كيفية التوبة من المال الحرام

تاريخ الإضافة 17 ديسمبر, 2025 الزيارات : 2168

ما هي كيفية التوبة من المال الحرام؟

المال الحرام له صور وحالات متعددة، فقد يكون محرما لذاته أو لكسبه، والمحرم لكسبه قد يكون مأخوذا برضا مالكه أو دون رضاه، وقد يكون مكتسبه عالما بالتحريم، أو جاهلا، أو متأولا، ولكل صورة حكمها.

 أولا: من اكتسب مالا (محرما لذاته):

 المال المحرم لذاته يراد به (كل عين تعلق التحريم بذاتها)، كالخمر، والأصنام، والخنزير، ونحوها؛ فلا يرده إلى مالكه، ولا يأخذه، بل يجب عليه إتلافه، ولا يجوز له الانتفاع به بيعا، أو شراء، أو إهداء، أو اقتناء، أو غير ذلك.

ثانيا: من أخذ مال غيره بغير وجه حق دون رضاه وإذنه:

 كالمال المسروق، والمغصوب، والمختلس من المال العام، والمأخوذ بالغش والخداع، والرشوة التي يدفعها صاحبها مضطرا ليحصل على حقه، ونحو ذلك: فهذا المال يجب رده إلى صاحبه، ولا تبرأ الذمة إلا بذلك، وإذا أنفقه أو تصرف فيه، فيبقى دينا في ذمته حتى يتمكن من رده لصاحبه.

 ثالثا: من اكتسب مالا حراما بمعاملة محرمة:

 لجهله بتحريم هذه المعاملة، أو اعتقاده جوازها بناء على فتوى من يثق به من أهل العلم؛ فهذا لا يلزمه شيء، بشرط أن يكف عن هذه المعاملة المحرمة متى علم تحريمها، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة، وكان متأولا في ذلك ومعتقدا جوازه لاجتهاد، أو تقليد، أو تشبه ببعض أهل العلم، أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم، ونحو ذلك؛ فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها، وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأن الذي أفتاهم أخطأ… فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التي يفتي فيها بعض العلماء إذا أقبض بها أموال وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك: لم يحرم عليهم ما قبضوه بالتأويل)[1]

 رابعا: من اكتسب مالا محرما مع علمه بالتحريم:

 وقبضه بإذن مالكه ورضاه، كالمقبوض بالعقود الفاسدة ، وأجرة الوظائف المحرمة كالعمل في البنوك الربوية ، أو تقديم الخمر، أو ربح بالمتاجرة بالمحرمات ، أو أجرة الخدمات المحرمة كشهادة الزور وكتابة الربا ، أو المال المأخوذ رشوة لينال دافعها شيئا ليس من حقه ، أو اكتسبه عن طريق القمار والميسر واليانصيب والكهانة ، ونحو ذلك … الخ فهذا المال المحرم لكسبه : لا يلزم رده إلى مالكه على أرجح قولي أهل العلم ، ويلزمه عند أكثر العلماء التخلص من هذا المال الحرام بالتصدق به على الفقراء والمساكين والمصالح العامة ونحوها ، ولو تصرف فيه بأي نوع من التصرفات فيبقى دينا في ذمته ، يلزمه متى قدر على ذلك أن يتصدق به .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن أخذ عوضا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل: أجرة حمال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغي ونحو ذلك: فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم ، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله ؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به ؛ لأنه عوض خبيث ولا يعاد إلى صاحبه ؛ لأنه قد استوفى العوض ، ويتصدق به، كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم )[2]

واختار ابن القيم رحمه الله أنه إن كان فقيرا، فله أن يأخذ من هذا المال بمقدار حاجته، فقال رحمه الله: (فطريق التخلص منه وتمام التوبة: بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي، فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه، عينا كان أو منفعة.)  [3]

ومال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول آخر له إلى أن له أن ينتفع به ولا يلزمه أن يتصدق به، ما دام قد تاب. فقال: (وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طرد هذا أن من اكتسب مالا من ثمن خمر مع علمه بالتحريم ، فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالا محرما، ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي وحلوان الكاهن، وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب كما في قوله: ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) ، وقال تعالى : (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ومما يقوي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع ، بل إما أن يتصدق به ، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مصرّا ، وإما أن يجعل لهذا القابض التائب، فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله من يتصور ما يقول، وإن كان من الفقهاء من يقوله، فإن في هذا فسادا مضاعفا… وأما الصدقة : فهي أوجه . لكن يقال: هذا التائب أحق به من غيره، ولا ريب إن كان هذا التائب فقيرا، فهو أحق به من غيره من الفقراء ، وبهذا أفتيت غير مرة ، وإن كان التائب فقيرا يأخذ منه قدر حاجته فإنه أحق به من غيره ، وهو إعانة له على التوبة ، وإن كلف إخراجه تضرر غاية الضرر ، ولم يتب ، ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق، وأيضا ، فلا مفسدة في أخذه ، فإن المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحبه ، وعينه ليست محرمة ، وإنما حرم لكونه استعين به على محرم ، وهذا قد غفر بالتوبة ، فيحل له مع الفقر بلا ريب ، وأخذ ذلك له مع الغنى : وجه ، وفيه تيسير التوبة على من كسب مثل هذه الأموال… والله سبحانه يقول : (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) ، ولم يقل فمن أسلم ، ولا من تبين له التحريم ، بل قال: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) ، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه ، قال الله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين)[4]


[1] مجموع الفتاوى” (29/443).

[2] مجموع الفتاوى” (22/142).

[3] زاد المعاد (5/691)

[4] مجموع الفتاوى 29/443

Visited 95 times, 2 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14424 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع