ما حكم إعفاء اللحية وما طولها ؟ وهل شعر الخدين من اللحية؟
الجواب:
اللحية هي الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللحيين، وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلي، والعارضان هما صفحتا الخد.
وموضوع اللحية، من المسائل الفقهية التي كثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.
والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، فاتفق الفقهاء على أن إعْفاء اللحية مَطلوب شرعا، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات ؟ على قولين:
الأول: قول المالكية والحنابلة بحرمة حلقها :
وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب”.
وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “احْفُوا الشوارِبَ واعْفُوا اللِّحَى”.
حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ
الثاني :يكره حلقها تحريماً عند الحنفية ويكره تنزيهاً عند الشافعية .
وقد استندوا في ذلك إلى:
ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف “. ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.
حيث أفاد الحديث أن إعفاء اللحية من السُنَن والمَندوبات المَرغوب فيها إذ كل ما نصَّ عليه من السُنَن العادية.
وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا “خالِفوا المُشركين..”.
وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: “إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم”. رواه البخاري ومسلم
مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري
وفي شرح النووي لصحيح مسلم “ج14 ص80” ما نصه:قال القاضي عياض قال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط، قال: واختلاف السلف في فصل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك.
الخلاصة :
نخرج من هذا بأن إعفاء اللحية أو حلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم- ولذلك فمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناً ولكن لا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أو الابتداع .
ما طول اللحية ؟
طولها ليس فيه نص يوجب حدًّا معيناً؛ لأن التوجيه في الحديث إلي مطلق الترك، ومعلوم أن من ترك لحيته، ولو شيئا يسيراً؛ فهو يقع في مفهوم مطلقي اللحية، إلا أنه ثبت أن لحية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت على عادة أهل زمانه عظيمة وافرة، وكذلك كانت لحى أصحابه، وقد ورد أن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) كان إذا فرغ من موسم الحج قبض بيده على لحيته، ثم أخذ ما زاد عن ذلك
وقال الغزالي (الطول المفرط يشوه الخلقة ) والشرع لم يقصد إلى تشويه خلقة الناس ،والله جميل يحب الجمال .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال القاضي عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحريفها [هكذا بالحاء والراء ولعله محرف عن تحليقها] وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزها.
وقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من لم يحد بحد بل قال: لا يتركها إلى حد الشهرة ويأخذ منها وكره مالك طولها جدًا ومنهم من حد بما زاد على القبضة فيزال ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة.
وقال ابن عبد البر ( التمهيد 24/145 ) : اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية، فكره ذلك قوم ، وأجازه آخرون.
وممن نقل عنه أخذ ما زاد على القبضة عبد الله بن عمر، وأبو هريرة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وخلق من السلف .
حكم شعر الخدين :
اللحية في الأصل ما نبت على اللحي (العظم في جانبي الوجه) و فيها وجهان: من أهل العلم من يقيدها بهذا الموضع، ولذلك يجيز أخذ ما نبت على الخد والرقبة لأن هذا ليس من اللحية.
وهناك وجه ثان يقول: إن ما قارب الشيء أخذ حكمه، واللحية تشمل في الأصل ما نبت على اللحي، وما نبت على الوجنة آخذٌ حكم اللحية؛ لأن ما قارب الشيء فهو آخذ حكمه، لكن لا ينكر على من أخذ من شعر خده أو أخذ من جهة رقبته؛ لأن له وجهاً، وهناك من أهل العلم من يقول بهذا القول، خاصة وأن ظاهر اللغة فيه وجه لهذا.