شرح الأربعين النووية 14- لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ

تاريخ الإضافة 29 نوفمبر, 2023 الزيارات : 154

شرح الأربعين النووية

14- لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ

عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ) رواه البخاري ومسلم.

شرح الحديث:

(لا يحل دم امرئ مسلم ) لا يحل إشارة إلى حرمة النفس، وحرمة الاعتداء عليها، وهذا الذي قاله النبي- صلى الله عليه وسلم- مرارا، (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فمعنى لا يحل دم امرئ مسلم أي انه لا يكن استحلال قتل المسلم إلا بواحدة من هذه الثلاث، فالقتل هنا يكون عقوبة على جريمة يفعلها هذا الشخص المحكوم عليه.

 إلا بإحدى ثلاث:

الصنف الأول: (الثيب الزاني)

الصنف الثاني: (النفس بالنفس)

الصنف الثالث: (التارك لدينه المفارق للجماعة)

 

الصنف الأول (الثيب الزاني)

كلمة الثيب معناها: الشخص البالغ العاقل الذي سبق له الزواج، وتطلق على الرجل والمرأة، فيقال رجل ثيب وامرأة ثيب، وإن كان الأشهر أنها تطلق على النساء، ومعنى كلمة ثيب من ثاب إذا رجع، لأن المرأة عندما تتزوج تذهب إلى بيت زوجها، فإذا طلقت عادت إلى بيت أبيها فهي ثيب من ثابت أي رجعت إلى بيت أبيها.

وهذا الذي يسميه الفقهاء الزاني المحصن، لأن عندنا الزاني إما محصن أو غير محصن، فالزاني غير المحصن الذي لم يسبق له الزواج هذا إذا وقع في الزنا بين الله حده بسورة النور فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2]

أما الزاني المحصن فعقوبته الرجم حتى الموت، والحكمة من تشريع الرجم أن كل أعضاء الزاني قد استمتعت وتلذذت بالحرام، فجعلت العقوبة تطهيرا له بأن يعاقب البدن كله بهذا الرجم، وفيه معنى العظة والعبرة حتى لا يقع الناس في مثل هذا الذنب.

 وطبعا مسألة ثبوت الزنا وحد الزنا، فيها كلام طويل في كتب الفقه، ومن الصعوبة أن يقام الحد بشهادة الشهود الأربعة فغالبا لن يقام إلا على من اعترف وأقر بنفسه؛ كما في حادثة ماعز وكما في حادثة المرأة الغامدية.

ففي الحديث الذي أخرجه مسلم عن سليمان بن بريدة، عن أبيه ، قال :” جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، طهرني .

فقال : ويحك ، ارجع فاستغفر الله وتب إليه .

قال : فرجع غير بعيد ، ثم جاء ، فقال : يا رسول الله ، طهرني .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك ، ارجع فاستغفر الله وتب إليه .

قال : فرجع غير بعيد ، ثم جاء ، فقال : يا رسول الله ، طهرني .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة ، قال له رسول الله : فيم أطهرك؟ ، فقال : من الزنى .

فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون ، فقال : أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه ، فلم يجد منه ريح خمر ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أزنيت؟ فقال : نعم، فأمر به فرجم .

فكان الناس فيه فرقتين ، قائل يقول : لقد هلك ، لقد أحاطت به خطيئته ، وقائل يقول : ما توبة أفضل من توبة ماعز ، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ، ثم قال : اقتلني بالحجارة .

قال : فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس ، فسلم ثم جلس ، فقال : استغفروا لماعز بن مالك ، قال : فقالوا : غفر الله لماعز بن مالك ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم “.

قال : ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد ، فقالت : يا رسول الله ، طهرني ، فقال : ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه.

فقالت : أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك ، قال : وما ذاك ؟ .

قالت : إنها حبلى من الزنى ، فقال : آنت؟ قالت : نعم .

فقال لها : حتى تضعي ما في بطنك ، قال : فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت .

قال : فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: قد وضعت الغامدية ، فقال : إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه ، فقام رجل من الأنصار ، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله . قال: فرجمها “. انتهى.

 

الحالة الثانية أن يشهد أربعة شهود من الرجال كل واحد يشهد أنه رأى حالة جماع بين رجل وامرأة في الحرام، وهذه شبه مستحيلة، وهناك قصة مشهورة في عهد سيدنا عمر لما اتهموا رجلا بالزنا فشهد ثلاثة وتردد الرابع، فلم يؤكد كلامه فأقام عمر بن الخطاب على الأربعة حد القذف.

 والإسلام قبل أن يؤسس لهذه العقوبة فإنه شجع الحلال ويسر الزواج، وعندنا الأحاديث والآيات في هذا الشأن كثيرة جدا، (فأظفر بذات الدين) و (إذا جاءكم من ترضون دينا وخلقه فزوجوه ألا تفعلوا تكون فتنة في الأرض وفساد عريض أو كبير)، و(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وغيرها من الأحاديث الكثيرة.

فرغب الإسلام في الزواج ويسر فيه، ورغب في العفة ورغب في الطهارة، وأعان على ذلك بما فرض من تشريعات، فمن تهيأ له جو العفة والزواج والإحصان وآثر إلا أن يخوض في مستنقع الرذيلة فإنه يقام عليه الحد.

الصنف الثاني: (النفس بالنفس)

فمن قتل يقتل كما هو معلوم، والله- عز وجل- قال في آية سورة البقرة: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون​﴾ [البقرة :179]

وكانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل، فجاء القرآن ليقول: ﴿ولكم في القصاص حياة) كيف يكون في القصاص حياة؟

معناها أن من علم أنه إن قتل سيقتل ماذا سيفعل؟ سيفكر ألف مرة … مليون مرة قبل أن يفعلها، وبالتالي سيبقي على حياته وحياة من يريد قتله، هذا أمر.

 الأمر الثاني: يحدث في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد أن القاتل إذا لم يقتل بجريمته يظل ما يعرف بالثأر، وهذا كان موجودا إلى وقت قريب عندنا في جنوب مصر في الصعيد، فكان القاتل يسجن عشر سنين عشرين سنة خمس وعشرين سنة ثم يخرج إلى الحياة ويبقى الثأر، بل إن العزاء لا يقام إلا إذا أخذوا بالثأر لهذا المقتول، فإذا أقيم الحد وهو القصاص على القاتل فإننا بذلك نبقي على الحياة، حياة القاتل قبل أن يقتل، وحياة عائلته بعدم تعريض أفرادها للخطر.

ولذلك تعجبون معي في قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] كيف ذلك؟

من استحل أن يقتل نفسا بريئة فكأنما استحل دماء أهل الأرض جميعا، ومن احترم حرمة النفس البشرية وراعى هذا الأمر فلم يقتل ولم يستحل الدم فكأنما أحيا الناس جميعا، فوجود القتل سبب لانتشار الفوضى واشتعال نار الحروب الأهلية، واحترام الحياة واحترام حرمة الغير بعدم الاعتداء عليه، هذا يبقي الناس على خير وعلي صلاح، فالقتل مفسدة واحترام النفس حياة للجميع.

ومن ثبت عليه تهمة قتل نفس بريئة بغير حق فإنه أمام إحدى ثلاث: إما القصاص فمن قتل يقتل وإما الدية يدفع دية لأهل القتيل ويرضون بها مائة ناقة ، أوما يساويها من المال، وإما العفو فيعفو أهل القاتل قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى  فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ  ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ  فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]

وحذر الله من أن يكون العفو غدرا يعني يعفو أمام الناس أو أمام القضاء وفي نيته الغدر فيقتل القاتل بعد أن يعلن العفو عنه أو قبوله الدية.

 

الصنف الثالث: (التارك لدينه المفارق للجماعة)

وأعداء الإسلام يتكلمون عن هذا الأمر من باب التشنيع على الإسلام وعلي شريعة الإسلام، أين الحرية الدينية؟

النبي قال: (التارك لدينه) ولم يسكت النبي- صلى الله عليه وسلم- بل قال: (المفارق للجماعة) الإسلام قال : (لا إكراه في الدين)، لكن لا إكراه في الكفر، فلا إكراه في الدين كما أنت على عقيدتك، لكن مع بقائك على عقيدتك لا تحارب المسلمين ولا تمنع الناس من الدخول في الإسلام، ومن هنا كانت المواجهة بين الحق والباطل .

 وكانت المواجهات العسكرية وقتها بين المسلمين والمشركين، وكان هناك من ينضم لمعسكر الإسلام مثل قبيلة خزاعة مسلمين وغير مسلمين انضموا في حلف مع المسلمين، ومن كان يفارق الإسلام ويعلن ردته كان يفر إلى المشركين وهذا ما يعرف الآن باسم الخيانة العظمى، رجل ترك أمته ووطنه الذي يعيش فيه وفر إلى أعداء هذا الوطن، بماذا نسمي هذا؟ هذا يعرف في كل قوانين العالم بالخيانة العظمى.

ماذا لو أن شخصا ترك دينه ولم يفارق الجماعة ولم يخن ولم يفر؟

 هذا لا يقربه أحد- كما سنفصل- لكن رجلا ترك دينه، وخان أمته، وفر إلى عدوه فهو التارك لدينه، المفارق للجماعة، هاتوا في أي قانون من قوانين العالم عقوبة الخائن لأمته في حالة حرب، كيف تكون عقوبته؟

في أغلب قوانين العالم إن لم تكن الإعدام فإنها تكون الحبس الطويل بالسجن مدى الحياة.

كيف يكون تاركا لدينه؟

أي ارتد عن الدين، دخل الإسلام عن اقتناع، ثم ترك الدين بخلل في الاعتقاد، قال أنا لست مؤمنا بلا إله إلا الله، أنا كافر بلا إله إلا الله، أنا عندي الآلهة 365 صنما كما كان المشركون يعبدون، أو استهزأ بالرسول – صلى الله عليه وسلم- أو القرآن ، أو خرج من دائرة الدين كلها وقال أنا ملحد….

إذن فهو خرج من الإسلام، بشرط أنه يقول الكفر أو يفعل الكفر ويعتقد به، فمن قال الكفر ولم يعتقده لا يحكم بردته، وعندنا حديث الرجل الذي ضلت راحلته وعليها زاده وطعامه نام نومة وقد أيقن بعدها بالموت، فلما استيقظ وجد الراحلة فوق رأسه، ماذا قال؟ قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يقول النبي أخطأ من شدة الفرح.

 فهذا الرجل قال الكفر ولم ينوه ولم يقصده ولم يعتقده، واعتذر النبي له قال أخطأ من شدة الفرح، فهذا لا يسمى كافرا.

 وكذلك من أكره على الكفر؛ كقصة عمار بن ياسر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: 106]، فهذا لا يسمى كافرا.

أيضا في هذه المسألة موضوع إزالة الشبهة أن يجلس العلماء مع هذا الشخص إن كان لديه شبهة فيوضحون له ما حدث عنده من لبس، أو سوء فهم.

مسألة: هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج على نظام الدولة أم جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود؟ أو بتعبير آخر: هل الردة حد من حدود الله فمن ارتد عن الاسلام يقتل؟ أم هي مسألة تعزيرية يعود تقديرها لولي الامر؟

أولا ما الفرق بين الأمرين؟

 الخلاف دائر حول مسألتين: هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج عن نظام الدولة، ومن ثم يترك للإمام معالجتها بما يناسبها من التعازير أي الجرائم غير المنصوص على عقوبة معينة فيها أم هي جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي حق الله فلا مناص للإمام من إقامة الحد فيها؟

يرى فريق كبير من الفقهاء في العصر الحديث أن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة التي أقرها الإسلام وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها، وأن ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، في شأن الردة إنما هو باعتبار ولايته السياسية للمسلمين، وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً لا حداً (أي أنها غير مقدرة عقوبتها متروك تقديرها للإمام أو القاضي).

وأنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها.

وذهب إلى هذا القول كثير من المحدثين مثل الإمام محمد عبده، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، وعبد الوهاب خلاف، وأبي زهرة والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد العزيز شاويش، ومن رجال القانون الدستوري فتحي عثمان، ود. عبد الحميد متولي، ود. محمد سليم العوا.

ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عفا لدى دخوله مكة عن قوم ارتدوا وتوعدهم بالقتل منهم عبد الله بن أبي السرح الذي كان من كتبة الوحي، ثم ارتد فقبل فيه شفاعة عثمان رضي الله عنه بينما امتنع عن العفو عن آخرين مما له دلالة واضحة على أن الردة جريمة تعزيرية لأن الحدود لا تجوز فيها الشفاعة.

وبما ورد عن عمر بن الخطاب: ”أن أنسًا عاد من” تستر” فقدم على عمر، فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل، الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر(أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون) قال أنس: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجنرواه عبد الرزاق والبيهقي في السنن، وسعيد بن منصور

 ومعنى هذا الأثر: أن عمر لم ير عقوبة القتل لازمة للمرتد في كل حال، وأنها يمكن أن تسقط أو تؤجل، إذا قامت ضرورة لإسقاطها أو تأجيلها، والضرورة هنا: حالة الحرب، وقرب هؤلاء المرتدين من المشركين وخوف الفتنة عليهم، ولعل عمر قاس هذا على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” لا تقطع الأيدي في الغزو”، وذلك خشية أن تدرك السارق الحمية فيلحق بالعدو.

 وهناك احتمال آخر: وهو أن يكون رأي” عمر” أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:” من بدل دينه فاقتلوه” قالها بوصفه إمامًا للأمة، ورئيسًا للدولة، أي أن هذا قرار من قرارات السلطة التنفيذية، وعمل من أعمال السياسة الشرعية، وليس فتوى وتبليغًا عن الله، تلزم به الأمة في كل زمان ومكان وحال، فيكون قتل المرتد وكل من بدل دينه، من حق الإمام، ومن اختصاصه وصلاحية سلطته، فإذا أمر بذلك نفذ، وإلا فلا.

 على نحو ما قال الحنفية والمالكية في حديث “من قتل قتيلاً فله سلبه” وما قال الحنفية في حديث: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له) -انظر كتاب: “الخصائص العامة للإسلام” ص217)

وهذا هو قول إبراهيم النخعي، وكذلك قال الثوري: هذا الذي نأخذ به (المصنف جـ 10، الأثر 18697)، وفي لفظ له: يؤجل ما رجيت توبته (ذكره ابن تيمية في” الصارم المسلول” ص321.)

 أما الدكتور محمد سليم العوا :فيضيف لنا بعدًا أصوليًّا جديدًا في النظر لحديث ابن عباس، وهو أقوى حديث للاستدلال في قتل المرتد حدًّا؛ حيث رأى أن الأمر في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “فاقتلوه” ليس للوجوب، وإنما هو للإباحة لوجود قرائن صارفة للأمر من الوجوب إلى الإباحة، ومن ثم تكون العقوبة تعزيرية موكولة إلى الإمام، ومن هذه القرائن:

الأمر الأول: أن الأحاديث التي ورد فيها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل مرتدًّا أو مرتدة أو أمر بأيهما أن يُقتل، كلها لا تصحُّ من حيث السند؛ ومن ثم فإنه لا يثبت أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاقب على الردة بالقتل.

الأمر الثاني: ما رواه البخاري ومسلم من أن “أعرابيًّا بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا محمد أقلني بيعتي. فأبى ثم جاءه قال: يا محمد أقلني بيعتي؛ فأبى؛ فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها”، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلاً عن القاضي عياض أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إقالته من الإسلام، فهي حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل ولا أمر بعقابه، بل تركه يخرج من المدينة دون أن يعرض له أحد.

الأمر الثالث: ما رواه البخاري عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: “كان رجل نصرانيًّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران. فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض…” الحديث، ففي هذا الحديث أن الرجل تنصر بعد أن أسلم وتعلم سورتي البقرة وآل عمران، ومع ذلك فلم يعاقبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ردته.

 الأمر الرابع: هو ما وردت حكايته في القرآن الكريم عن اليهود الذين كانوا يترددون بين الإسلام والكفر ليفتنوا المؤمنين عن دينهم ويردوهم عن الإسلام، قال تعالى: “وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (آل عمران: 72). وقد كانت هذه الردة الجماعية في المدينة والدولة الإسلامية قائمة، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاكمها، ومع ذلك لم يُعاقب هؤلاء المرتدين الذين يرمون ـ بنص القرآن الكريم ـ إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه.

وليس من اليسير علينا أن نسلم مع وجود هذه الوقائع المتعددة للردة، ومع عدم عقاب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمرتدين في أي منها، بأن عقوبة المرتد هي القتل حدًّا؛ إذ من خصائص الحدود ـ كما قدمنا ـ وجوب تطبيقها كلما ثبت ارتكاب الجريمة الموجبة لها.

 

فوائد هذا الحديث:

1- أن التشديد في العقوبات في بعض الجرائم الهدف منه أن يكون زاجرا عن اقتراف هذا الذنب.

2- وجوب احترام دم المسلم وعصمته مادام أنه قد أظهر الإسلام فلا يحل لأحد أن يتعرض له بالقتل مهما فعل من الذنوب أو أخل بالواجبات أو ضيع من الحقوق إلا إذا فعل ما يوجب قتله بأحد هذه الثلاث الواردة بالحديث.

 3-حرم الله الزنا لأن فيه فساد الأنساب، وحرم القتل لأن فيه فساد المجتمع، (فكأنما قتل الناس جميعا)، وحرم الردة والرجوع عن الإسلام لأن المرتد يخرج عن دائرة أمته التي ينتمي إليها وينضم إلى عدوها فيكون قد جمع بين الردة والخيانة العظمى.

4- الحث على التزام جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم.

5- شرع الله الحدود لردع الجناة، ولحماية المجتمع ووقايته من الجرائم.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للشيخ حسين عامر

السيرة الذاتية للشيخ حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 1 فبراير, 2024 عدد الزوار : 198 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن

شرح صحيح البخاري

شرح الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم