتجاوز عن أخطائنا ونقصنا وتقصيرنا، فنحن كلنا أخطاء إلا أن يتجاوز الله عنا.

إبليس يذكر عنه أنه كان من أعبد المخلوقات ، لكن لما برزت عنده الأنا وردّ الأمر على الله، وقال حينما أمر بالسجود لآدم أنا خير منه؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: 34-35]

فالإنسان لا يغتر بطاعته، لا يغتر بهدى الله، لا يغتر بعطاء الله، لا يغتر بمال ملكه الله إياه، لا يغتر بعلم، لا يغتر بأي شيء، لو اغتررت بنفسك تهلك، تضيع.

هذا من فضل ربي

المؤمن دائما يستشعر معنى الافتقار إلى الله، فمهما ازداد علما أو مالا أو مكانة فليعلم أن هذا كله من عطاء الله سبحانه وتعالى.

نبي الله سليمان سبحان الله أعطاه الله ما أعطاه من الملك، ملك عظيم ، وكل ملوك الدنيا مجتمعين لن يصلوا إلى ما آتاه الله لسليمان ؛ فقد سخر الله له الجن والإنس والطير والريح، ولما رأى عرش بلقيس أمامه لم يتذكر قوته أو أنه الزعيم الملهم أو أنه الملك صاحب الألقاب والفخامة والضخامة… هذه الأشياء التي يخلعونها على أنفسهم إنما قال لله متواضعا: (هذا من فضل ربي.) الإنسان فينا ممكن يتكبر بشهادة أو يتكبر ؛ فما بالنا بملك سليمان؟

والرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحا دخلها ومعه عشرة آلاف…. عشرة آلاف بالنسبة للأعداد الموجودة في هذا الوقت جيش ضخم، وكبير، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

عندما استقبل جهة مكة وهو داخل إليها حني رأسه حتى كادت لحيته أن تمس الرحل (ظهر الناقة) تواضعا وإجلالا لله سبحانه وتعالى.

كان صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم بقول : (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد. )أنا عبد لله، لا ملك متغطرس ولا متجبر ولا ظالم.

 ورأى رجل الرسول صلى الله عليه وسلم فبدأ يرتعد ( والنبي من رآه يهابه ، سيدنا عمرو بن العاص يقول: والله ما ملأت عيني من رسول الله هيبة له. عمرو بن العاص أسلم سنة سبعة هجرية يقول ما ملأت عيني من رسول الله هيبة له ولو قيل لي صف رسول الله ما استطعت)

 فلما رآه الرجل هابه وارتعد. قال هون عليك يا أخي فإنما أنا ابن امرأة من مكة كانت تأكل القديد !! [4]

فالنبي مع ما أعطاه الله سيد ولد آدم، خاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم صلى الله عليه وسلم وخير خلق الله كان سيد المتواضعين لله عز وجل. كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم لا يتكبر ولا يتعالى.

ولما كان في غزوة بدر كان عدد الجمال التي يركبونها سبعون جملا فقط، سبعون بالنسبة لثلاثمئة وأربعة عشر يعني كانوا ثلاثة على كل جمل. فالرسول قسم الطريق مراحل؛ كل مرحلة من الطريق يركب شخص شخص من الثلاثة. يركب واحد ويمشي الاثنان.

وكان مع النبي علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي…. فلما ركب رسول الله، اتفقا ألا ينزل إكبارا واحتراما له صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهت المرحلة من الطريق، أراد أن ينزل قالوا لا يا رسول الله اتفقنا أن تظل راكبا.

قال: ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما.!!

وحق له صلى الله عليه وسلم أن يكون له ركوبة وحده يستقل بها طوال الطريق فهو القائد لكن كان قدوة كواحد من أصحابه.

يقول لهم أنتم سيأتي وقت وتضعفون عن المشي لأن الطريق طويل وأنا راغب في الأجر.

فأي نجاح، أي إنجاز، انسب الفضل فيه لله يزدك الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]

ولذلك احذر أن يأتيك الخير إلى بابك ثم ترده متعاليا، أن يفتح لك باب إلى خير أو إلى الجنة أو إلى مساعدة محتاج أو إلى نصرة مظلوم ثم تتكبر وتقول لا… هذا ليس طريقي، أنا لا أحب ذلك، لو فتح لك باب خير، فاعلم أن الله أحبك أيا كان هذا الخير.

لو جعلك الله تعالى في مقام طاعة : إعانة لفقير، مساعدة لمحتاج، نصرة لمظلوم، تخفيف لألم مريض، فافرح افرح أن الله هيأ لك ذلك.

أهم ما يستفاد من الآيات:

  1. الله سبحانه يعلم حقيقة ما في القلوب ولا يخفى عليه زيف ادعاءات الإيمان.
  2. الادعاء الظاهري للإيمان لا ينفع إذا لم يصدقه العمل والإخلاص.
  3. المنة الحقيقية لله وحده لأنه هو الذي هدى العبد ووفقه للإسلام.
  4. من يظن أن بإسلامه يمنّ على الله أو رسوله فقد جهل مقام ربه.
  5. الإسلام نعمة عظيمة لا تُقابل بالمنّ وإنما بالشكر والتواضع.
  6. المسلم الصادق يعترف بأن الهداية فضل من الله وليست بجهده.
  7. الله يعلم الغيب وما في الضمائر، فاحذر من مخالفة القلب للسان.
  8. العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فكيف يمنّ على غيره؟
  9. الإخلاص في الإيمان يستلزم ترك التفاخر بالطاعة والمنة بها.
  10. كل نعمة على العبد هي فضل من الله تستوجب الشكر لا الفخر.
  11. صفة “المنّان” من صفات الكمال لله، وهي في حق العبد مذمومة.
  12. المؤمن الحق يرى نفسه مقصّرًا دائمًا ويستغفر بعد الطاعات.
  13. الله غني عن عباده وأعمالهم، وهم الفقراء المحتاجون إليه
  14. العبادة لا تُدخل الجنة بذاتها بل برحمة الله وفضله.
  15. العبد إذا استشعر فضل الله عليه ازداد خشية وتواضعًا.
  16. إخفاء الأعمال وحجب النفس عنها أنفع من رؤيتها والاغترار بها.
  17. عدم شهود المنة من أعلى درجات الإخلاص في العمل.
  18. المعصية مع الانكسار والتوبة خير من الطاعة مع العُجب والاستعلاء.

 

نسأل الله أن يأخذ بنواصينا إليه أخذ الكرام عليه ،

 وأن يحفظنا بالإسلام قائمين،

 وأن يحفظنا بالإسلام قاعدين ،

 وأن يحفظنا في كل وقت وحين.

 اللهم آمين .

 *************

تم تفسير السورة

 والحمد لله ذي الفضل والمنة


[1] رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهذا الإسناد فيه انقطاع لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه مقبول في التفسير كما قرره العلماء.

[2] بدائع الفوائد، ( 3/ 1140 ) فصل: “فصل في الفرق بين منة الله ومنة العبد”

[3] شِعر الرَّجَز هو نوعٌ من الشعر العربي يتميز بوزنه الخاص، وغالبًا ما يُستخدم في مواقف الحماسة، أو الارتجال، أو الحروب، أو الأناشيد السريعة، ويتكوّن من تفعيلة واحدة تتكرر في كل شطر، وهي:مُسْتَفْعِلُنْ مستفعلن مستفعلن.

[4] القديد هو اللحم يقطعونه شرائح ويستقبلون به الشمس فيقدد يعني يصير يابس، وهي سيلة من وسائل الحفظ في هذا الوقت ثم بعد ذلك يأكلونه إذا أرادوا. فهذا كان حال الناس البسطاء لكن الغني لا يأكل اللحم إلا طازجا،  أي  بعد ذبحه مباشرة.

Visited 73 times, 1 visit(s) today

تعليق واحد



اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14424 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع