الهجرة النبوية دروس وعبر

تمهيد:
يأتي لقاء هذا اليوم ونحن نقف على عتبات عام هجري جديد ونودع عاما مضى، وتعاقب الليالي والأيام والأشهر والأعوام بالنسبة للمسلم يعني الوقوف وقفة المعتبر المتعظ الذي يحاسب نفسه وينظر فيما مضى وفيما هو مقبل عليه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكون عام خير ورشد وبركة.
والأمة الإسلامية لها أحداث وذكريات لها أعظم الأثر في حياتها، وحدث الهجرة غير مسيرة التاريخ، وتجلى فيه صدق الإيمان، فقد كانت الهجرة مؤشرا لانطلاق الدعوة، ولم تكن الهجرة فرارا من المحنة، أو مجرد انتقال مكاني، وإنما كانت فاتحة العمل الجاد المتواصل.
وفي الهجرة المباركة بعض الدروس التي نتعلمها من هذا الحدث العظيم لنتعلمها ونطبقها إن شاء الله.
عناصر الخطبة:
الدرس الأول: الهجرة والتخطيط الجيد
الدرس الثاني: الهجرة والأخذ بالأسباب والتأييد الإلهي
الدرس الثالث: الثقة في نصر الله
الدرس الرابع: الجميع أسهم في الهجرة
الدرس الخامس: الهجرة تضحية بكل شيء في سبيل الدين
الدرس السادس: مداومة الدعوة والحرص على استمرارها
كلمة أخيرة: الهجرة الباقية المستمرة
الدرس الأول: الهجرة والتخطيط الجيد
إن التخطيط أساس نجاح أي عمل من الأعمال؛ وهو الطريق الذي يرسم بصورة مسبقة ليسلكه فرد أو جماعة عند اتخاذ قرارات أو تنفيذ عمل.
وهو سلوك إسلامي قويم، ومنهج رشيد حثَّ الإسلام على ممارسته في جميع شؤون الحياة؛ وفي حدث الهجرة خطط النبي صلى الله عليه وسلم خطة متينة محكمة:
- علىٌّ – رضي الله عنه- على فراشه صلى الله عليه وسلم متغطيا ببرده، وبات المجرمون ينظرون من شق الباب، يتهافتون أيهم يضرب صاحب الفراش بسيفه.
- عبد الله بن أبي بكر كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة.
- كانت أسماء تعد لهما الطعام ثم تنطلق بالسفرة إلى الغار …ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ(ذات النطاقين)
- ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة، كان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على طريق عبد الله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة ليخفي أثر أقدامه.
- واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً كافراً اسمه عبد الله بن أريقط وكان ماهراً بالطريق ليكون دليلهم وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال.
فتوزيع الأدوار جاء مرتباً مخططاً منظماً وفق خطة علمية مدروسة:
فالقائد: محمد، والمساعد: أبو بكر، والفدائي: علي، والتموين: أسماء، والاستخبارات: عبد الله، والتغطية، وتعمية العدو: عامر، ودليل الرحلة: عبد الله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي.
وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً.
الدرس الثاني: الهجرة والأخذ بالأسباب والتأييد الإلهي
إن الله قادرٌ على حمل نبيه على البراق أو يسخر له الريح – كما سخرها لسليمان – فتحمله في طرفة عين من مكة إلى المدينة، ولكن الله يريد أن يعطينا درساً لا ننساه وهو التخطيط والأخذ بالأسباب.
إن الهجرة يتجلى فيها التعامل مع الأسباب مع التوكل على الله.
فالأسباب ما هي إلا أدوات للقدرة العليا، ومفاتيح لخزائن رحمة الله عز وجل.
ومن تأمل الهجرة، ورأى دقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، يدرك أن الأخذ بالأسباب عبادة تحقق معنى التوكل على الله.
ومع هذا لابد وأن نعلم أن هذه الدقة في التخطيط، ما كان بها وحدها يكون النجاح، لولا التوفيق الإلهي، والإمداد الرباني، فالهجرة جرى فيها القدر الإلهي من خلال الأخذ بالأسباب البشرية.
صور من التأييد الإلهي في حادث الهجرة النبوية
ذكرت كتب السيرة صوراً من معجزات الهجرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة ؛ و يلاحظ أنها جاءت بعد أن أخذ الرسول صلى الله عليه و سلم بكافة الأسباب المتاحة ، و هذا شأن المؤمن يتوكل على الله آخذا بالأسباب، لأن كل شيء لا قيام له إلا بالله ، فالنبي صلى الله عليه و سلم خطط و دبر للهجرة و أخذ بكل أسبابها الممكنة للبشر ، في المكان و الزمان ، و الدليل ، و الراحلة ، و الصاحب ، و الاتجاه ، و الزاد ، و الغار ، و الخروج بليل ، و تسجية على رضى الله عنه على فراشه صلى الله عليه وسلم – كل ذلك مع توكله المطلق على ربه و مولاه الذى كان يجرى له الخوارق بعد استفراغ غاية الجهد ؛ و لذلك قال لصاحبه : { لا تحزن إن الله معنا } و لم يقل : لا تحزن إن خطتنا محكمة ، و هي بالفعل محكمة ، لكن الأمر كله لله من قبل و من بعد.
ومن هذه المعجزات:
المعجزة الأولى: خروج النبي من بينهم سالما بعد اجتماع قريش على قتله؛ فقد اجتمعت قريش في دار الندوة لينظروا في أمر محمد وذلك بقيادة أبي جهل؛ وأجمعوا في نهاية المؤتمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الله سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ…} [الأنفال: 30]
فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمؤامرة قريش، وأن الله أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، قائلاً: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة إلى أبي بكر وأخبره بأن الله أذن له في الخروج، فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فبكى أبوبكر من شدة الفرح، تقول عائشة: ما كنت أعلم أن أحداً يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
فلما كانت عتمة من الليل؛ أي الثلث الأول اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم؛ وعلم ما يكون منهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتغطى ببردي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.[1]
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترق صفوفهم، وقد ضرب الله على أبصارهم الغشاوة فلا يرونه.[2]
المعجزة الثانية: حفظه وصاحبه في الغار
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة [3] في دار أبي بكر ليلاً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن.
ولما انتهيا إلى الغار قال أبوبكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك!!
وكان في الطريق مرة يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومرة خلفه؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك.
وتبعتهما قريش، واهتدت إلى المكان بتتبع آثار الأقدام، فصعدوا الجبل حتى وقفوا أمام الغار!!!
فقال أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا !!
قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما “
فانظر كيف أعمى الله أبصارهم عن رؤيتهما؟! بل لم يدر في خلدهم وجود أحد في الغار!!
المعجزة الثالثة: حادثة سراقة بن مالك بن جعشم
لما أيست قريش منهما أرسلوا لأهل السواحل أن من أسر أو قتل أحدهما كان له مئة ناقة، وكان من دأب أبي بكر أنه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم وكان معروفاً فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟
فيقول: هذا الرجل هاد يهديني الطريق؛ فيفهم من كلام أبي بكر أنه يعني به الطريق وإنما يعني سبيل الخير.
وتبعهم في الطريق سراقة بن مالك بن جعشم وكان قد علم من رسل كفار قريش أنهم يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة ناقة لمن قتله أو أسره.
قال سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمدا أو أصحابه….
قال سراقة: فعرفت أنهم هم ، فقلت له: ليسوا هم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا ؛ ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها …. فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغنا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استويت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره.
فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيته من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أنه قال: اخف عنا .
قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما همّ سراقة بالانصراف قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟! قال سراقة: كسرى بن هرمز؟!!
قال عليه السلام: كسرى بن هرمز.
ودارت الأيام دورتها فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة مستتراً بجنح الظلام مهدوراً دمه يعود إليها سيداً فاتحاً تَحُفُّه الألوف المؤلفة من جند المسلمين …
ويأتي سراقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلن إسلامه بين يديه، ويتراءى له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتل محمد صلى الله عليه وسلم من أجل مئة من النوق، وبعد أن أسلم أصبحت نوق الدنيا لا تساوي عنده قلامةً من ظفر النبي صلى الله عليه وسلم.
ودارت الأيام دورتَها كرةً ثانية وآل أمر المسلمين إلى الفاروق عمر رضوان الله تعالى عليه، وفي ذات يوم من آخر أيام خلافته قَدِم على المدينة رُسُلُ سعد بن أبي وقاص، يبشرون عمر بالفتح، ويحملون إلى بيت مال المسلمين الغنائم، وكان من بين هذه الغنائم تاج كسرى المرصع بالدر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، ووشاحه المنظوم بالجوهر، وسواراه، وما لا حصر له من النفائس، نظر عمر إلى هذا كله في دهشة، وجعل يقلبها بقضيب كان بيده زهداً بها، ثم قال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، وكان في حضرته علي رضي الله عنه، قال يا أمير المؤمنين: أعجبت من أمانتهم؟ لقد عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا.
وهنا دعا الفاروقُ عمر سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، ووضع على رأسه تاجَه، وألبسه سواريه، ثم قال عمر لسراقة: بخٍ بخٍ أعيرابي (تصغير أعرابي) من بني مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواره.
فحمل عَهْدُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسراقة عدّة نبوءات:
- فتح بلاد فارس.
- بقاء سراقة على قيد الحياة إلى أن تُفتح فارس ويلبس سواري كسرى، وهو ما تمّ بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم.
المعجزة الرابعة: شاة أم معبد
اجتاز النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبه في طريقهما بأم معبد فسألاها هل عندك شيء؟ فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى (الضيافة) والشاة عازب؛ لأنهم كانوا مسنتين (مجدبين)؛ فنظر رسول الله إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
قال: هل بها من لبن؟
قالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها قالت: بأبي وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا فدرّت؛ فدعا بإناء فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا؛ ثم شرب وكان آخرها شرباً وقال: ساقي القوم آخرهم شرباً ثم حلب فيه ثانياً حتى ملأ الإناء وتركه عندها ثم ارتحلوا.
ولما جاء زوجها أبو معبد عند المساء يسوق أعنزاً عجافاً ورأى اللبن الذي حلبه عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاة عازب ولا حلوب بالبيت؟
قالت مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا، قال: صفيه، فوصفته فقال لها: هذه والله صفة صاحب قريش ولو رأيته لاتبعته.
الدرس الثالث: الثقة في نصر الله
وأصحاب الدعوات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر المؤلم، والآفاق المظلمة، الحاضر الذي يحكم فيه الحصار حول الدعوة والتضييق على الدعاة؛ لأن ثقتهم في وعد الله رغم العقبات تجعل هذه العقبات هباءً منثوراَ، وهذا اليقين هو الذي نطق به صلى الله عليه وسلم وهو يسوق هذه البشرى لسراقة بن مالك (كيف بك إذا لبست سواري كسرى).
الدرس الرابع: الجميع أسهم في الهجرة
لقد قدم على بن طالب دورا عظيم في الهجرة حيث نام رضي الله عنه في مكان الرسول الكريم، وهو يعلم أن أربعين سيفا تنتظره ستهوى عليه بعد قليل، ولكنه لإيمانه بعظيم عمله ثبت وتشجع وأدى دوره على أحسن وجه.
فالعمل على تنمية طاقات الشباب ودفعهم الى الأمام واستغلال ما بداخلهم من طاقة عظيمة تمكنهم من تغيير الوضع الحالي.
وكذلك الرفع من شأن المرأة وحثها على التقدم، وعدم الإقلال من شأنها في المجتمع فهي التي بإمكانها أن تخرج لنا دعائم لبناء أمة إسلامية قوية، تعمل على رفع راية الإسلام عالية مرفوعة، ولا أحد فينا يستنكر الدور الذي أدته أسماء بنت أبى بكر عندما صمدت أمام قادة قريش وأبت أن تفشي سر رسول الله، علاوة على ما قامت به أثناء الرحلة العظيمة من حرصها على أن تقدم المؤن للرسول الكريم وتذهب له بالطعام والشراب على الرغم من كونها حاملا.
ولا يخفى علينا ما كنا بين المهاجرين والأنصار من تلاحم وإيثار جمعهم الإسلام ليوحد كلمتهم وهدفهم في الحياة ألا وهو بناء دولة إسلامية عالية الشأن.
لقد أسهم الجميع في صنع أحداث الهجرة وما بعدها، أفراداً وأسر، رجالاً ونساءً، فبنوا جميعا الدولة الإسلامية وثبتوا أركانها.
الدرس الخامس: الهجرة تضحية بكل شيء في سبيل الدين
إن أعز ما يملكه الإنسان في هذه الحياة هو دينه، والذي لابد له من تكاليف، والتكاليف لابد لها من تضحيات، وأبرز دروس الهجرة المباركة هي التضحية، والتضحية قاسم مشترك لكل من هاجر.
لقد اشتملت الهجرة المباركة على نماذج رائعة، تحتاج إليها الأمة في جهادها وصناعة تاريخها:
فهذا أبو بكر، وهذا على بن أبى طالب، وهذا صهيب الرومي، وهذا ضمرة بن جندب، وهذه أم سلمة، وهؤلاء أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، نماذج ضحت بكل شيء، المال والنفس والوطن، والولد والزوجة والزوج.
الدرس السادس: مداومة الدعوة والحرص على استمرارها
إننا نجد من معاني الهجرة الانتقال إلى موقع أفضل للدعوة، والتماس المناخ الأرحب لنشرها بين الناس، إن واجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدد كالصلاة والصيام، فهي واجب كل وقت، وهي شاغل المؤمن وهمه في كل حين.
وهذا الدرس نتعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدنية، حيث لقى بريدة بن الحصيب الأسلمي فدعاه فاسلم بريدة هو و من معه.
كلمة أخيرة: الهجرة الباقية المستمرة
الهجرة منهج للتغيير والإصلاح
إننا في حاجه ماسة اليوم إلى تحقيق هذه الهجرة في حياتنا، هجرة إلى الله ورسوله بفعل الطاعات وترك المنكرات، هجرة من الشر والرذيلة إلى الخير والفضيلة، هجرة من الفرقة إلى الوحدة، هجرة من السلبية إلى الإيجابية لتغيير الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة.
قال الإمام العز بن عبد السلام: الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان، وأفضلها هجرة الإثم والعدوان؛ لما فيها من إرضاء للرحمن وإرغام النفس والشيطان.
وقال الإمام ابن القيم: الهجرة فرض عين على كل أحد في كل وقت، وأنه لا انفكاك لأحد من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من عباده، إذ الهجرة هجرتان:
الأولى: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد.
والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه الهجرة الحقيقية، وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها؛ فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.
وأول مراحل الهجرة ترك المعاصي، والبُعْد عن مواطن الشبهات، ولن ينصر الدين رجل غرق في شهواته، والمعروف أن ترك المعاصي مقدم على فعل فضائل الأعمال، والإنسان قد يُعذر في ترك قيام أو صيام نفل أو صدقة تطوع، لكنه لا يُعذر في فعل معصية.
وذلك كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”؛ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
ولذلك عرَّف الرسول صلى الله عليه وسلم المهاجر الحقيقي بتعريف عميق من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فقال فيما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: “إِنَّ الْمُهَاجِرَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ”.
خلاصة الخطبة:
- الهجرة بدأت بتخطيط دقيق ومحكم من النبي صلى الله عليه وسلم.
- الأخذ بالأسباب واجب شرعي لا ينافي التوكل على الله.
- التأييد الإلهي لا يأتي إلا مع استفراغ الجهد البشري.
- المعجزات في الهجرة جاءت تأييدا من الله لنبيه وأولياءه من المؤمنين.
- الثقة بوعد الله سبب للثبات وسط الأزمات.
- من يقين النبي بنصر الله أنه بشر سراقة بسواري كسرى وهو في أصعب لحظات المطاردة.
- الجميع شارك في إنجاح الهجرة رجالًا ونساءً وشبابًا.
- أسماء بنت أبي بكر قدمت نموذجًا رائعًا لشجاعة المرأة المؤمنة.
- علي رضي الله عنه ضحى بنفسه لأداء مهمة خطيرة في سبيل الدين.
- الأنصار قدموا المال والمأوى والإخاء دون تردد.
- الهجرة كانت تضحية كاملة بالنفس والمال والراحة والأهل.
- الصحابة اختاروا الدين على كل متاع الدنيا.
- الهجرة منهج دائم للانتقال من المعصية إلى الطاعة.
- المهاجر الحقيقي من يهجر ما نهى الله عنه.
- نحن مطالبون بالهجرة القلبية إلى الله ورسوله.
- الهجرة اليوم تعني إصلاح النفس وترك الذنوب والثبات على الطاعة.
- الأمة لا تصلح إلا بهجرة جماعية نحو الإيمان والعمل الصالح.
[1] البرد: ثوب مخطط أو عباءة كانت تلبس قديمًا، وغالبًا تكون من صوف أو قطن.
[2] من المشهور بكتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجراً إلى المدينة، مر على الكفار الذين اجتمعوا أمام بيته وقد جمعوا له أربعين رجلاً، يريدون قتله بضربة رجل واحد، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ تراباً من الأرض وألقاه على رءوس الجميع وهو يقرأ هذه الآية، وكأن الأربعين جميعا تجمدوا بأماكنهم وانتظروا جميعا لتلقى التراب على رؤوسهم ولم يتحرك منهم أحد. والقصة سندها ضعيف جدا، والأولى عدم ذكرها إلا للتنبيه عليها.
[3] الخوخة: باب صغير أو فتحة صغيرة تكون في الجدار أو الباب الكبير.