شرح الأربعين النووية: مقدمة للتعريف بالكتاب وسبب شهرته

تاريخ الإضافة 31 أكتوبر, 2025 الزيارات : 1482

شرح الأربعين النووية [1]

مقدمة للتعريف بالكتاب وسبب شهرته والسر في اختيار الرقم أربعين

رغم أن كتاب الأربعين النووية صغير الحجم ومتداول بين طلبة العلم، إلا أن الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي لها قيمة كبيرة في الدين، فكل حديث من أحاديث الأربعين النووية يقعد لقاعدة أو يؤصل لأصل في شرعنا الحنيف.

مثل:

  • حديث (إنما الأعمال بالنيات) قالوا إنه داخل في سبعين بابا من أبواب الفقه، وهو يمثل ثلث الدين، لأنه من الأحاديث التي فيها جماع كلام رسول الله وهي ثلاثة أحاديث، حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث (الحلال بين والحرام بين) وحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أو (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) يعني من ابتدع في الدين فعمله مردود عليه.
  • حديث جبريل أخبرني عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم عن علامات الساعة.
  • الحديث الذي يبين الحلال بين والحرام بين.
  • حديث لا ضرر ولا ضرار.
  • دع ما يريبك إلى مالا يريبك.
  • البينة على من ادعى.

فكل حديث منها يقعد لقاعدة من أصول الدين.

وأصل هذا الكتاب أن العالم الجليل عمرو بن الصلاح وهو من أئمة الحديث في زمانه توفي سنة 643هـ جلس مجلسا من مجالس التحديث عن رسول الله فروى لهم ستة وعشرين حديثا، فأتمها الإمام النووي اثنين وأربعين وجعلها في هذا المؤلف الذي بين أيدينا.

وفي عصرنا الحاضر تجد من مشايخنا من قام بعمل عناوين مشابهة: أربعون حديثا في القلب…. في الرياضة …في الجهاد…في فضائل القرآن …الخ، وعلى الرغم من هذا لم تنل هذه المؤلفات ذيوعا وانتشارا مثل الأربعين النووية، وهذا نحسبه من إخلاصه لله في هذا العمل وأن الله كتب له القبول والانتشار، فقلما تخلو مكتبة إسلامية من كتابي رياض الصالحين والأربعين النووية والأذكار للإمام النووي.

وكتاب الأربعين النووية نال اهتمام الكثير من العلماء بالشرح والتعليق والإعراب واستخراج الفوائد والأحكام، وهذا كله بركة للعلماء ولطلبة العلم بالمدارسة النافعة.

  مقدمة الإمام النووي:

الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين. باعث الرسل – صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين لهدايتهم وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية، وواضحات البراهين.

أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه، وخليله، أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين.

 

أما بعد: فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم من طرق كثيرات بروايات متنوعات: أن رسول الله ﷺ قال: “من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها

بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء” وفي رواية: “بعثه الله فقيها عالما”.

وفي رواية أبي الدرداء: “وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا”. وفي رواية ابن مسعود: قيل له: “ادخل من أي أبوب الجنة شئت” وفي رواية ابن عمر “كُتِب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء”.

 واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه.

وقد صنّف العلماء رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب ما لا يُحصى من المصنّفات: فأول من علمته صنف فيه:

 عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسائي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلميّ، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري. وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام.

وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. أهـ كلامه.

شرح معنى الحديث الضعيف:

الحديث الضعيف هو الحديث الذي فقد شرطًا أو أكثر من شروط قبول الحديث الصحيح أو الحسن، مثل اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وانتفاء الشذوذ والعلة القادحة. 

وتتفاوت درجات الضعف حسب شدة العلة المفقودة في الحديث، ويُعدّ الحديث الضعيف مصطلحًا عامًا يضمّ تحته أنواعًا مختلفة مثل المعلق والمنقطع والشاذ وغيرها. 

أسباب ضعف الحديث:

يمكن إجمال أسباب ضعف الحديث في فقدان أحد شروط الحديث المقبول، وهي:

  1. فقدان شرط اتصال السند:ومن أمثلته الحديث المعلق والمنقطع. 
  2. فقدان شرط عدالة الرواة:كأن يكون الراوي ضعيفًا في ضبطه أو عدالته. 
  3. فقدان شرط الضبط:أي إذا كان الراوي كثير الخطأ أو الغفلة في روايته. 
  4. فقدان شرط عدم الشذوذ:وهو أن يخالف الحديث رواة آخرين أرجح منهم. 
  5. فقدان شرط انتفاء العلة:وهو ما يعرف بالحديث المعلل. 

أقسام الحديث الضعيف

يقسم العلماء الحديث الضعيف من حيث سبب ضعفه إلى قسمين رئيسيين: 

  • ضعف يرجع إلى عدم اتصال السند:

مثل الحديث المعلق، والمنقطع، والمعضل، والمرسل؛ فالأحاديث التي ورد السند فيها غير متصل عن رسول الله ﷺ بسبب انقطاع في السند فمعنى هذا أنه حديث غير صحيح لأن السند، كالسلسلة تماما لا بد من تواصل حلقاتها بلا انقطاع، فمثلا:

 لا بد أن من يروي الحديث عن رسول الله يكون صحابيا، فلو رواه تابعي ولد بعد وفاة الرسول ﷺ، فهذا حديث مرسل وهو من أقسام الضعيف، لأن عندنا انقطاع في السند، وهكذا، ولذلك كان العلماء يهتمون بالمواليد والوفيات، لمعرفة الاتصال والانقطاع في السند.

  • ضعف يرجع إلى الجرح في الراوي:

مثل الحديث المجهول، أو ما كان فيه كذب، كالحديث الموضوع. 

حكم الحديث الضعيف في الحلال والحرام:

 إذا جاءنا حديث فيه: إن الله حرم كذا، أو لعن كذا، أو أوجب كذا؛ نقول لك: كيف تقول بحرمة هذا أو حله؟ وهو لم يثبت لنا من طريق صحيح عن رسول الله ﷺ؟ فالحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام.

يقول الإمام أحمد: كنا إذا روينا في الحلال والحرام تشددنا وإذا روينا في الفضائل تساهلنا.

وقد وقع في هذا الأمر عدد من الفقهاء يضع حكما في مسألة ثم يدلل عليها بحديث ضعيف، وهذا خطأ كبير يرجع إلى أن هذا الفقيه بضاعته في الحديث ضعيفة، أو ربما يدفعه التعصب للمذهب أن يحشد الأدلة كلها صحيحة أو ضعيفة لتأييد قول في المذهب.

حكم الحديث الضعيف في فضائل الأعمال:

فضائل الأعمال مثل: الأذكار، أو فضائل السور، أو بعض الأدعية.

العلماء على قولين:

الأول: عدم قبول العمل بالحديث الضعيف مطلقا، وقالوا نكتفى بالصحيح ففيه غنية عن الضعيف، ولو انشغل الناس بالصحيح لكفاهم.

الثاني: يجوز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل لكن بشروط:

1- أن يكون الحديث في القصص، أو المواعظ، أو فضائل الأعمال، أو نحو ذلك، ولا يتعلق بالأحكام كالحلال والحرام، وغيرهما.

2- أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج حديث من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، والذين فحش غلطهم في الرواية، والحديث الذي كثرت طرقه، ولم تخل طريق منها من شدة الضعف.

 -3 أن يندرج تحت أصل صحيح كالأحاديث الضعيفة الواردة في فضل سورة يس، أو غيرها من سور القرآن، هل معنى هذا لا نقرأ سورة يس؟ كلا، فلو قرأت سورة يس فأنت تقرأ كلام الله عز وجل، ولذلك عند فقهاء الحنابلة استحبوا قراءة يس عند احتضار الميت، وقالوا إنها تسهل خروج الروح؛ عملا بالحديث الضعيف: (اقرأوا يس على موتاكم)

 4- الاعتقاد بعدم ثبوته عن رسول الله، ونذكره بصيغة روي أو ذكر، وهذه يسمونها صيغة التمريض.

تتمة كلام الإمام النووي بالمقدمة:

يقول الإمام: (ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: “ليبلغ الشاهد منكم الغائب” وقوله صلى الله عليه وسلم: “نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها”.

ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها.

قد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثاً مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك.

ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم،

وأذكرها محذوفة الأسانيد، ليسهل حفظها، ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى، ثم أُتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث، لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات وذلك ظاهر لمن تدبّره، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.

الإمام النووي – رحمه الله- قال إنه سيجمع هذه الأحاديث وكل حديث منها

يؤسس لقاعدة من قواعد الدين، أو عمدة في باب من أبواب الفقه، ثم جاء من بعده عالم جليل اسمه الإمام ابن رجب الحنبلي، قال: طالما الإمام ابن النووي وضع هذه القاعدة أن الاحاديث تأسس كل واحد منها لقاعدة وباب من أبواب الشريعة والإسلام، فزاد عشرا فصار العدد اثنين وخمسين حديثا، في كتاب اسمه جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم.

ورغم أن الإمام النووي قال إنه سيلتزم الصحيح في هذا الكتاب، لكن العلماء استدركوا عليه حديثين سنذكرهم فيما بعد إن شاء الله.

قوله: وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها

أي أنه حذف (سلاسل الرواة) ليكون الحفظ أسهل على طلاب العلم ولينتفع بها الجميع من العلماء والعامة.

قوله: ثم أُتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها

أي أنه سيضيف قسمًا في نهاية الكتاب لشرح الكلمات الصعبة أو الغريبة في الأحاديث حتى يفهمها القارئ على وجهها الصحيح.

قوله: وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث

يدعو الإمام كل من يريد النجاة والفوز في الآخرة إلى تعلم هذه الأحاديث،
لأنها تجمع أصول الطاعات والعبادات والمعاملات، ويقول إن ذلك ظاهر لمن تدبرها، أي من تأمل معانيها بعمق.

قوله: وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي

يختم كلامه بإظهار تواضعه واعتماده على الله، لا على حوله وقوته،ويحمد الله على توفيقه، ويسأله العصمة من الخطأ.


[1] كتاب الأربعين النووية هي تسمية مؤلفه من كلمتين وهي: الأربعين: وتعني العدد (40) ورغم أن عدد الاحاديث اثنين وأربعين حديثا إلا أنه قال: الأربعون النووية من باب التقريب في العدد على عادة العرب، والنووية: نسبة إلى (الإمام النووي) رحمه الله- فنسبت إليه وسميت باسمه.

 

Visited 184 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14456 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر