حرية العقيدة في الإسلام

تاريخ الإضافة 14 يونيو, 2019 الزيارات : 1791

 حرية العقيدة في الإسلام

يقف الإسلام بين الأديان متميزاً في هذا المبدأ الذي قرر فيه حرية التدين، فهو يعلنها صريحة( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة، آية 256

فالإسلام لا يكره أحداً على الدخول في عقيدته، أو الإيمان بدعوته ؛ لأن حرية الاعتقاد هي أول حقوق “الإنسان”

يقول الشيخ محمد الغزالي: في كتابه: جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج: 

أحصيت أكثر من مائة آية تتضمن حرية التدين وتقيم صروح الإيمان على الإقناع الذاتي، وتقصي الإكراه عن طريق البلاغ المبين، إنه الأمر ما يجيء بختام خاص لسورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة يقول عن الكافرين ” فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)التوبة، وهو ختام لا رائحة للإكراه فيه .ا .هـ

 

ولا يملك أحد الضغط على الناس، أو إكراههم على الإيمان حتى ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الدعوة كما يفهم من آية براءة، وكما في قوله تعالى”: َولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)يونس

ولم يتبع الإسلام في يوم من الأيام وهو دعوة الحق، ما تفعله المذاهب والأحزاب من أساليب الإغراء والتضليل والزخرفة، والوعود الكاذبة، بل واجه متبعيه بالواقعية والصراحة، حتى قال: ” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) ” البقرة

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكره أحداً من أهل الكتاب على الدخول في الإسلام، وكانت تتردد في جميع الكتب التي وجهها إلى القبائل التي أسلمت أو عاهدت عبارة واحدة هي: ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها،وعليه الجزية ، وأنهم متى قبلوا أداء الجزية فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم ذمته وأمانه بحيث يتمتعون بذات الحقوق التي يتمتع بها المسلمون ويحق لهم ممارسة شعائرهم الدينية .

ولم يسمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قتل أحداً من أهل الكتاب لأنه لم يسلم، ولم يعرف عنه أنه عذب أحداً أو منعه من التعبد عن طريقته، بل سمعنا بأنه أظهر تسامحاً كبيراً نحو أهل الذمة لدرجة أنه سمح لنصارى نجران بالصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم .

 

وعلى الدرب سار صحابته الكرام ؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أدركته صلاة الظهر أثناء قيامه بتفقد كنيسة القيامة، فأشار عليه البطرك “صفرنيوس”أن يصلي بها فأعتذر منه قائلاً: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي ثم خرج وصلى بمفرده خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها وكتب بعد ذلك كتاباً يتضمن أنه لا يصلي أحد من المسلمين على الدرجة إلا واحد ، ولا يجتمعون بها للصلاة .

 

بل إن نصارى مصر لما تخلصوا من حكم الروم بعد ما تم فتح بلادهم على أيدي المسلمين وعرفوا أن عمرو بن العاص جعل حرية العقيدة الدينية من أسس سياسته، خرج عدد كبير منهم من الأديرة التي كانوا قد اعتصموا بها خوفاً من اضطهاد الروم ، وساروا إلى عمر يعلنون له الطاعة، وكان كبير الرهبان البطرك بنيامين قد اعتصم هو أيضاً ولذات السبب في صحراء مصر بأقصى الصعيد، وقد عرف عمرو أن القبط يكنون للبطرك المذكور محبة كبيرة لذا خصه باحترام خاص في عهد الأمان الذي كتبه للقبط جميعاً حيث قال فيه: فليأت البطريق الشيخ آمناً على نفسه وعلى الذين بأرض مصر والذين في سواها لا ينالهم أذى ولا تخفر لهم ذمة.

 

أساس العلاقة مع غير المسلمين:

نص القرآن الكريم على أساس العلاقة مع غير المسلمين، فقال تعالى:” لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) الممتحنة

فالأساس في التعامل هو البر والقسط مع الناس جميعاً، ولو كانوا غير مسلمين، إلا إذا قاتلوا وحاربوا واضطهدوا، فهنا يشرع القتال، والحرب والجهاد ضدهم .

وذكر العلامة القرافي المالكي معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم فقال: وأما ما أمر به من برهم، من غير مودة باطنة، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف بهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذاهم في الحوار، مع القدرة على إزالته،لطفاً منا بهم، لا خوفاً وتعظيماً، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم بجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، فإن ذلك من مكارم الأخلاق . حقوق الإنسان، الزحيلي ص 209

 

ونهي القرآن الكريم عن مجادلة أهل الكتاب في دينهم إلا بالحسنى، حتى لا تقع العداوة والبغضاء بين الناس، ولا يكون الجدل والعصبية سبيلاً إلى تغيير النفوس، قال تعالىوَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)العنكبوت

كما أباح الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم، واستعارة الأواني منهم،وأجاز مصاهرتهم، والتزوج من نسائهم، المحصنات العفيفات . قال تعالى :

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ (5) المائدة

وهذا الحكم في أهل الكتاب عامة إذا كانوا غير مقيمين في دار الإسلام، أما المقيمون في دار الإسلام فهم مواطنون، ولهم اسم آخر، وهو “أهل الذمة” ولهم معاملة خاصة أيضاً.

و”أهل الذمة ” اصطلاح شرعي مأخوذ من العهد، والأمان وسموا به أخذاً من الأحاديث والمعاهدات، وأن لهم عهد الله، وعهد رسوله، وأنهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذمة المؤمنين، ليعيشوا في حماية الإسلام، وفي ظل الدولة الإسلامية آمنين، وينعمون بأمان المسلمين، وضمانهم بموجب عقد الذمة، وهو عقد دائم يتضمن الحقوق والواجبات للمسلمين وأهل الكتاب ويتم إقرارهم على دينهم، وتمتعهم بحماية الدولة الإسلامية، مقابل دفع مبلغ رمزي زهيد من المال على الغني القادر القوي مع خضوعهم كالمسلمين للأحكام الشرعية في المعاملات، دون العقيدة والعبادة، وهذه الجزية تقابل واجب الزكاة والجهاد على

المسلمين فإن شارك الذمي بالجهاد سقطت عنه الجزية عند فريق من الفقهاء.

اعتراف الباحثين الغربيين بحقيقة سماحة الإسلام:

فقد جاء عن العالم والمستشرق البريطاني السير توماس أرنولد بهذا الصدد ما ترجمته حرفياً: إننا إذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي، ظهر أن الفكرة التي قد شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق.

وقد أورد العالم المذكور العديد من الشواهد الدالة على أن الحكم الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين كان يكفل حرية العقيدة الدينية كفالة تامة، وبصورة خاصة للمسيحيين حيث قال: ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، عسكر أبو عبيدة في محل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا.

وقال في موضع آخر بأن الفتح الإسلامي قد جلب إلى القبط في مصر حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان، وقد تركهم عمرو بن العاص أحرارا على أن يدفعوا الجزية، وكفل الحرية في إقامة شعائرهم الدينية وخلصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي أ نوا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني. (الدعوة للإسلام السير أرنولد نقلاً عن نظام الحكم في العهد الراشدي ص 291)

 

ويقول الدكتور “جوستاف لوبون” في كتاب حضارة العرب: كان يمكن أن تعمي فتوحات العرب الأولى أبصارهم فيقترفون من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة ويسيئون معاملة المغلوبين ويكرهونهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون بنشره في أنحاء العالم ولو فعلوا ذلك لتألبت عليهم جميع الأمم التي كانت بعد غير خاضعة لهم ولأصابهم مثل ما أصاب الصليبيين عندما دخلوا بلاد سوريا مؤخراً، ولكن الخلفاء السابقين الذين كان عندهم من العبقرية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة،

أدركوا أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً فعاملوا أهل سوريا ومصر وأسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم نظمهم وقوانينهم ومعتقداتهم غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في مقابل حمايتهم لهم، وحفظ الأمن بينهم، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب) . نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين ص 291

قضية الردة والحرية الدينية:

الردة: تعني الانقطاع عن الإسلام إلى الكفر، والمرتد هو من كان مسلماً ثم كفر بصريح القول ، أو الفعل ، أو الكتابة .

هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج على نظام الدولة أم جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود؟

إن الخلاف دائر حول مسألتين: هل الردة جريمة سياسية تمثل في الخروج عن نظام الدولة، ومن ثم يترك للإمام معالجتها بما يناسبها من التعازير أي الجرائم غير المنصوص على عقوبة معينة فيها أم هي جريمة عقدية تدخل ضمن جرائم الحدود التي هي حق الله فلا مناص للإمام من إقامة الحد فيها؟

 

يرى فريق كبير من الفقهاءفي العصر الحديث أن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة التي أقرها الإسلام وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين، وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية من نيل أعدائها، وأن ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، في شأن الردة إنما هو باعتبار ولايته السياسية للمسلمين، وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً لا حداً(أي أنها غير مقدرة عقوبتها متروك تقديرها للإمام أو القاضي) .

وأنها جريمة سياسية تقابل في الأنظمة الأخرى بجريمة الخروج بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته وتعالج بما يناسب حجمها وخطرها.

وذهب إلى هذا القول كثير من المحدثين مثل الإمام محمد عبده، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، وعبد الوهاب خلاف، وأبي زهرة،والشيخ يوسف القرضاوي ،  والشيخ عبد العزيز شاويش، ومن رجال القانون الدستوري فتحي عثمان، ود.عبد الحميد متولي، وعبد الحكيم حسن العيلي ود.حسن الترابي ود.محمد سليم العوا.

ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عفا لدى دخوله مكة عن قوم ارتدوا وتوعدهم بالقتل منهم عبد الله بن أبي السرح الذي كان من كتبة الوحي، ثم ارتد فقبل فيه شفاعة عثمان رضي الله عنه بينما امتنع عن العفو عن آخرين مما له دلالة واضحة على أن الردة جريمة تعزيرية لأن الحدود لا تجوز فيها الشفاعة .

وبما ورد عن عمر بن الخطاب:”أن أنسًا عاد من” تستر” فقدم على عمر، فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل، الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر(أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون) قال أنس: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجن” (رواه عبد الرزاق في المصنف: 165/10، 166، الأثر (18696)، والبيهقي في السنن: 207/8، وسعيد بن منصور ص3 رقم (2573)، وابن حزم في المحلى: 221/11، مطبعة الإمام.

 

ومعنى هذا الأثر: أن عمر لم ير عقوبة القتل لازمة للمرتد في كل حال، وأنها يمكن أن تسقط أو تؤجل، إذا قامت ضرورة لإسقاطها أو تأجيلها، والضرورة هنا: حالة الحرب، وقرب هؤلاء المرتدين من المشركين وخوف الفتنة عليهم، ولعل عمر قاس هذا على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” لا تقطع الأيدي في الغزو”، وذلك خشية أن تدرك السارق الحمية فيلحق بالعدو.

 

وهناك احتمال آخر: وهو أن يكون رأي” عمر” أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ” من بدل دينه فاقتلوه” قالها بوصفه إمامًا للأمة، ورئيسًا للدولة، أي أن هذا قرار من قرارات السلطة التنفيذية، وعمل من أعمال السياسة الشرعية، وليس فتوى وتبليغًا عن الله، تلزم به الأمة في كل زمان ومكان وحال، فيكون قتل المرتد وكل من بدل دينه، من حق الإمام، ومن اختصاصه وصلاحية سلطته، فإذا أمر بذلك نفذ، وإلا فلا.

 

على نحو ما قال الحنفية والمالكية في حديث “من قتل قتيلاً فله سلبه” وما قال الحنفية في حديث: “من أحيا أرضًا ميتة فهي له” -انظر كتابنا: “الخصائص العامة للإسلام” ص217)

 

وهذا هو قول إبراهيم النخعي، وكذلك قال الثوري: هذا الذي نأخذ به (المصنف جـ 10، الأثر 18697)، وفي لفظ له: يؤجل ما رجيت توبته (ذكره ابن تيمية في” الصارم المسلول ” ص321.)

 

أما الدكتور محمد سليم العوا:فيضيف لنا بعدًا أصوليًّا جديدًا في النظر لحديث ابن عباس، وهو أقوى حديث للاستدلال في قتل المرتد حدًّا؛ حيث رأى أن الأمر في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “فاقتلوه” ليس للوجوب، وإنما هو للإباحة لوجود قرائن صارفة للأمر من الوجوب إلى الإباحة، ومن ثم تكون العقوبة تعزيرية موكولة إلى الإمام، ومن هذه القرائن:

 

الأمر الأول: أن الأحاديث التي ورد فيها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل مرتدًّا أو مرتدة أو أمر بأيهما أن يُقتل، كلها لا تصحُّ من حيث السند؛ ومن ثم فإنه لا يثبت أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاقب على الردة بالقتل.

الأمر الثاني: ما رواه البخاري ومسلم من أن “أعرابيًّا بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا محمد أقلني بيعتي. فأبى ثم جاءه قال: يا محمد أقلني بيعتي؛ فأبى؛ فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها”، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلاً عن القاضي عياض أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إقالته من الإسلام، فهي حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل ولا أمر بعقابه، بل تركه يخرج من المدينة دون أن يعرض له أحد.

 

الأمر الثالث: ما رواه البخاري عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: “كان رجل نصرانيًّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران. فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض…” الحديث، ففي هذا الحديث أن الرجل تنصر بعد أن أسلم وتعلم سورتي البقرة وآل عمران، ومع ذلك فلم يعاقبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ردته.

 

الأمر الرابع: هو ما وردت حكايته في القرآن الكريم عن اليهود الذين كانوا يترددون بين الإسلام والكفر ليفتنوا المؤمنين عن دينهم ويردوهم عن الإسلام، قال تعالى: “وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (آل عمران: 72). وقد كانت هذه الردة الجماعية في المدينة والدولة الإسلامية قائمة، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاكمها، ومع ذلك لم يُعاقب هؤلاء المرتدين الذين يرمون ـ بنص القرآن الكريم ـ إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه.

وليس من اليسير علينا أن نسلم مع وجود هذه الوقائع المتعددة للردة، ومع عدم عقاب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمرتدين في أي منها، بأن عقوبة المرتد هي القتل حدًّا؛ إذ من خصائص الحدود ـ كما قدمنا ـ وجوب تطبيقها كلما ثبت ارتكاب الجريمة الموجبة لها…. ا.هـ.

 

 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الإسلام في كندا

يبلغ عدد سكان كندا حوالي 33 مليون نسمة ونصف المليون ونسبة المسلمين 1.9%. وتقول بعض المصادر إن النسبة تتعدى 2 %. وحسب إحصائية 2009 يصل عدد المسلمين إلى مليون ونصف المليون ، يعيش أغلبهم في مقاطعة أونتاريو الكندية ثم في كيبيك. ويُظهِر آخر إحصاء للسكان أن الإسلام هو الديانة رقم واحد بين العقائد والديانات غير

تاريخ الإضافة : 8 أكتوبر, 2019 عدد الزوار : 4145 زائر

الإحصائيات

  • 3
  • 1٬348
  • 0
  • 3٬136
  • 0
  • 2٬040٬810
  • 0
  • 101
  • 10٬999