شرح الأربعين النووية 15- من كان يؤمن بالله واليوم الآخر

تاريخ الإضافة 6 يناير, 2026 الزيارات : 1065

15- من كان يؤمن بالله واليوم الآخر

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) رواه البخاري ومسلم.

شرح الحديث

هذا الحديث النبي ﷺ يرشدنا فيه إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأول/ حفظ اللسان.
الأمر الثاني/ إكرام الجار.
الأمر الثالث/ إكرام الضيف.

وقد علق النبي ﷺ هذه الثلاثة بقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) لماذا؟

قال العلماء: المقصود هنا كمال الإيمان بالله واليوم الآخر لأن هذه الأعمال من جملة الإيمان، وليس المقصود أن من تركها خرج من الإيمان.

وهذا يسميه العلماء من باب المبالغة في الدعوة لهذه الأفعال، كما أقول: مثلا أي طبيب في الدنيا لا يجهل أسباب كذا، أي مهندس في الدنيا لا ينبغي أن يجهل كذا، فهنا النبي ﷺ يقول أي مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا.

فكما تقول لابنك: إن كنت ابني فاسمع كلامي، فهل لو عصاك فليس ابنك؟

كلا، فالمقصود إن كنت ابني حقا، ابني البار ابني الصالح.

فهذا هو المقصود الحث أو التحريض على فعل هذه الثلاثة أشياء، والنبي ذكرها بصيغة المضارع.

(من كان يؤمن) إشارة إلى أنها ليست أفعال يفعلها الإنسان وتنتهي إنما دوام فعلها.

(واليوم الآخر) سمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، وأهل الجنة كيف ينامون؟ لا نوم في الجنة.

ولما سئل النبي ﷺ أينام اهل الجنة؟ قال: (لا النوم أخو الموت.)[1]

لماذا قال النبي (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) فذكر هذا الركن من أركان الإيمان ولم يذكر غيره؟

لأن اليوم الآخر مرتبط بالجزاء على الأعمال، لأن من كان يؤمن بالله فهو الأمر الناهي سبحانه وتعالى وهو المشرع، وكذلك يؤمن العبد بأن هناك يوم سيجازى العباد على أعمالهم خيرا أو شرا، فليفعل كذا وكذا وكذا.

الأمر الأول/ حفظ اللسان

 (فليقل) فليقل اللام الساكنة للأمر كقوله تعالى: (وليطوفوا)، واللام المفتوحة تكون للتأكيد كقوله: (لتدخلن)، والمكسورة تكون للتعليل، كقوله: (ولتبتغوا) ولام الأمر الأصل فيها السكون ويجوز هنا فيها الكسر لأنها سبقها حرف الفاء، (فليقل أو فليقل)، بالسكون أو الكسر.

(فليقل خيرا أو ليصمت) يعني قل كلاما تثاب عليه أو كلاما مباحا، فإذا تكلمت تكلم بخير، فإذا لم تجد خيرا فلا تنطق بالشر، كالغيبة والسب والكذب …الخ.

وفي الحديث (رحم الله امرءا تكلم فغنم أو سكت فسلم) [2] فاعبد الله صامتا إن كان الخير في الصمت، واعبد الله متكلما إن كان الخير في الكلام.

ويقول الرسول ﷺ: “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”.[3]
وعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (من صمت نجا) [4]
من صمت أي: سكت عن الشر نجا: أي: فاز وظفر بكل خير، أو نجا من آفات الدارين.

ومن أقوال السلف:

  • وعن إبراهيم بن أدهم، قال: “كان يقال ليس شيء أشد على إبليس من العالم الحليم، إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم”
  • وقال لقمان لابنه: “يا بني، إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك”.
  • وقال بعض السلف: “إذا جالست الجهال فأنصت لهم، وإذا جالست العلماء فأنصت لهم؛ فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم”
  • وسأل رجل حكيما فقال: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت الصمت، فقال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام.
  • وأخذ أبو بكر الصديق، رضي الله عنه بطرف لسانه وقال: (هذا الذي أوردني الموارد)
  • وعن علي رضي الله عنه قال: (بكثرة الصمت تكون الهيبة)

ما الفرق بين الصمت والسكوت؟

الصمت أن تمتنع عن الكلام مع القدرة عليه، إنما السكوت هو عدم الكلام لا يوجد نية للكلام، عندما يسمع المسلمون الخطبة يوم الجمعة فإن هذا يسمى صمت، أي واحد منهم قادر أن يتكلم لكنه صامت لأنه يحب أن يسمع ويستفيد ويتعلم وهكذا،

وهذه من دقائق اللغة لكن من الممكن استعمال كل منهما محل الآخر فيأتي الصمت بمعنى السكوت والسكوت بمعنى الصمت في كلام الناس.
فهنا التأكيد في لزوم الصمت فهذا أفضل من الثرثرة وفضول الكلام، وقول الخير أفضل من الصمت.

إذن المعنى: من إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح ؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه، مندوبا إلى الإمساك عنه؛ مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا، فالنبي ﷺ يرشدنا إلى قول الخير أو السكوت، ولو كان مباحا، والحكمة – والله أعلم – لأن الكلام في المباحات يجر إلى المنهيات، فأرشد ﷺ إلى أن ينظر الإنسان فيما يقوله، فإن كان خيرا تكلم به، وإن كان سوى ذلك أمسك، وبهذا ينال كمال الإيمان.

والعكس بالعكس، فإن كثيرا من الناس جره لسانه إلى كثير من المهالك، فاستعمله إما في التنازع والتخاصم أو السب أو الشتم أو الكذب أو الغيبة أو النميمة أو الشهادة بالزور، أو قول المنكر أو الفحش أو البذاءة أو الاستهزاء والسخرية أو الفرية أو نحو ذلك من الآفات، وإن سلم من أكثرها، فلن يسلم من الاسترسال في الكلام المباح وفضوله، الذي يفسد القلب، والله المستعان.

فالمؤمن الصادق هو الذي يعيش في حذر دائم من فلتات لسانه، فيجعل عمله كثيرا وكلامه قليلا، وذلك خير له، فكثير الكلام يندم على كثرة كلامه، ولن يندم صامت على صمته في الغالب؛ فالعمل يكثر أو يقل بمقدار كثرة الكلام أو قلته؛ فكثير الكلام قليل العمل، وقليل الكلام كثير العمل، ومن الحكم الطيبة: “الكلام كالدواء؛ إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل”.

والصمت ينقسم إلى قسمين:

صمت محمود: أي أن تصمت عن كل ما حرم الله ونهى عنه، مثل الغيبة والنميمة والبذاءة وغيرها، وكذلك الصمت عن الكلام المباح الذي يؤدي بك إلى الكلام الباطل.
وصمت مذموم: كالصمت في المواطن التي يتطلب منك أن تتكلم فيها، مثل الأماكن التي ترى فيها المنكرات، وكذلك الصمت عن نشر الخير، وكتم العلم.

وقال الغزالي رحمه الله : فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه ؟
فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان ، من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات ، فهذه آفات كثيرة ، وهي سباقة إلى اللسان ، لا تثقل عليه ، ولها حلاوة في القلب ، وعليها بواعث من الطبع ، ومن الشيطان ، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان ، فيطلقه بما يحب ، ويكفه عما لا يحب فإن ذلك من غوامض العلم – كما سيأتي تفصيله – .ففي الخوض خطر، وفي الصمت سلامة ، فلذلك عظمت فضيلته .
هذا ، مع ما فيه من جمع الهم ، ودوام الوقار ، والفراغ للفكر والذكر والعبادة ، والسلامة من تبعات القول في الدنيا، ومن حسابه في الآخرة، فقد قال الله تعالى:  (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [5]

الأمر الثاني/ إكرام الجار

قال: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ووردت في بعض الروايات (فليحسن إلى جاره)، ووردت (فلا يؤذي جاره)، فربما تعددت مواطن قول النبي ﷺ للحديث أو هو من رواية الحديث بالمعنى.

من هو الجار؟

الجار هو جار السكن، وورد في بعض الآثار أن كل أربعين دارا فهو جارك، والمقصود هنا الاقرب فالأقرب من أبناء المكان الواحد، أو الحي الواحد كما نقول، وقد حده علي رضي الله عنه بقوله: (من سمع النداء فهو جار)

ولعل الأرجح والله أعلم: أن من تعارف الناس على تسميته بالجار يسمى كذلك، وله حق الجوار أما الأحق بحقوق الجوار: فقد حدده لنا النبي ﷺ، في حديث عائشة رضي الله عنها – أنها قالت: (قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا) [6]

الوصية بالجار:

وضع الإسلام نظاما فريدا للعلاقات والصلات الاجتماعية، فهي قائمة بالتراحم والتعاطف، والتكافل والتكاتف، وعلى التعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان، ومن عظمة حق الجوار أوصى به الكريم سبحانه، وأنزله في كتابه العزيز، مقترنا بأوجب الواجبات وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، فقال عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]

وقوله: ﴿والجار ذي القربى﴾ يعني الذي بينك وبينه قرابة، ﴿والجار الجنب﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقوله: ﴿والصاحب بالجنب﴾ هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر.

