خمسة أعمال للتهيئة قبل رمضان

تاريخ الإضافة 21 فبراير, 2025 الزيارات : 262

خمسة أعمال للتهيئة قبل رمضان

حينما تمر الأيام يومًا تلو يوم من شهر شعبان، نتنسم نفحات رمضان المباركة ونفرح أن الله أمد في أعمارنا لندرك هذا الشهرالفضيل؛ سائلين الله تبارك وتعالى أن يجعلنا في هذا الشهر من المقبولين الفائزين، وأن يكتبنا عنده من السعداء في الدنيا والآخرة آمين.

خلال شهر شعبان ينبغي أن نحرص على تهيئة القلوب لشهر رمضان.

لماذا الاهتمام بالقلب؟

لأن القلب هو محل نظر الرب، وهو ملك الأعضاء، فَقوة الإيمان ليست في اليد ولا في الرجل ولا في السمع ولا في البصر ولا في اللسان.

قوة الإيمان في القلب؛ فإذا قوي الإيمان في القلب وصلُحَ القلب، صَلُحَت أعمال الجوارح، وإذا فسد الإيمان في القلب فسدت أعمال الجوارح.

وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” (متفق عليه).

فالاهتمام بقلبك وأنت بين يدي الله عز وجل في صلاتك، في صيامك، في حجك وعمرتك، وفي سيرك إلى الله عز وجل طوال هذه الحياة، إنما هو من باب الإقبال على الله جل وعلا.

ولذلك أوصيكم وأوصي نفسي، ونحن بين يدي رمضان وقد بقي أسبوع تقريبًا، أن نُطهر قلوبنا.

كيف نطهر قلوبنا؟

أولا / تصفية المشاحنات :

وتطهير القلب يكون بالكلمة الطيبة؛ فقد مضى عام، وربما حصلت فيه بعض المشاحنات، بعض المضايقات، بعض المشادات، أو ما شابه ذلك مما يجري بين البشر، فلا مانع من كلمة طيبة، ولا مانع من تصفية النفوس من أي حقد أو غل، فنُقبل على الشهر الفضيل بقلوب سليمة ونقف بين يدي الله بقلوب سليمة ليست عليلة ولا مريضة.

القلب الذي فيه شحناء وبغضاء، لا يُقبل على الله أبدًا، ولا يشعر بالخشوع، بل ولا يُرجى له قبول الأعمال.

فأي أمور دنيوية من السهل أن نتغاضى عنها، أو نتنازل قليلًا، أو نعفو لوجه الله؛ فالله سبحانه وتعالى علمنا ذلك بأن نعفو ونصفح، قال تعالى: “فمن عفا وأصلح فأجره على الله” (سورة الشورى: 40).

وحتى نضع النقاط فوق الحروف: أنا لا أطالب المظلوم أن يتنازل عن حقه لظالم ما زال مصرًا على ظلمه، إنما أقول: ظالم جاء يرجو العفو، ظالم جاء يعتذر لأنه ظلمك أو أساء إليك وأراد الاعتذار، فاقبل، لأن هناك من النفوس من لا تقبل.

أما ظالم ما زال يظلم ويصر على فعله، ثم نقول للمظلوم: اعفُ عنه، فهذا من السذاجة، ولم يأمرنا الإسلام بذلك.

أرجع وأقول: هناك أمور عادية تجري بين البشر، ومع طول الوقت يحدث الجفاء، وسائل التواصل الآن سهلت وقربت لنا التواصل مع القريب والبعيد، من ذوي الأرحام، من الأصدقاء، ومن الأحباب، فلا مانع من كلمة طيبة.

دعك من هذه الكلمات المسبوكة التي تُرسل إرسالًا جماعيًا على الواتساب وغيره، وإنما اكتب كلمة معبرة، أو سجل رسالة معبرة فرمضان مقبل، وكل عام وأنت بخير، واطلب السماح إن كان حصل أي شيء، إلى غير ذلك من هذه الأمور لله عز وجل.

ثانيا/ نُطهر القلوب أيضًا بالتوبة إلى الله:

اسأل نفسك: هل هناك وحشة بينك وبين الله؟ هل هناك تقصير في حق الله عز وجل؟ هل هناك وقوع في بعض السيئات والمعاصي؟

الإمام ابن القيم -رحمه الله- له كتاب اسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، تكلم فيه عن علاج المعصية.

ومن الجمل الرائعة التي قالها: “إن أثر الذنوب على القلوب كأثر السموم على الأبدان، فكما أن السموم تُضعف البدن وتُنهكه وتُمرضه، فإن الذنوب تفعل في القلوب فعل السموم في الأبدان.”

أقصد من هذا أنه كلما وُجدت الذنوب، وكلما تعلق القلب بالمعاصي، كلما ضعف سيرك إلى الله.

ولو سألت نفسك: لماذا أنا كسلان عن صلاة التراويح؟

لماذا أنا كسلان عن تلاوة القرآن؟

لماذا كل الناس سعيدة وفرِحة برمضان، وأنا الأمر لا يُمثل لي شيئًا؟

لماذا صار رمضان بالنسبة لي أمرًا عاديًا، لا يُثير فيَّ شوقًا ولا خشوعًا؟

هذه يا أخي تُسمى وحشة بينك وبين الله.

وحشة بينك وبين الله؛ إما بسبب حجاب الغفلة، أو حجاب المعصية، أو حجاب بسبب ذنوب أبعدتك عن الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله تعالى أن يُزيح عنا الران والغفلة، وأن يُطهر قلوبنا، وأن يأخذ بنواصينا إليه.

 دعني أوضح الحالة: بعض الناس يقول: جاء رمضان وأنا لا أشعر بشيء، جاء رمضان ولا أرغب أن أذهب إلى المسجد كما كنت أذهب في السابق!!

هذه الوحشة لا يُزيلها إلا التوبة إلى الله.

باب التوبة، لا يحتاج إلى استئذان، لا في ليل ولا في نهار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل” (رواه مسلم).

والتوبة أن تندم على ما فعلت، مُقرًّا بذنبك، عازمًا على ألا تعود.

إذا حققت هذه الثلاثة شروط في أي حق من حقوق الله، فأبشر! قال الله تعالى: “وهو الذي يقبل التوبة عن عباده” (سورة الشورى: 25).

لم يقل: يقبل ويرفض، بل قال: “وهو الذي يقبل التوبة عن عباده”.

فمن يتوب، يتب الله عليه، هذا وعد الله.

يعني لا توجد احتمالية قبول أو رفض، بل وعدٌ من الله بالقبول.

وقال سبحانه: “ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا” (سورة النساء: 110).

طيب، ماذا أنتظر؟

طالما أن باب التوبة مفتوح، وطالما أنني سأُزيل هذه الوحشة بالإقبال على الله عز وجل، والله يفرح بتوبة عبده.

وإذا أقبل العبد على الله -كما ورد في الحديث القدسي-: “من تقرّب إليّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقربتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة” (رواه البخاري ومسلم).

كل هذا بيان أنه إذا كانت هناك وحشة وبُعد بينك وبين الله، فإذا أقبلت على الله، أقبل الله عليك، وإذا تُبت إلى الله، تاب الله عليك. وإذا أقبلت على الله مُستأنسًا بطاعته، تاركًا للمعصية وما فيها، فإن الله يُبشرك بالقبول والفوز، قال تعالى: “إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يُبدّل الله سيئاتهم حسنات” (سورة الفرقان: 70).

إذاً تطهير القلوب من الأمراض المتعلقة بالمعاملات البشرية، وتطهير القلوب من التعلق بالمعاصي، لنُقبل على الله بقلوبٍ سليمةٍ صافية، فيها نور الإيمان والإقبال على الله.

ثالثا/نية المرء أبلغ من عمله:

لا أريد أن أسأل مسلما وأقول له: ماذا ستفعل في رمضان؟

فيقول: سأصوم.

يا أخي صيامك هذا كلام مفروغ منه، لأن الصيام فريضة، وكلنا سنصوم إن شاء الله، نسأل الله أن يوفقنا ويعيننا.

لكن أنا أسألك: ما هو البرنامج الإضافي؟ رمضان ميدان للتنافس، فهنا ينبغي أن يكون عندي نية للسباق في هذا الخير العظيم.

لاحظوا يا إخواني، التنافس على الدنيا تضيق به الصدور، أما التنافس على الآخرة فتتسع به الصدور.

ولذلك قال الحسن البصري: “من نافسك في آخرتك فنافسه فيها، ومن نافسك على دنياك فاتركها له، اشبع بها”. سبحان الله! فالسباق نحو مرضاة الله عز وجل، ماذا تنوي إذًا؟ فأنا أضع خططًا للفوز بهذا الشهر.

الله أعلم يا إخواني هل سندرك هذا الشهر الكريم مرات ومرات في حياتنا أم لا؟

كم من واحدٍ فينا لم يبلغ رمضان؟

كم من واحدٍ عاش قدر ما عاش، ومات قبل رمضان؟ فإذا بلغنا الله الشهر، فلنُرِ اللهَ من أنفسنا خيرًا.

ولذلك قال العلماء: “نيةُ المرء أبلغُ من عمله”.

نيةُ المرء أبلغ من عمله، بمعنى: لو أنني الآن نويتُ أن أصوم شهر رمضان كاملًا وأقوم لياليه، وبإذن الله سأختم القرآن مرة أو مرتين أو ثلاثًا حسب مقدرتي، وبإذن الله سأُواظب على أذكار الصباح والمساء، وبإذن الله سأقوم بأعمال الخير، فإن حدث طارئٌ، أو ألمَّ بي عذرٌ كمرضٍ أو سفرٍ أو ضيقِ حالٍ، فإن الأجر مكتوبٌ لي بنيتي، وهذا هو معنى “نيةُ المرء أبلغُ من عمله”.

فلو نويتُ الصيامَ كاملًا ولكن شاء الله أن أسافر أو أمرض، أو نويتُ قيامَ جميع الليالي ولكن شاء الله أن أتعب في ليلةٍ أو أقصرَ في ليلةٍ، فإن الله يجزي العبد بنيته.

رابعا/ تعلُّم أحكام الصيام:

فقه العبادة التي نقوم بها واجبٌ على كل مسلم، فمن يُرد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين.

كثيرٌ من الناس في رمضان يسألون في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ، وهذا بسبب جهلهم بالمعنى الشرعي لحقيقة الصيام.

وفي وسائل التواصل الاجتماعي نجد للأسف من يسعون إلى حصد المشاهدات والشهرة بنشر العجائب والغرائب، وتكثر هذه المقاطع في رمضان.

فيأتيني البعض ويقول: “يا شيخ، ما رأيك في هذا المقطع؟” فأقول لهم: خذوا دينكم من العلماء.

يقول لك أحدهم: “وأنت تتوضأ، لا بد أن تتجنب وصول الماء إلى شفتيك، لأنك لو فعلت ذلك فقد أفطرت!” الله أكبر! إلى آخر هذه العجائب، فهؤلاء الذين يريدون حصد المشاهدات والشهرة لا يُؤخذ منهم الفقه والعلم.

الفقه ليس بالعجائب ولا بالغرائب، بل الفقه أن تعلم ما يلزمك لعبادة ربك.

وإن شاء الله تعالى، في هذا المسجد المبارك، سيكون عندنا دورةٌ شرعيةٌ في فقه الصيام، حتى يكون المسلم على وعيٍ وبصيرةٍ بأحكام صيامه، فيصوم صيامًا صحيحًا مقبولًا، ويُقبل على الله بعلمٍ وفهمٍ وخشوع.

وهناك طبعًا الحالات الخاصة وأصحاب الأعذار، وهذه الأمور كلها ينبغي أن تُعلم. وهناك مسائل حديثة كثيرة جَدَّت وظهرت، والناس لا تدري مَن تسأل وكيف تتوجه.

فهنا يجب أن تعلم: ما الذي يجب عليك في حالتك؟ وما هو الحكم الشرعي في حالتك أو حالة ابنك أو والدك أو أخيك أو صديقك؟ فتفهم الأحكام الشرعية وما ينبغي عليك في هذا الأمر حتى لا تقع في الخطأ في العبادة، ثم بعد ذلك تقول: “لم نكن ندري، لم نكن نعرف”.

فمن الاستعداد لرمضان أن تتعلم فقه الصيام.

خامسا/ كن إماما في الخير والدعوة إلى الله:

رمضان فرصة للدعوة إلى الله؛ فكن للخير إمامًا، كن مفتاح خير، بمعنى أن لديك دائرة اتصال من الأصدقاء والمعارف والأحباب والإخوة، وتعلم أن فلانًا هذا مُقصّر، وهذا لا يأتي إلى المسجد، وهذا لا يُصلي الجماعة….

ففرصة رمضان أن تأخذ بيد هذا وتدعو ذاك، وتُبيّن لفلان، وتنصح فلانًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الدال على الخير كفاعله” (رواه الترمذي).

وقال أيضًا: “لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النعم” (متفق عليه).

وقال صلى الله عليه وسلم: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا” وقال: “من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا” (رواه مسلم).

فبدلًا من أن تقتصر على صلاح نفسك فقط، ادعُ غيرك، وانصح غيرك، وخذ بيد غيرك؛ فتَنال بذلك الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى. قُل لفلان: “كم تختم من القرآن في رمضان؟” فإذا قال: “لا والله، أنا لا أقرأ”. قُل له: “تعال نقرأ معًا، ما رأيك أن نمسك المصحف ونسمع الآيات معًا؟”.

وإذا قال آخر: “أنا لا أصلي التراويح في المسجد”. قُل له: “تعال نصلي في المسجد الفلاني، فهناك قارئ يُحسن التلاوة وصوته طيب.

ما رأيك أن نبدأ صلاة التراويح في عطلة نهاية الأسبوع؟ وإذا كانت إحدى عشرة ركعة ثقيلة عليك، تعال نصلي أربع ركعات فقط”. وهكذا تُنشط الناس وتأخذ بأيديهم إلى مرضاة الله عز وجل.

رمضان هذا العام، يا إخواني، الحمد لله، صلاة العشاء عندنا في الأسبوع الأول ستكون في التوقيت الشتوي، الساعة السابعة والنصف، وبعد ذلك ننتقل إلى التوقيت الصيفي، فتكون العشاء حوالي الساعة الثامنة والنصف. وهذا وقت جميل ومريح بخلاف ما كان عليه الحال في سنوات سابقة، حيث كنا نصلي العشاء الساعة الحادية عشرة، وننتهي من التراويح في الواحدة صباحًا، ثم نعود إلى بيوتنا بعد ساعتين تقريبًا، وكان الوضع صعبًا جدًا على الناس.

أما الآن، فالأمر سهل ومُريح، ومن السهل أن نتناصح في الله عز وجل، ونأخذ بأيدي إخواننا وأصدقائنا إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.

كانت هذه بعض الخطوات السريعة نستقبل بها شهر رمضان، ونُقبل فيها على الله سبحانه وتعالى.

ونسأل الله أن يجعلنا من السابقين بالخيرات،

ومن الفائزين بقبول الله ورضوانه.

اللهم اكتبنا عندك ممن يُبلّغهم هذا الشهر.

وبلّغنا ليلة القدر،

واجعلنا من عُتقائك من النار، ومن المقبولين الفائزين.

اللهم آمين.

Visited 33 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع