ارْحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء

تاريخ الإضافة 10 يناير, 2021 الزيارات : 222
ارْحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء

قال تعالى عن نبينا صلى الله عليه وسلم : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَة لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء – 107) قال ابن عباس: رسول الله بعث رحمة للبار والفاجر، فمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة مصداقا لقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (33) سورة الأنفال

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فإن أمته يجب عليهم أيضا أن يكونوا رحمة للعالمين اقتداء بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

الجزاء من جنس العمل :

وقد استنبط العلماء من نصوص القرآن والسنة قاعدة وهي:” الجزاء من جنس العمل ” فمن أراد أن ينال رحمة الله فليرحم الخلق ومصداق هذا حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:”الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ ” رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني

 “الرَّاحمون”، أي: الَّذين يَرحَمون مَن في الأرضِ مِن إنسانٍ أو حيوانٍ أو طيرٍ أو غيرِه؛ شَفَقةً ورَحمةً ومُواساةً.
“يَرحَمُهم الرَّحمنُ”، برَحمتِه الَّتي وَسِعَت كلَّ شيءٍ، فيَتفضَّل عليهم بعَفوِه وغُفرانِه وبرِّه وإحسانِه؛ جزاءً وفاقًا، فاللهُ عزَّ وجلَّ متَّصِفٌ بالرَّحمةِ، وهو سُبحانَه الرَّحمنُ الرَّحيمُ، الموصِلُ الرَّحمةِ إلى عِبادِه، وليستْ رَحمتُه سبحانَه كرحمةِ المخلوقِ؛ فإنَّه عزَّ وجلَّ ليس كمِثلِه شيءٌ.
ثمَّ أمَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالرَّحمةِ، فقال: “ارحَموا مَن في الأرضِ”، أي: جميعَ مَن في الأرضِ مِن أنواعِ الخَلْقِ، “يَرحَمْكم مَن في السَّماءِ”، يقصد اللهُ عز وجل .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَضَعُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا يَرْحَمُ، قَالَ: ( لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ ، يُرْحَمُ النَّاسُ كَافَّةً ) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده و حسنه الألباني .

وله شاهد مرسل عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ ) ، قَالُوا: كُلُّنَا رُحَمَاءُ، قَالَ: ( لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ خُوَيِّصَتَهُ حَتَّى يَرْحَمَ النَّاسَ ).رواه المروزي في “زوائد الزهد”

وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( خَابَ عَبْدٌ وَخَسِرَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ رَحْمَةً لِلْبَشَرِ ) حسنه الألباني .

فهنا في هذا الحديث الحث على الرحمة العامة للناس جميعا ، فلا يخص المسلم بها من يعرفه ويرق له قلبه ،لبنوة أولرحم ، أو صحبة ، أو زمالة ، أو غير ذلك .

الرحمة بالخدم والعمال :
ومن مواطن الرحمة إحسان معاملة الخدم والترفق بهم والتجاوز عن هفواتهم، وليحذر المرء من السطوة والتسلط، فيسخّرُهم أو يسخرُ منهم؛ فقد روى مسلم عن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: “اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ”، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: “اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ”، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي لهيبته، فَقَالَ: “اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ”، قَالَ فَقُلْتُ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وفي لفظ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ: “أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ”.

وحذر النبي -صلى الله عليه وسلم- كل من تولى مسؤولية صغيرة كانت أم كبيرة أن يشق على الناس، فقال: “اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر المسلمين شيئًا فرَفَق بهم فارفق به” (رواه مسلم).

فهنا دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ مَن ولي مِن أمر الناس شيئاً فضيَّق عليهم أن يعامله الله بالمثل، ومن عاملهم بالعدل والانصاف والرحمة واللين أن يجازيه على ذلك، والجزاء من جنس العمل.
الرحمة بالأطفال :
ولما دخل الأقرع بن حابس على النبي -صلى الله عليهم وسلم- وهو يقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- قال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد، ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “من لا يَرحم لا يُرحم” وفي رواية: “أَوَ أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟!” (متفق عليه).
وتقول عائشةَ رضي اللَّهُ عنها : جَاءَتني مِسْكِينَةٌ تَحْمِل ابْنَتَيْن لَهَا، فَأَطعمتُهَا ثَلاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلى فِيها تَمْرةً لتَأكُلهَا، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أَنْ تأْكُلهَا بيْنهُمَا، فأَعْجبني شَأْنها، فَذَكرْتُ الَّذي صنعَتْ لرسولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: إنَّ اللَّه قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجنَّةَ، أَو أَعْتقَها بِهَا من النَّارِ رواه مسلم.
يعني: بهذه الرحمة وهذا العطف نالت الجنة، كونها حرمت نفسها وشقَّت التمرة الثالثة بينهما من رحمتها لهما، فهذا فيه الحثُّ على رحمة الفقير والمسكين والضَّعيف.
وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبيّ، فإذا امرأةٌ من السبي تسعى قد تحلَّب ثديها، إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: “أتُرون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟” قلنا: لا -والله- وهي تقدر على أن لا تطرحه، قال: “فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها” (متفق عليه).
الرحمة بجميع الكائنات :
عَنْ أبي هريرة أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه. قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ: “في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ متفقٌ عليه، وفي رواية للبخاري: فَشَكَر اللَّه لهُ فَغَفَرَ لَه، فَأدْخَلَه الْجنَّةَ.
إنه رجل استبد به العطش لدرجة كبيرة دفعته للبحث عن قطرة ماء، ولكن رحمة الله أدركته عندما وجد بعد طول بحث وعناء ماء في بئر، فنزل وشرب حتى ارتوى، وحمد الله على ذلك، ولكنه عند خروجه من ذلك البئر وجد كلباً يلهث من شدة العطش، فأخذته الرحمة بهذا الحيوان الأعجم وتذكر حالته عندما كان في الظمأ، فنزل إلى البئر مرة أخرى فملأ خفه ماء وسقى ذلك الكلب الظمآن فشكر الله له ذلك الصنيع وأثابه خيراً، وغفر له ذنبه.
وفي رواية أخرى في الصحيحين : بَيْنَما كَلْبٌ يُطيف بِركِيَّةٍ قَدْ كَادَ يقْتُلُه الْعطَشُ إِذْ رأتْه بغِيٌّ مِنْ بَغَايا بَنِي إِسْرَائيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فاسْتَقت لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ فَغُفِر لَهَا بِهِ. (وَالْمُوقُ: ما يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ في القدم)

فالرحمة بالحيوان عبادة  تجلب الثواب والمغفرة، والقسوة على الحيوان والغلظة عليه مما يتسبب في هلاكه جريمة يعاقب الله عليها يوم القيامة، وهذا المفهوم وضحه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنّا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فانطلق لحاجتِه، فرأينا حُمَّرَةً (نوع من الطيور) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمَّرةُ فجعلت تفرِّش، فجاء النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: “من فجع هذه بولدِها؟ ردُّوا ولدَها إليها”
وعن عبد الله بن جعفر قال: دخل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- حائطًا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ الجمل وذرفت عيناه؛ فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح ذِفراه -أصل أذنه- فسكت، فقال: “من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟” فجاءه فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله فقال له: “أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئِبُه” (رواه أبو داود وصححه الألباني). ومعنى تدئبه: تتعبه.
شفى الله أمه لإطعامه القطط الصغار
يحكي أحد الشباب هذه القصة عن أمه أنها مرضت مرضا شديدا ،ودخلت في غيبوبة ، فنقلوها إلى المستشفى ؛ وعلى الفور تم إدخالها إلى العناية المركزة ،واطلع الأطباء على حالتها ، فصارحوه بأن حالة والدته ميؤوس منها ، وأنها في أي لحظة ستفارق الحياة فخرج من عند أمه هائما على وجهه لا يدري ماذا يفعل ؟!!
وعاد إلى بيته مهموما محزونا يشكو حال أمه إلى الله ، وهو أرحم الراحمين ، وفي اليوم التالي ذهب لزيارة والدته ، وتوقف في الطريق ليملأ السيارة بالبنزين ؛ فبينما هو ينتظر العامل ليضع البنزين في سيارته ، إذا به يرى في جانب من المحطة تحت قطعة كرتون قطة قد ولدت قططا صغاراً لا تستطيع المشي فتسائل من يأتي لهم بالطعام وهم في هذه الحال ؟!!!
وبتلقائية دخل للبقالة واشترى علبة سمك تونة وفتح العلبة ووضعها للقطط الصغار …. ثم واصل طريقه للمستشفي ، فلما وصل إلى العناية المركزة  لم يجد أمه على السرير فظن أنها ماتت ففزع لذلك ولم يتمالك دموعه التي انهمرت بسرعة ؛ لكنه تماسك واسترجع ….وسارع يسأل عن أمه فقالت الممرضة : اطمئن !! تحسنت حالتها فأخرجناها للغرفة المجاورة ، فعلت الابتسامة وجهه وسري عنه ، وذهب سريعا ليطمأن عليها ؛ فوجدها قد أفاقت من غيبوبتها فسلم عليها وسألها عن حالها …
قالت: الحمد لله أنا بخير ، ثم حكت له أنها رأت وهى مغمى عليها قطة وأولادها رافعين أيديهم يدعون الله لها !! فقامت وهي تشعر بتحسن كبير .
هنا انتبه الشاب أن الله كافأه بمعروفه وإطعامه للقطط الصغار فسبحان من وسعت رحمته كل شيء.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء قد سمع

شرح الأربعين النووية

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس ومحاضرات

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 5
  • 1٬569
  • 895
  • 4٬937
  • 2٬852
  • 3٬894٬766
  • 705٬269
  • 196
  • 2