ما حكم مصافحة الرجل للمرأة؟
الجواب:
أولًا: التحية الشفهية (إلقاء السلام) لا حرج في إلقاء السلام الشفهي على المرأة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجمع من النساء فسلم عليهن. ويقصد بالسلام هنا الإلقاء الشفهي للتحية، وليس المصافحة باليد.
ثانيًا: ماحكم المصافحة باليد؟
بعد استقراء آراء العلماء، يمكن تلخيص حكم المصافحة في صورتين أساسيتين:
- الصورة الأولى: تحريم المصافحة مع وجود نية سيئة أو شهوة أو تلذذ جنسي:
إذا اقترنت المصافحة بنية سيئة أو شهوة أو تلذذ جنسي، فلا شك في حرمتها؛ وهذا الأمر متفق عليه بين العلماء، لأن القصد هو الوقوع في الفتنة والشهوة.
- الصورة الثانية: جواز المصافحة عند انعدام الشهوة:
تسقط حرمة المصافحة عند انعدام الشهوة، كما في حالة الطفلة الصغيرة، أو الرجل الكبير في السن (الشيخ)، أو المرأة العجوز. وذلك لقول الله تعالى في سورة النور (الآية 31): “أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ”.
ويؤيد هذا ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يصافح العجائز. وكذلك قوله تعالى في سورة النور (الآية 60): “وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ”.
وهذا يدل على التخفيف على النساء في هذا السن لانعدام الفتنة.
- الصورة الثالثة: المصافحة دون قصد شهوة أو فتنة: ما عدا الحالتين السابقتين، ليس هناك دليل صريح على تحريم المصافحة إذا لم يكن القصد شهوة أو تلذذًا.
ثالثًا: الأدلة التي استدل بها القائلون بالتحريم والرد عليها
- الدليل الأول: حديث “لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له”
- الرد على الاستدلال:
- لم يتفق العلماء على صحة هذا الحديث، ولا يجوز تحريم أو تحليل شيء إلا بحديث صحيح.
- الحديث لم يذكر فيه لفظ المصافحة، بل ذكر لفظ “يمس” وقد قيل إن الوعيد الشديد في الحديث لا يكون لمجرد اللمس، وإنما يقصد به الزنا والوقوع في الحرام، وله نظائر في استعمالات القرآن الكريم.
- الرد على الاستدلال:
- الدليل الثاني: قاعدة سد الذرائع
- تقوم هذه القاعدة على أن المصافحة قد تكون طريقًا إلى الفتنة والشهوة، ولذلك تحرم سدًا للذريعة.
- الرد على الاستدلال:
- سد الذرائع هو أمر احتمالي وليس دليلاً قطعيًا، فمجرد سد الذريعة لا يعني بالضرورة انغلاق الباب تمامًا؛ إلا إذا كانت هناك نية سيئة أو قصد للتلذذ، فلا شك في الحرمة.
- الدليل الثالث: رفض النبي صلى الله عليه وسلم مصافحة النساء عند مبايعتهن
- كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يبايع النساء يرفض مصافحتهن ويقول: “إني لا أصافح النساء”.
- الرد على الاستدلال:
- هذا يعتبر من مجرد أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وليس قولًا صريحًا بالتحريم. فالفعل المجرد قد يدل على الحرمة، أو الكراهة، أو خلاف الأولى.
- يُستدل على ذلك بترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل الثوم والبصل، حيث سأله أبو أيوب الأنصاري: “أحرام هو؟” فقال: “لا ولكني أناجي من لا تناجون”.
- وكذلك إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عندما كانت الجاريتان تغنيان في بيت عائشة، فلما استنكر أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم: “دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا”. وهذا يدل على الجواز.
- فمجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو تركه لا يدل بالضرورة على التحريم القطعي، بل قد يكون لأمر يتعلق بمقامه الشريف أو غير ذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل، سقط به الاستدلال القطعي.
رابعًا: الأدلة على جواز المصافحة في حال أمن الفتنة
- حديث الأمة التي كانت تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم:
- عن أنس رضي الله عنه قال: “إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت” (رواه البخاري).
- وفي رواية الإمام أحمد: “إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت”. هذا يدل على جواز الملامسة عند أمن الفتنة.
- حديث أم حرام بنت ملحان (خالة أنس):كانت أم حرام بنت ملحان تفلي رأس النبي صلى الله عليه وسلم.
تفلي الرأس من المؤكد أن فيها ملامسة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليها ذلك.
- حديث أم أنس (سهلة) وجمع العرق:
- كانت أم أنس تجمع عرق النبي صلى الله عليه وسلم في قارورة عندما كان يقيل عندها.
- لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليها ذلك، مما يدل على جواز الملامسة في حال أمن الفتنة وعدم وجود القصد السيء.
خامسًا: الخلاصة والتوجيه:
- خلص الرأي إلى أن الفقيه يجب أن ينظر إلى جميع الأدلة دون تحيز لقول معين.
- ليس التشدد هو الدين دائمًا، والتيسير لا يعني التساهل في الدين إذا كان محتملاً للدليل.
- فيما يتعلق بالمصافحة، يجوز المصافحة عند انعدام الفتنة والشهوة، كما في حال مصافحة الطفلة الصغيرة، أو الرجل المسن، أو المرأة العجوز.
- وما عدا ذلك، يرتبط الأمر بانعدام الفتنة والشهوة، فيجوز المصافحة لهذه الأدلة المذكورة.
- وينصح من باب الورع ألا يبدأ الرجل بمد يده للمصافحة، وإذا تمت المصافحة، فتكون مجرد تحية سريعة دون إطالة أو قصد لغير ذلك.