(مجانين ) مقالة طريفة للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله

تاريخ الإضافة 13 يونيو, 2020 الزيارات : 465
مجانين
مقالة للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله فيها طرافة وغرابة
 ومواقف لبعض العلماء والمشاهير
نشرت سنة 1946 وأنشرها هنا بشيء من الاختصار
 
إذا رأيتم رجلاً يمشي في الطريق منفوش الشعر شارد النظر، قد لبس معطفه على القفا ومشى على غير هدى، قلتم إنه مجنون. وقد يكون مجنوناً، ولكنه قد يكون فيلسوفاً أو شاعراً أو رياضياً!
وإذا سمعتم أن رجلاً لا يفرق بين السراويل والقميص ولا بين الجمعة والخميس قلتم إنه مجنون، ولكن أناتول فرانس (والعهدة على الراوي جان جاك روسو) دُعي إلى وليمة يوم الأحد، فذهب يوم السبت ولبث ينتظر متعجباً من تأخر الغداء، ولبثت ربة الدار تنظر متعجبة من هذه الزيارة المفاجئة، ثم لم يرضَ أن يصدق أنه يوم السبت! فهل كان أناتول، نابغة قومه في البلاغة وباقعة العصر، مجنوناً؟
وإذا شاهدتم رجلاً يعتزل في كوخ أو ينفرد في غار، ولا يقبل على الدنيا ولا يكلم الناس، قلتم إنه مجنون. ولكن الغزالي عاف الدنيا وقد اجتمعت له، والمجدَ وقد أقبل عليه، والرياسةَ وقد أتته منقادةً تسعى إليه، وحبس نفسه في أصل منارة الجامع الأموي في دمشق. فهل كان الغزالي، حجة الإسلام وعَلَم الأعلام، مجنوناً؟
وإذا بلغكم أن إنساناً نسي اسمه قلتم إنه مجنون، ولكن الجاحظ نسي كنيته وطفق يسأل عنها حتى جاءه ابن حلال بالبشارة بلُقياها، فقال له: “أنت أبو عثمان”. فهل كان الجاحظ، عبقري الأدب ولسان العرب، مجنوناً؟
ونيوتن، وقد كانت في داره قطة، كلما أغلق عليه بابه وقعد إلى كتبه ومباحثه أقبلت تخرمش الباب وتخشخش بأظفارها، فتشغله عن عمله حتى يقوم فيفتح لها. فلما طال عليه الأمر كَدَّ ذهنه وأطال بحثه، فاهتدى إلى المخلص، ففتح في أسفل الباب فتحة تمرّ منها، فاستراح بذلك من شرها. ثم وُلد لها ثلاث قُطَيطات ففتح لكل واحدة منها فتحة! لم يستطع هذا العقل الكبير الذي وسع قانون الجاذبية أن يتسع لحقيقة صغيرة: هي أن الفتحة تكفي القطة الأم وأولادها.
وأمبير، وقد كانت تعرض له مسائل في الطريق فلا يجد قلماً لها وورقاً، فحمل معه حَوّاراً (الطباشير)، فكلما عرضت له مسألة ورأى جداراً أسود وقف فخط عليه، فرأى مرة عربة سوداء واقفة فجعل يكتب عليها أرقامه ورموزه، واستغرق فيها حتى سارت العربة، فجعل يعدو خلفها وحَوّاره بيده وهو لا يدري ما يصنع!
وهنري بوانكاريه (واحد من أكبر علماء الفيزياء والرياضيات في القرن التاسع عشر)، وقد دعا قومه إلى وليمة في داره وضرب لها الساعة السابعة موعداً، فلما حل الموعد وجاء القوم كان مشغولاً، فدعَوْه فلم يسمع، وألحّوا عليه فلم ينتبه، وكانوا يعرفون شذوذه، فأكلوا وانصرفوا.
وقام بعد ساعتين فأمَّ غرفة المائدة فرأى الصحون الفارغة والملاعق المستعملة وبقايا الطعام، فجعل يفكر: هل أكل أم هو لم يأكل؟ ثم غلب على ظنه أنه قد أكل، فعاد إلى عمله!
وأمر الله أفندي، العالم التركي المشهور صاحب «المَعْلمَة» (دائرة المعارف) التركية، وقد كان يركب البحر كل يوم ما بين داره في إسكِدار وعمله في إسطمبول، فركب يوماً وكان إلى جنبه موظف كبير في السفارة البريطانية، وكان في جيبه فستق حلبي، وكان أمر الله أفندي مشغول الفكر فجال بيده وهو لا يشعر، فسقطت في جيب البريطاني ووقعت على الفستق، فأخرج منه فأكل. وظن الرجل أنه مزاح فسكت، ولكن الشيخ عاد وأوغل في الأكل حتى كاد يستنفد الفستق كله، وكان الفُلْك مزدحماً ما فيه مفر للبريطاني من هذه الورطة، فأحبّ أن يتلطف بالشيخ حتى يكف، فسأله: كيف وجدت الفستق؟
قال: عال! وعاد إلى تفكيره وأكله، فقال له: ولكن ليس في جوار الدار مثله أشتريه للأولاد، وإذا دخلت عليهم من غير فستق بكوا.
قال الشيخ؛ عجيب! وعاد إلى الأكل والتفكير، فقال له: أفلا تتكرم بإبقاء شيء لهم؟
قال: بلى، بكل امتنان، وأخرج طائفة من الفستق فدفعها إلى الإنكليزي وأكل الباقي!
وقد وُلّي وزارة المعارف وأُعطي عربة، فكان كلما بلغت به العربة المنزل وفتح له السائق الباب أخرج كيسه وسأله: كم تريد؟ فيقول له: يا سيدي، هذه العربة لمعاليك.
فيتذكر ويقول: طيب.
وقد سألته امرأةٌ مرة (وكان يمشي أمام داره): أين دار وزير المعارف يا سيدي؟ فقال لها: ومن هو وزير المعارف الآن؟!
وصديقنا اللغوي العراقي عبد المسيح وزير ، وقد دخل مرة غرفة غيرَ غرفته في وزارة الدفاع، وكان من كبار موظفيها، فرأى أثاثها على خلاف ما كان يعهد، فغضب ودعا الفرّاش وقال له: حوِّلْ هذه المنضدة، انقل هذا الهاتف ، اعمل كذا، افعل كذا … فلما استوت له كما يريد نظر فقال: أهذه غرفتي؟ قال: لا يا?سيدي. فانتقل إلى غرفته!
وكنا نزوره أنا وأنور العطار، فدعا لنا مرة بشاي، وتدفق بالحديث وهو يشرب كأسه، فلما فرغت وضعها وتناول كأس الأستاذ العطار فشربها، ثم ثلّث بكأسي، فلما جاء الفرّاش يأخذ الكؤوس قال: سألتكم بالله، هل تريدون كأساً أخرى؟!
وصديقنا الكبير سامي بك العظم مفتش العدلية العام ، وقد حدثني من فمه أنه دعا فلاناً (وكان رئيساً للوزارة) إلى الغداء في داره في أقصى المهاجرين، فلما كان اليوم الموعود جاء الرئيس بسيارته إلى باب المنزل، فنزل منها وصرف السائق لئلا يطول عليه الانتظار، واجتاز الحديقة الممتدة وصعد الدرج العالي، وقرع الباب فلم يردّ أحد عليه، فعاد إلى البلد ماشياً في شمس الهاجرة من آب (أغسطس).
أما سامي بك فقد نسي الموعد، ولم يكن في الدار أحد لأن أسرته في القاهرة، فذهب فتغدى في المطعم!
وصديقنا الأديب العالم الرّاوية عز الدين التنوخي، وقد دعا للبحث في إعداد مهرجان المتنبي من سنين جمهرةً من أدباء البلد إلى المَجْمَع العلمي يوم كان أمين سره، فلما جاؤوا وجدوا المجمع مغلق الباب، فذهب بعضهم إلى دار الأستاذ يسأل عنه خشية أن يكون به مرض، وإذا هو يشتغل بتحقيق كتاب أبي الطيب اللغوي، وإذا هو يحدثهم عن الكتاب، أما حكاية الدعوة فقد نسيها من أساسها!
أفكان هؤلاء، وفيهم كل عبقري عَلَم وكل نابغة إمام، أكانوا كلهم مجانين؟
أما في رأي العامة فَنَعَمْ! ذلك لأن القافلة تمشي، فمن سايرها عَدَّه أهلُها عاقلاً، ومن تقدم عنها يسلك طريقاً جديداً قد يكون أقرب وآمن عَدُّوه مجنوناً كمن تأخر عنها ليتيه في مجاهل الصحراء! لكن ذاك جنون العبقرية، وهذا جنون المارستان. إن العبقري شَغَل بالعلم فكرَه كله فلم يبق منه شيء لفهم الحياة، فصار عند أهلها مجنوناً.
 


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 1
  • 2٬999
  • 2٬434
  • 3٬853
  • 3٬050
  • 3٬337٬756
  • 300٬248
  • 177
  • 2