وقد وردت أحاديث كثيرة في شأن الجار نذكر بعضها:

1- عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” [7]

يعني أن جبريل يقول للنبي ﷺ كثيرا ذكر أمتك بالإحسان إلى الجار، لدرجة أن النبي يقول من كثرة وصية جبريل بالإحسان إلى الجار ظننت أنه سينزل بوحي من الله أن الجار يرث في جاره.

2. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: “خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره”. [8]

 3- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إن خليلي ﷺ أوصاني: إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف) [9]

 4- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه) [10]

 5- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل لرسول الله ﷺ: (كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ قال النبي ﷺ: إذا سمعت جيرانك يقولون: أن قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت فقد أسأت) [11]

 6- ولقد تعلم الصحابة رضي الله عنه من الرسول ﷺ حسن معاملة الجيران، فقد ذبحت شاة لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فجعل يقول لغلامه: (أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)[12]

 7- ويقول النبي ﷺ: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) [13]

 8- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط أي بالقطع ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في الجنة) [14]

 9- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره، فقال: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه أي: يلعنون ذلك الجار المؤذي فيقولون: فعل الله به وفعل وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه) [15]

ومما نقل عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: (يا بني، قد حملت الحجارة والحديد والحمل الثقيل، فلم أجد شيئا قط أثقل من جار السوء).

أنواع الجيران:

دلت النصوص الشرعية على أن الجيران ثلاثة:

  • جار له ثلاثة حقوق: وهو الجار المسلم القريب ذو الرحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة.
  • جار له حقان: وهو الجار المسلم، له حق الجوار، وحق الإسلام.
  • جار له حق واحد: وهو الجار الكافر، له حق الجوار فقط.

ما هو حق الجار؟

1- الإحسان إلى الجار بالقول والفعل.

2- تعهده بالهدية بين الحين والآخر: فالهدية إلى الجار طريق إلى المحبة والألفة، وهي تأسر القلب وتملك الفؤاد؛ ولذلك جاءت الأحاديث مصرحة بذلك، منها ماورد عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)، وفي رواية: قال أبو ذر – رضي الله عنه: “إن خليلي أوصاني: إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف”[16]

 فمن الإحسان أن تهدي إلى جيرانك ولو شيئا يسيرا؛ فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كان النبي – ﷺ– يقول: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة)[17]

 والمعنى: لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئا، ولو أنها تهدي إليها ما لا ينتفع به في الغالب”

3- حل مشكلاته وقضاء مصالحه:كما في الحديث أن النبي – ﷺ– قال: (من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته)[18]

4- من حق جارك إذا استقرضك فأقرضه؛ فإذا قدر الله – عز وجل – أن تمر به ضائقة مالية، وأتى إليك ليستقرض منك مالا، فعليك أن تعطيه إن كان معك هذا المال، وعلى الجار أن ييسر على أخيه؛ لييسر الله عليه، وفي الحديث أن النبي – ﷺ– قال: (من يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه)[19]

5- أن تنصره ظالما أو مظلوما: لقول النبي – ﷺ–: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: (تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره)[20]

6- تعليمه العلم الشرعي، ومصاحبته إلى المساجد ومجالس العلم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

7- زيارته في مرضه، والسؤال عن صحته، والدعاء له بالشفاء والصبر.

8- السير في جنازته عند موته، وتقديم العزاء فيه، والمساهمة في إعداد طعام وتقديمه لأهله.

9- دعوته إلى المناسبات، مثل: الأعراس، وحفلات النجاح وغيرها، كذلك تلبية دعوته إلى مناسباته.

10- ستر عيوبه، وعدم التكلم بها أمام الناس، وحفظ عرضه.

11- عدم رمي القاذورات أمام بيته، وإماطة الأذى عنه.

12- عدم إيذائه بتطاول البنيان عليه، وعدم رفع الأصوات وإيذائه بها، مثل صوت الأغاني الصاخب.

هل تصح قصة الجار اليهودي للرسول؟

من القصص المشهورة قصة الجار اليهودي الذي كان النبي ﷺ يحسن إليه وكان يؤذي النبي ﷺ، ويضع القمامة والشوك في طريقه.

هذه القصة لا أصل لها في كتب السنة، ولم يذكرها أحد من أهل العلم، وإنما اشتهرت لدى الوعاظ والقصاص من غير أصل ولا إسناد، وفي متنها نكارة، إذ من المستبعد جدا أن يؤذي اليهودي النبي ﷺ في جواره له من غير اعتراض الصحابة ولا دفاعهم عن نبيهم عليه الصلاة والسلام.

أما الحديث الصحيح فهو: عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم!! فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، ﷺ. فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار). رواه البخاري

فأين هذا مما ذكر من أنه كان يؤذي النبي ﷺ؟!! ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الغلام جارا للنبي ﷺ.

الأمر الثالث/ إكرام الضيف

قوله: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) كان العرب قبل الإسلام يحرصون على مكارم الأخلاق، وكانوا يتسابقون إليها ويتفاخرون بها، ويعتبرون فقدها منقصة وعارا على الرجل لا يكاد يفارقه، ثم جاء الإسلام، وبعث الله نبيه محمدا ﷺ ليتمم الأخلاق الحسنة التي كانت فيهم وتهذيبها، ومن هذه الأخلاق الحميدة: إكرام الضيف.

وفي السنة جملة من الأحاديث النبوية التي اعتنت بموضوع إكرام الضيف منها:

1- أنه سبب لنيل التوفيق من الله وتجنب الخزي: ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن خديجة طمأنت النبي ﷺ وأقسمت ألا يخزيه الله أبدا لأجل اتصافه بمكارم الأخلاق، ومنها إكرام الضيف: فقد قالت له: ” كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق “ [21]

وتقري الضيف: أي تهيئ له طعامه ونزله.

2- أنه من أسباب دخول الجنة: فقد قال النبي ﷺ: ” يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام ” [22]

3- أن إكرام الضيف عمل محبوب إلى الله: ويدل عليه ما جاء عن النبي ﷺ من تعجب الله سبحانه وتعالى من صنيع من أكرما ضيفيهما:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله ﷺ: ” من يضم أو يضيف هذا؟ ” فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال: “ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله ﷺ: “من يضم أو يضيف هذا؟” فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال: ” ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} “ [23]
قوله: (أصبحي سراجك) أي أوقديه، وقوله: (فباتا طاويين) أي بغير عشاء.

من آداب إكرام الضيف:

ورد في السنة عدد من الآداب والأحكام التي ينبغي مراعاتها عند إكرام الضيف، ومن هذه الآداب والأحكام:

1- أن حق الضيف في الضيافة ثلاثة أيام، فإن زاد عليها كانت من المضيف صدقة عليه، فعن أبي شريح العدوي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته” قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: “يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ” [24]

قوله: (جائزته يوم وليلة) معناه: أنه يتكلف له إذا نزل به الضيف يوما وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما حضر، فإذا مضى الثلاث فقد مضى حقه فإن زاد عليها استوجب به أجر الصدقة.

2- أن لا يتكلف المضيف لضيفه ما ليس عنده: فعن سلمان رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فدعا له بما كان عنده، فقال: ” لولا أن رسول الله ﷺ نهانا، أو لولا أنا نهينا، أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفنا لك “ [25]

ومعنى الحديث أنه لا يجب عليه إكرام الضيف إلا بما عنده، فإذا لم يكن عنده فضل لم يلزمه شيء، وأما إذا آثر على نفسه فذلك مقام فضل وإحسان وليس بواجب ، وسبب كراهة السلف التكلف للضيف محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من السرور بالضيف فيضيق به وبحضوره، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وليس من إكرام الضيف ما يقوم به بعض الناس من مظاهر الترف والسرف؛ تباهيا ومراءاة للناس، وطلبا للشهرة، سيما وأن كل الأحاديث تدل على أن إكرام الضيف عبادة يبتغى بها وجه الله، بل من مقتضيات الإيمان التي أمر بها الإسلام، فكيف تكون قربة تتحول إلى معصية بالسرف والمخيلة التي تتنافى مع مبدأ التعبد.

3- أن يقوم على خدمة أضيافه بنفسه، ويرحب به، ويبتسم في وجهه، ويؤنسه بالحديث ،المقصود بهذا الأدب أن يحرص المسلم إذا نزل به ضيف أن يتولى خدمته بنفسه قدر استطاعته فلا يوكِل الأمر كله لغيره لأن ذلك أبلغ في الإكرام وأقرب إلى إدخال السرور على قلب الضيف وفيه تواضع وحسن خلق ويستحب أن يستقبله بترحيب صادق وكلمات طيبة وأن يلقاه بوجه بشوش وابتسامة لأن حسن الاستقبال أحيانًا أعظم أثرًا من كثرة الطعام ثم يؤنسه بالحديث اللطيف البعيد عن الإحراج أو التكلف فيسأله عن حاله بما لا يثقله ويحدثه بما يطمئنه ويشعره أنه محل ترحيب لا ثِقل ولا كلفة .

من فوائد الحديث:

  1. الحديث دليل على الحث على حفظ اللسان، واستعماله في الخير.
  2. الحديث فيه بيان فضل إكرام الجار، والإحسان إليه، وعدم إيذائه.
  3. الحديث فيه بيان فضل إكرام الضيف؛ حيث جعل إكرامه علامة على كمال الإيمان بالله واليوم الآخر.
  4. أن الإيمان بالله واليوم الآخر يبعث على المراقبة والخوف والرجاء.

[1] رواه الترمذي في سننه كتاب صفة الجنة (باب ما جاء في صفة الجنة) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، ورواه كذلك الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان بأسانيد فيها ضعف، وقد ضعفه جماعة من أهل الحديث لاضطراب طرقه وانفراد بعض رواته، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، إلا أن الشيخ الألباني جمع طرقه وشواهده وحكم عليه بالصحة بمجموعها، فقال: صحيح، وصححه في صحيح الجامع الصغير (رقم 6807)، وذكره في السلسلة الصحيحة، وبيّن أن ضعف الإسناد المفرد ينجبر بتعدد الطرق.

[2] أخرجه مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه كذلك سنن الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه المعجم الأوسط للطبراني بألفاظ متقاربة، وقال المنذري: إسناده حسن، وحسنه النووي في الأذكار، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (حديث رقم 3939)

[3] أخرجه الإمام أحمد في مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، حديث رقم 13048، وأخرجه المعجم الكبير للطبراني حديث رقم 85، وأخرجه شعب الإيمان للبيهقي حديث رقم 6496، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 5624، وذكره في السلسلة الصحيحة حديث رقم 284.

[4] أخرجه مسند الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، حديث رقم 6643، وأخرجه سنن الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، حديث رقم 2501، وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 6365

[5] إحياء علوم الدين (3/ 111112).

[6] صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب: إلى أقربهما بابًا، حديث رقم 6020

[7] صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، حديث رقم 6014، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، حديث رقم 2624

[8] أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار والصحبة، حديث رقم 1944، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه مسند الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حديث رقم 7039، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 3267

[9] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، حديث رقم 2625

[10] أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب الإيمان، حديث رقم 7304 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 5382

[11] أخرجه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حديث رقم 3600 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 271.

[12] أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الجار، حديث رقم 1943، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد للإمام البخاري، حديث رقم 105 وقال الألباني في تحقيقه صحيح.

[13] صحيح البخاري في كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم 6016، وأخرجه صحيح مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار، حديث رقم 46

[14] أخرجه الإمام أحمد في مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث رقم 9675 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 330، وذكره في السلسلة الصحيحة حديث رقم 190).)

[15] أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حق الجوار، حديث رقم 5153، والبخاري في الأدب المفرد ، حديث رقم 111وصححه الألباني في تحقيقه ،وحسنه في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 624.

[16] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، حديث رقم 2625)

[17] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، حديث رقم 2566)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب الحث على الهدية ولو بالقليل، حديث رقم 1030)

[18] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث رقم 2442)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم 2580)

[19] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل قضاء حوائج المسلمين، حديث رقم 2699)

[20] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما، حديث رقم 2444) ، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، حديث رقم 2584) بنحوه.

[21] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم 3) ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم 160)

[22] أخرجه الترمذي في سننه (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في إطعام الطعام وإفشاء السلام، حديث رقم 2485)، وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 5342).

[23] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المناقب، باب قول الله تعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، حديث رقم 3798)، ومسلم في صحيحه (كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، حديث رقم 2054)

[24] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، حديث رقم 6018)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، حديث رقم 47)

[25] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (باب ما لا يتكلف للضيف، حديث رقم 545) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.

 

Visited 167 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع