صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الفوائد لابن القيم(18) تفريغ القلب من الضد وهو ما سوى الله عز وجل

تاريخ الإضافة 4 مايو, 2026 الزيارات : 23

(18) تفريغ القلب من الضد وهو ما سوى الله عز وجل 

يقول ابن القيم رحمه الله: قبُول الْمحل لما يوضع فِيهِ مَشْرُوط بتفريغه من ضدّه وَهَذَا كَمَا أَنه فِي الذوات والأعيان فَكَذَلِك هُوَ فِي الاعتقادات والإرادات.
فَإِذا كَانَ الْقلب ممتلئا بِالْبَاطِلِ اعتقادا ومحبّة لم يبْق فِيهِ لاعتقاد الْحق ومحبّته مَوضِع كَمَا أَن اللِّسَان إِذا اشْتغل بالتكلم بِمَا لَا ينفع لم يتَمَكَّن صَاحبه من النُّطْق بِمَا يَنْفَعهُ إِلَّا إِذا فزع لِسَانه من النُّطْق بِالْبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَارِح إِذا اشتغلت بِغَيْر الطَّاعَة لم يُمكن شغلها بِالطَّاعَةِ إِلَّا إِذا فرغها من ضدها.

كلام ابن القيم رحمه الله يدور على قاعدة عظيمة في تزكية القلب: أن الشيء الطيب لا يستقر في محل مشغول بضده.

فالقلب إذا كان ممتلئًا بالباطل، أو بالشهوات، أو بالشبهات، أو بمحبة غير الله محبة تزاحم محبة الله، أو بالخواطر الفارغة والعلوم التي لا تنفع، فإنه لا ينتفع بالحق انتفاعًا كاملًا، لا لأن الحق ضعيف، بل لأن المحل غير مهيأ لقبوله.

وقد نص ابن القيم في الفوائد على أن القلب إذا امتلأ بالباطل اعتقادًا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع، وشبّه ذلك باللسان إذا شُغل بما لا ينفع لم يتمكن من النطق بما ينفع حتى يفرغ من الباطل، وبالجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة حتى تُفرغ من ضدها.

ومعنى قوله: “قبول المحل لما يوضع فيه” أن القلب أو اللسان أو الجوارح مثل الوعاء؛ لا يقبل الشيء الجديد النافع إلا إذا كان فيه فراغ يناسبه، فالكأس الممتلئ بعصير أو أي سائل لا ينتفع صاحبه بوضع اللبن، أو الماء فيه حتى يفرغه وينظفه. وكذلك القلب الممتلئ بالغفلة والشهوات والعلائق الفاسدة لا يكفي أن يسمع الموعظة أو يقرأ القرآن، بل يحتاج قبل ذلك إلى تفريغ القلب من المزاحمات؛ فالتزكية تجمع بين التطهير والتنمية، فلا ينمو الزرع حتى يُنقَّى موضعه من الشوائب والنباتات الضارة، وكذلك القلب لا يصلح للتدبر والاتعاظ حتى يُفرَّغ من اللهو والغفلة والباطل.

وقوله: “بتفريغه من ضده” هو ما يسميه العلماء: التخلية قبل التحلية.

  • التخلية: إزالة الباطل والمرض والمانع.
  • والتحلية: ملء القلب بالحق والإيمان والطاعة.

ولذلك لا تبدأ كلمة التوحيد بالإثبات فقط، بل تبدأ بالنفي: لا إله، ثم الإثبات: إلا الله. فالقلب لا يستقيم فيه التوحيد حتى يخرج منه الشرك والتعلق الفاسد.

ومن هنا ربط العلماء هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية 256]؛ فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، لأن نفي الباطل شرط في صفاء إثبات الحق. وكذلك قال الله عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف، الآيتان 26-27]

وأما قوله: “وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات”

 فمعناه أن هذه القاعدة ليست حسية فقط، بل معنوية أيضًا.

في الذوات والأعيان: الإناء الممتلئ لا يقبل شيئًا آخر، والأرض المملوءة بالحشائش الضارة لا ينمو فيها الزرع الحسن كما ينبغي.

وفي الاعتقادات: من امتلأ قلبه بالشبهة، أو سوء الظن بالله، أو تصور فاسد عن الدين، يصعب عليه قبول الحق حتى تُزال الشبهة.

وفي الإرادات: من امتلأ قلبه بإرادة الدنيا، والرياء، والشهوة، والتعلق بالمخلوق، يصعب عليه أن يمتلئ بإرادة الله والدار الآخرة حتى يفرغ قلبه من تلك المزاحمات.

فالنفس تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس، الآية 9] وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى، الآية 14]

ومعنى ذلك أن التزكية ليست مجرد إضافة عبادات على قلب مليء بالفساد، بل هي ترك وفعل: ترك لما يضر القلب، وفعل لما يحييه.

 يقول ابن القيم رحمه الله: القلب إذا امتلأ بالباطل من جهتين:

  • جهة الاعتقاد: مثل الشبهات، والتصورات الفاسدة عن الله والدين والقدر والآخرة، وسوء الظن بالله، والجهل الذي يلبس على صاحبه الحق.
  • وجهة المحبة: مثل تعلق القلب بما يبعده عن الله، من شهوة محرمة، أو رياء، أو حب دنيا يطغى على الآخرة، أو تعلق بالمخلوق حتى يزاحم محبة الخالق.

لم يبق فيه مكان صالح يستقر فيه الحق اعتقادًا ومحبة، فإذا اجتمع في القلب اعتقاد فاسد ومحبة فاسدة صار القلب مشغولًا من الداخل، فلا ينتفع بالحق كما ينبغي.

 ثم انتقل إلى الجوارح فقال إن الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها، فالعين إذا امتلأت بالنظر الحرام ضعفت عن النظر في المصحف والاعتبار بآيات الله، والأذن إذا تعودت سماع الباطل ضعفت عن الإصغاء للقرآن والعلم، واليد إذا اشتغلت بالحرام قصرت عن الخير، والقدم إذا سارت إلى المعصية لم تسر في الطاعة إلا بمجاهدة وترك لذلك الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام، الآية ]120، فالإثم الظاهر يتعلق بالجوارح، والإثم الباطن يتعلق بالقلب من اعتقاد فاسد ومحبة فاسدة وإرادات سيئة.

يقول ابن القيم رحمه الله: فَكَذَلِك الْقلب المشغول بمحبّة غير الله وإرادته والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ إِلَّا يُمكن شغله بمحبة الله واردته وحبه والشوق إِلَى لِقَائِه لَا بتفريغه من تعلّقه بِغَيْرِهِ وَلَا حَرَكَة اللِّسَان بِذكرِهِ والجوارح بخدمته إِلَّا إِذا فرغها من ذكر غَيره وخدمته.

معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن القلب لا يجتمع فيه كمال التعلق بالله مع كمال التعلق بغيره؛ فإذا صار القلب مشغولًا بمحبة شيء يزاحم محبة الله، وإرادة شيء تصرفه عن إرادة الله، والشوق إلى شيء يقطعه عن الشوق إلى لقاء الله، والأنس بشيء يجعله يستغني، أو يغفل عن الأنس بالله، فإنه لا يمكن أن يمتلئ بمحبة الله وإرادته والشوق إليه إلا بعد أن يُفرَّغ من ذلك التعلق المزاحم.

والمقصود ليس أن الإنسان لا يحب أحدًا غير الله مطلقًا، فمحبة الوالدين والزوجة والأولاد والصالحين والمباحات محبة فطرية أو شرعية إذا كانت منضبطة، لكن المقصود محبة غير الله التي تستولي على القلب وتزاحم حق الله، أو تجعل صاحبها يقدم رضا المخلوق على رضا الخالق، أو يأنس بالمعصية والغفلة أكثر من أنسه بالذكر والطاعة.

فقوله: “القلب المشغول بمحبة غير الله” يعني القلب الذي صار محبوبه الأعظم غير الله، أو صار في داخله محبوب يملكه ويوجهه ويأمره وينهاه عمليًا؛ فكلما أراد الطاعة جذبه ذلك التعلق، وكلما أراد الإقبال على الله ذكّره قلبه بذلك المحبوب، وكلما خلا بنفسه لم يجد قلبه يشتاق إلى الله بل يشتاق إلى ما تعلّق به. وهذا من أدق أمراض القلوب، لأن الإنسان قد يكون ظاهره مستقيمًا، لكن قلبه مستغرق في شيء آخر: مال، أو جاه، أو صورة، أو علاقة، أو شهرة، أو شهوة، أو منصب، أو انتقام، أو إعجاب الناس. فإذا امتلأ القلب بهذا، ضاق عن محبة الله الكاملة.

وقوله: “وإرادته” أي أن القلب قد لا يكتفي بمحبة ذلك الشيء، بل تتحول المحبة إلى إرادة وسعي وطلب، فيصير اتجاه الحياة كله نحو هذا المحبوب، فبدل أن تكون إرادة العبد الكبرى: كيف أرضي الله؟ كيف ألقى الله سليم القلب؟ كيف أصلح ديني؟ تصبح إرادته الكبرى: كيف أحصل على هذا الشيء؟ كيف يرضى عني فلان؟ كيف أظهر أمام الناس؟ كيف أبلغ هذه الشهوة؟ وهنا يكون الخطر؛ لأن الإرادة هي التي تحرك الإنسان، فإذا فسدت الإرادة فسدت الحركة.

وقوله: “والشوق إليه والأنس به” أعمق من مجرد المحبة؛ لأن الشوق يدل على أن القلب ينتظر هذا المحبوب ويتلهف إليه، والأنس يدل على أن القلب يجد راحته معه، فمن كان أنسه الأعظم بالغفلة، أو بالناس، أو بالشهوة، أو بالشهرة، أو بالمجالس الفارغة، صعب عليه أن يأنس بالخلوة مع الله، وأن يجد لذة الذكر، وأن يشتاق إلى الصلاة والقرآن والآخرة.

لذلك يقول ابن القيم: لا يمكن أن يُشغل هذا القلب بمحبة الله وإرادته والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره.

أي لا بد من قطع التعلق المزاحم أو إضعافه حتى يرجع القلب حرًا لله.

وهذا المعنى تؤيده الآيات الكثيرة التي تبين أن القلب لا ينبغي أن يكون مملوكًا لغير الله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة، الآية 165]، فذم الله من جعل محبة غير الله مساوية لمحبة الله أو مزاحمة لها، وأثنى على المؤمنين بأن محبتهم لله أشد وأعظم. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة، الآية 24] فهذه الآية لا تحرم أصل محبة الأهل والمال والمسكن، ولكنها تحذر من أن تكون أحب إلى القلب من الله ورسوله وما يرضيه.

وقوله: “ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته”

معناه أن اللسان والجوارح تابعة لما سكن في القلب، فإذا كان القلب مشغولًا بغير الله، انشغل اللسان بذكر ذلك الغير: حديث مستمر عن الدنيا، أو الناس، أو الشهوات، أو الخصومات، أو المدح والذم، أو اللغو، واشتغلت الجوارح بخدمة ذلك التعلق: العين تنظر لأجله، والأذن تسمع لأجله، واليد تعمل لأجله، والقدم تمشي إليه، فإذا أراد العبد أن يجعل لسانه ذاكرًا لله وجوارحه خادمة لطاعة الله، احتاج أولًا أن يخفف ذكر غير الله الذي استولى على لسانه، وخدمة غير الله التي استولت على جوارحه.

وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» أخرجه البخاري.

فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا للدينار والدرهم والخميصة، لا لأنه يسجد لها، بل لأن قلبه تعلق بها حتى صار رضاه وسخطه تابعين لها.

وهذه حقيقة كلام ابن القيم: ما استولى على القلب صار القلب عبدًا له من جهة المحبة والإرادة والأنس والخدمة.

فالإنسان قد يقول: لماذا لا أجد لذة في الذكر؟ لماذا لساني ثقيل عن القرآن؟ لماذا الصلاة ثقيلة؟ لماذا قلبي لا يشتاق إلى الله؟ فيأتي جواب ابن القيم: انظر ماذا يشغل قلبك ولسانك وجوارحك طوال اليوم؟

القلب الذي قضى يومه كله في التعلق بغير الله، واللسان الذي قضى يومه في ذكر الناس والدنيا، والجوارح التي قضت يومها في خدمة الشهوة والغفلة، لا تنتقل فجأة إلى كمال الأنس بالله إلا بتوبة ومجاهدة وتفريغ تدريجي لهذه المزاحمات.

ومع ذلك، لا ينبغي فهم الكلام على وجه اليأس أو التشدد؛ فليس المطلوب أن تنقطع عن الدنيا كلها، ولا أن تترك كل محبة مباحة، ولا ألا تأنس بأهلك وأصحابك، بل المطلوب أن تكون محبة الله هي الأصل الأعلى، وأن تكون محبة غيره تابعة لها لا مزاحمة لها؛ على النحو التالي:

  • تحب أهلك لله وبما يرضي الله.
  • وتطلب رزقك بطاعة الله.
  • وتأنس بالمباح دون أن ينشغل قلبك به عن الله.
  • وتخدم الناس ولا تجعل رضاهم فوق رضا الله.

فإذا صار غير الله وسيلة إلى طاعة الله لم يضر، أما إذا صار غير الله حاجزًا بينك وبين الله فهنا يبدأ المرض.

يقول ابن القيم رحمه الله: فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بِالشغلِ بالمخلوق والعلوم الَّتِي لَا تَنْفَع لم يبْق فِيهَا مَوضِع للشغل بِاللَّه وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَأَحْكَامه وسر ذَلِك أَن إصغاء الْقلب كإصغاء الْأذن فَإِذا صغى إِلَى غير حَدِيث الله لم يبْق فِيهِ إصغاء وَلَا فهم لحديثه كَمَا إِذا مَال إِلَى غير محبّة الله لم يبْق فِيهِ ميل إِلَى محبّته فَإِذا نطق الْقلب بِغَيْر ذكره لم يبْق فِيهِ مَحل للنطق بِذكرِهِ كاللسان.

معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن القلب إذا امتلأ بالانشغال بالمخلوق، أو امتلأ بالعلوم التي لا تنفع، ضاق عن الانشغال بالله ومعرفته؛ لأن القلب له وجهة وإصغاء وميل، فإذا استُهلكت هذه الطاقة في غير الله لم يبق فيها صفاء كافٍ لمعرفة الله ومحبته وتدبر كلامه.

وقوله: “بالشغل بالمخلوق” لا يعني أن كل تعامل مع الناس أو كل عمل دنيوي مذموم، فالمؤمن يعيش بين الناس، ويعمل، ويتزوج، ويطلب الرزق، ويتعلم، ويؤدي الحقوق، لكن المقصود أن يستولي المخلوق على القلب حتى يصبح هو الهم الأكبر، فيفكر الإنسان دائمًا في رضا الناس، وكلام الناس، ونظر الناس، ومدحهم وذمهم، ومكانته بينهم، أو يتعلق قلبه بشخص أو مال أو منصب أو صورة تعلقًا يزاحم تعلقه بالله.

فإذا صار القلب بهذا الشكل مشغولًا بالمخلوق، ضعف شغله بالخالق، وصار ذكر الله ثقيلًا، وتدبر القرآن ضعيفًا، ومعرفة أسماء الله وصفاته بعيدة عن القلب، لا لأن العلم بالله قليل القيمة، بل لأن القلب مزدحم بما يحجبه عنه.

وقوله: “والعلوم التي لا تنفع” يعني المعارف التي لا تقرب إلى الله، ولا تصلح الدين، ولا تعين على واجب، ولا تحقق مصلحة معتبرة، بل تشغل القلب بالفضول والجدل والتتبع الفارغ والأخبار التي لا ثمرة لها، فيظن صاحبها أنه يتعلم، لكنه في الحقيقة يملأ قلبه بما لا يزكيه.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العلم الذي لا ينفع، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» أخرجه مسلم.

فالعلم النافع هو الذي يورث خشية، وبصيرة، وعبادة، واستقامة، ومعرفة بالله، أما العلم الذي يكثر في اللسان والذهن ولا يصلح القلب والعمل، فهو من جملة ما قد يزاحم القلب عن مقصوده الأعظم.

ثم يبين ابن القيم أن ما يضيع بسبب هذا الامتلاء هو “الشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه”

 وهذه الثلاثة تجمع طريق العبودية: فالشغل بالله يعني حضور القلب معه، ومراقبته، وذكره، والحياء منه، والتوكل عليه، والافتقار إليه؛ ومعرفة أسمائه وصفاته تعني أن يعرف العبد ربه:

  • أنه الرحمن فيرجو رحمته.
  • والغفور فيتوب إليه.
  • والعليم فيستحي أن يراه على معصية.
  • والرزاق فلا يذل قلبه للمخلوق من أجل الرزق.
  • والقوي فيتوكل عليه، والحكيم فيرضى بتدبيره.

ومعرفة أحكامه تعني معرفة ما أمر الله به وما نهى عنه حتى يعبده على بصيرة، فإذا امتلأ القلب بفضول المخلوق وفضول العلوم، لم يبق فيه محل صافٍ لهذه المعرفة العظيمة.

 ثم قال ابن القيم: “وسر ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن”

 وهذا تشبيه دقيق جدًا؛ فالأذن إذا كانت منصتة لكلام شخص، لا تستطيع في اللحظة نفسها أن تفهم كلام شخص آخر فهمًا كاملًا، وكذلك القلب إذا أصغى إلى غير حديث الله، أي أعطى انتباهه الداخلي واهتمامه العميق لغير الوحي والحق، لم يبق فيه إصغاء حقيقي لحديث الله؛ قد يسمع القرآن بأذنه، لكن قلبه غير مصغِ؛ وقد يقرأ الآيات بعينه، لكن قلبه مشغول بشيء آخر؛ وقد يحضر درسًا، لكن داخله منصرف إلى الدنيا والناس والهموم والفضول.

لذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق، الآية 37] فليست العبرة بمجرد وجود الأذن، بل بإلقاء السمع مع حضور القلب.

وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد، الآية 24] فالمشكلة أحيانًا ليست في عدم وصول القرآن إلى السمع، بل في وجود قفل أو شغل أو حجاب على القلب يمنعه من التدبر.

وقوله: “فإذا صغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه”

معناه أن القلب إذا اعتاد أن يستقبل غذاءه من كلام الناس والجدالات والفضول والشهوات والأخبار، صار ضعيف الحس أمام كلام الله، فيسمع الآية ولا تحرك فيه ساكنا، ويسمع الموعظة ولا تنزل منزلها، لأن القلب قد أعطى إصغاءه لغيرها، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يسمع كلامًا مباحًا ولا يتعلم أمور الدنيا، بل يعني ألا يجعل القلب أسيرًا لها، وألا يجعلها هي الأصل، وأن يبقى الوحي هو الكلام الأعلى في قلبه.

ثم قال: “كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته”

 وهذا يربط بين باب العلم وباب المحبة؛ فكما أن القلب إذا أصغى إلى غير كلام الله ضعف فهمه لكلام الله، كذلك إذا مال إلى محبوب يزاحم الله ضعف ميله إلى محبة الله، فالإنسان يعرف هذه الحقيقة من نفسه: إذا استولى حب شيء على القلب، صار القلب يفسر الأمور من خلاله، ويذكره كثيرًا، ويشتاق إليه، ويضحي لأجله، فإذا جاء وقت العبادة وجد القلب ثقيلًا؛ لأن ميله الأعظم في جهة أخرى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة، الآية 165] فالمشكلة ليست في أصل المحبة الطبيعية، وإنما في المحبة التي تزاحم محبة الله أو تتقدم عليها.

 ثم ختم ابن القيم بقوله: “فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان”

 وهذا من ألطف كلامه؛ لأن القلب له نطق كما أن اللسان له نطق، نطق اللسان هو الكلام المسموع، ونطق القلب هو حديث النفس، والخواطر، والاهتمامات، والتعلقات، وما يردده الإنسان في داخله، فإذا كان القلب طوال الوقت “ينطق” بالدنيا، والخوف من الناس، والرغبة في مدحهم، والقلق على الرزق، وتخيل الشهوات، واسترجاع الخصومات، ومتابعة الفضول، لم يبق فيه محل واسع للنطق الداخلي بذكر الله، أي لاستحضار عظمته، ومراقبته، وشكره، والأنس به. وكما أن اللسان لا يستطيع أن يقول في اللحظة نفسها كلامين متضادين، فكذلك القلب لا يستطيع أن يكون في اللحظة نفسها ممتلئًا بالغفلة، وممتلئًا بالحضور مع الله على وجه الكمال.

فالطريق العملي من كلام ابن القيم أن من أراد أن يفهم القرآن فليحرر إصغاء قلبه من الضجيج، ومن أراد أن يحب الله فليخفف التعلقات التي تزاحم محبته، ومن أراد أن يعرف أسماء الله وصفاته وأحكامه فليترك فضول العلم والكلام والمشاهدة التي لا تنفع، ومن أراد أن يذكر الله بلسانه وقلبه فليقلل من ذكر غيره في اللسان والقلب.

وليس المطلوب أن يترك الإنسان الدنيا كلها، بل المطلوب أن تبقى الدنيا في اليد لا في القلب، وأن تكون العلوم خادمة للحق لا حاجبة عنه، وأن يكون التعامل مع الخلق مضبوطًا بطاعة الخالق، وأن يكون القلب إذا خلا بنفسه وجد طريقه إلى الله لا إلى الضياع والفضول.

يقول ابن القيم رحمه الله: وَلِهَذَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي أَنه قَالَ لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يَرِيَهُ خير لَهُ من أَن يمتلئ شعرًا فبيّن أَن الْجوف يمتلئ بالشعر فَكَذَلِك يمتلئ بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات الَّتِي لَا وجود لَهَا والعلوم الَّتِي لَا تَنْفَع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات وَنَحْوهَا.

معنى هذا المقطع أن ابن القيم رحمه الله يستدل بالحديث النبوي على أن “الجوف” أو القلب والباطن قد يمتلئ بشيء حتى يستولي عليه، فإذا امتلأ بالشيء الرديء لم يبق فيه موضع كاف للشيء النافع.

 والحديث الذي ذكره هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» أخرجه البخاري ومسلم.

ومعنى “حتى يريه” أي حتى يأكل جوفه ويفسده ويبلغ منه مبلغًا شديدًا، والقَيْح معروف أنه مادة فاسدة مؤذية تخرج من الجراح، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبّه امتلاء الجوف بالشعر المذموم بامتلائه بالقيح، وهذا يدل على أن الخطر ليس في مجرد وجود الشعر، لأن الشعر منه حسن ومنه مذموم، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر وأقر بعضه، وإنما الخطر أن “يمتلئ” الجوف به حتى يغلب على القلب واللسان والاهتمام، فيشغل العبد عن القرآن والذكر والعلم النافع والعمل الصالح.

ولهذا جاء تبويب البخاري دقيقًا: “ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن”، فالمذموم هو الغلبة والامتلاء والانصراف، لا مجرد قول بيت حسن أو سماع شعر مباح.

وابن القيم يأخذ من الحديث قاعدة أوسع، فيقول: إذا كان الجوف قد يمتلئ بالشعر حتى يصير ضارًا، فكذلك قد يمتلئ بأشياء أخرى ليست شعرًا لكنها تشبهه في الإشغال والإفساد، مثل الشبه، والشكوك، والخيالات، والتقديرات التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات، والمضاحكات، والحكايات، ونحوها.

فقوله “الشبه والشكوك” يعني الأفكار التي تفسد اليقين وتضعف الثقة بالحق، فيبقى القلب يدور حول الاعتراض والوسوسة والاضطراب بدل أن يطمئن بالإيمان والعلم الصحيح.

 وقوله “الخيالات والتقديرات التي لا وجود لها” يعني أن القلب قد يستهلك نفسه في أوهام وسيناريوهات وتوقعات لا حقيقة لها، كمن يعيش في مخاوف لم تقع، أو أحلام فارغة، أو تصورات وهمية عن الناس والمستقبل، فيتعب قلبه بلا فائدة ويضعف حضوره مع الله.

وقوله “العلوم التي لا تنفع” يعني المعلومات التي لا تقرب إلى الله، ولا تصلح دينًا ولا دنيا، ولا تثمر خشية ولا عملًا ولا بصيرة، وإنما تزيد صاحبها فضولًا وجدالًا وتشتتًا؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» أخرجه مسلم

وأما “المفاكهات والمضاحكات والحكايات” فالمقصود بها كثرة التسلية والنوادر والضحك والقصص التي تملأ القلب والوقت، لا أصل المزاح المباح، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا، لكن كثرة الضحك والحكايات إذا غلبت على القلب جعلته خفيفًا غافلًا قليل الخشوع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

فالمشكلة عند ابن القيم ليست أن يعرف الإنسان شيئًا من أخبار الناس، أو يضحك أحيانًا، أو يسمع قصة نافعة، أو يتعلم علمًا دنيويًا يحتاجه، وإنما المشكلة أن يمتلئ الجوف بهذه الأشياء حتى تصير هي مادة القلب وحديثه وغذاءه اليومي، فإذا جاء القرآن وجده مشغولًا، وإذا جاء الذكر وجده باردًا، وإذا جاء العلم النافع وجده متعبًا مشتتًا، وإذا جاءت الصلاة وجد القلب قد استهلك قوته في غيرها.

وهذا المعنى ظاهر في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب، الآية 4] فالقلب واحد، إذا غلب عليه شيء أضعف ما سواه، وإذا امتلأ بفضول الباطل واللغو ضعف نصيبه من الحق والذكر.

وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام، الآية 70] فاللهو إذا صار غالبًا على الإنسان صار حجابًا بينه وبين الجدّ الذي خُلق له.

فالشرح الجامع لكلام ابن القيم أن القلب وعاء، وهذا الوعاء قد يمتلئ كما يمتلئ البطن، وليس امتلاؤه بالطعام فقط، بل يمتلئ بالصور، والأخبار، والشبهات، والجدالات، والضحك، والحكايات، والخيالات، والمعلومات التي لا تنفع، فإذا امتلأ بذلك صار كالجوف الممتلئ قيحًا من جهة الضرر المعنوي، لأن هذه الأشياء وإن بدت خفيفة في ظاهرها، فإنها إذا كثرت صارت مادة القلب، ومن كانت مادة قلبه لهوًا وغفلة وشكوكًا وخيالات، ضعف فيه القرآن واليقين والخشوع ومحبة الله. ولذلك يريد ابن القيم أن يربي الإنسان على حراسة الداخل لا الظاهر فقط؛ فليس المهم فقط ماذا تقول بلسانك، بل ماذا يمتلئ به جوفك؟

وليس المهم فقط ماذا تسمع أذنك، بل ماذا يستقر في قلبك؟ وليس الخطر دائمًا في معصية ظاهرة كبيرة، بل قد يكون في تراكم يومي من فضول لا ينفع حتى يمتلئ القلب، ثم يستغرب صاحبه لماذا لا يخشع؟ ولماذا لا يتأثر؟ ولماذا لا يثبت على الطاعة؟

والطريق العملي من كلامه أن يخفف الإنسان من كل ما يملأ قلبه بلا منفعة: يقلل فضول الأخبار، وفضول الكلام، وفضول المزاح، وفضول الجدال، وفضول التصفح، ويحفظ قلبه من الشبهات بغير علم، ويستبدل ذلك بالقرآن، والذكر، والعلم النافع، ومحاسبة النفس، والصحبة الصالحة، لأن القلب إذا لم تملأه بالحق امتلأ بالباطل، وإذا لم تشغله بما ينفع شغلك بما لا ينفع.

يقول ابن القيم رحمه الله: وَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بذلك جَاءَتْهُ حقائق الْقُرْآن وَالْعلم الَّذِي بِهِ كَمَاله وسعادته فَلم تَجِد فِيهِ فراغا لَهَا وَلَا قبولا فتعدته وجاوزته إِلَى مَحل سواهُ كَمَا إِذا بذلت النَّصِيحَة لقلب ملآن من ضدها لَا منفذ لَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ لَا يقبلهَا وَلَا تلج فِيهِ لَكِن تمر مجتازة لَا مستوطنة وَلذَلِك قيل

نزّه فُؤَادك من سوانا تلقنا … فجنابنا حل لكل منزّه
وَالصَّبْر طلسم لكنز وصالنا … من حل ذَا الطلسم فَازَ بكنزه

ابن القيم رحمه الله يبين النتيجة الخطيرة لامتلاء القلب بالباطل والفضول والشبهات والخيالات والعلوم التي لا تنفع، وهي أن حقائق القرآن والعلم النافع تأتي إلى القلب فلا تجد فيه مكانًا خاليًا تستقر فيه، فتجاوزه إلى غيره.

 فقوله: “وإذا امتلأ القلب بذلك” أي إذا صار القلب مملوءًا بما سبق ذكره من الشبه والشكوك، والخيالات، والتقديرات الوهمية، والعلوم غير النافعة، وكثرة المزاح والضحك والحكايات وفضول الكلام، صار هذا الامتلاء حجابًا بينه وبين الانتفاع بالقرآن والعلم.

وقوله: “جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته” معناه أن القرآن لا يأتي الإنسان بمجرد ألفاظ جميلة، بل يأتيه بحقائق عظيمة: حقائق عن الله، وعن النفس، وعن الدنيا، وعن الآخرة، وعن التوحيد، وعن الإيمان، وعن طريق النجاة، وعن أمراض القلب ودوائها. وهذه الحقائق هي سبب كمال الإنسان وسعادته؛ لأن كمال العبد أن يعرف ربه، ويعرف طريقه إليه، ويعرف ما يصلحه وما يفسده، وسعادته أن يعمل بهذا العلم حتى يلقى الله بقلب سليم. لكن المشكلة ليست في القرآن ولا في العلم، المشكلة في القلب الذي استقبلها وهو ممتلئ بغيرها، فكانت النتيجة كما قال: “فلم تجد فيه فراغًا لها ولا قبولًا”، أي لم تجد مساحة داخلية تستقر فيها، ولم تجد استعدادًا نفسيًا وروحيًا لقبولها، فالقلب مشغول، مزدحم، مائل إلى غيرها، متعلق بما يضادها، فلا يفتح لها الباب فتحًا حقيقيًا.

ثم قال: “فتعدته وجاوزته إلى محل سواه”، وهذه عبارة مؤثرة جدًا، كأن حقائق القرآن مرت على هذا القلب مرورًا ثم تركته وذهبت إلى قلب آخر أفرغ وأنقى وأصدق استعدادًا.

فالآية يسمعها اثنان: أحدهما قلبه فارغ من المزاحمات، حاضر، منكسر، طالب للحق، فتدخل الآية قلبه وتغيره؛ والآخر قلبه ممتلئ بالغفلة والجدل والشهوة والكبر، فتسمع أذنه الآية، لكن قلبه لا يستقبلها، فتمر عليه ولا تستوطن فيه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق، الآية 37] فليس كل من سمع انتفع، بل المنتفع من كان له قلب حاضر، أو ألقى السمع وهو شهيد، أي حاضر غير غافل.

وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف، الآية 146] فالغفلة والكبر والتكذيب تصرف القلب عن الانتفاع بالآيات، ولو وصلت إليه من حيث السماع الظاهر.

 ثم يضرب ابن القيم مثالًا بالنصيحة، فيقول: “كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه”، أي كما أنك قد تنصح إنسانًا نصيحة صادقة نافعة، لكن قلبه ممتلئ بعكسها: ممتلئ بالكبر، أو الهوى، أو حب المعصية، أو سوء الظن بالناصح، أو الرغبة في تبرير نفسه، فتجد النصيحة لا تدخل، لا لأنها غير صحيحة، ولكن لأنه لا يوجد منفذ في قلبه.

فالنصيحة تحتاج إلى باب، وبابها التواضع، وطلب الحق، والخوف من الله، وحسن الظن بالناصح، والاستعداد للمراجعة، فإذا امتلأ القلب بضد ذلك، صارت النصيحة تمر على سمعه فقط ولا تصل إلى قلبه.

ولهذا قال: “فإنه لا يقبلها ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة”، أي لا تدخل دخول استقرار وإقامة، بل تمر مرور العابر، وهذا فرق مهم: قد تمر الموعظة على القلب لحظة فيتأثر الإنسان قليلًا، ثم تنتهي بسرعة؛ وقد تستوطن الموعظة في القلب فتغير نظرته وسلوكه.

الاستيطان معناه أن تصير الحقيقة جزءًا من القلب، يرجع إليها، ويتذكرها، ويعمل بها، وتؤثر في قراراته، أما الاجتياز فمعناه أن يسمع الإنسان الكلام ويتأثر لحظات، ثم يعود كما كان لأن قلبه لم يفرغ لها مكانًا.

ثم أنشد ابن القيم: “نزّه فؤادك من سوانا تلقنا”، ومعناه طهّر قلبك من التعلق بما سوى الله تعلقًا يزاحم الله، تجد الله بقربه وهدايته ومعيته الخاصة ومحبته وتوفيقه. وليس المقصود ألا تحب أهلك ولا تعمل في دنياك ولا تتعامل مع الخلق، بل المقصود أن تنزه قلبك من أن يكون مملوكًا لغير الله، أو أن يكون فيه محبوب أعظم من الله، أو شهوة وفضول وشبهة تستولي عليه حتى تحجبه عن الله.

وقوله: “فجنابنا حل لكل منزّه” أي إن القرب من الله ومقام الأنس به لا يصلح إلا لقلب متنزه متطهر من الأقذار الباطنة؛ فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والقرب منه يحتاج إلى قلب نقي، كما أن المكان الشريف لا يناسبه النجس.

وهذا المعنى تؤيده الآية: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء، الآيتان 88-89]

فالقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحسد والكبر والتعلقات الفاسدة والشبهات المضلة، وسلم لله محبة وتعظيمًا وانقيادًا.

ثم قال: “والصبر طلسم لكنز وصالنا”، والطلسم هنا كناية عن الباب المغلق أو الرمز الذي لا يفتح الكنز إلا به، فكأنه يقول: الوصول إلى الله كنز عظيم، ومفتاح هذا الكنز الصبر؛ فالصبر هو الذي يجعل الإنسان يثبت في طريق تفريغ القلب؛ لأن تفريغ القلب ليس سهلًا، فترك الشهوة يحتاج صبرًا، وترك فضول الكلام يحتاج صبرًا، وترك التعلق بالناس يحتاج صبرًا، وترك الشبهات والجدالات يحتاج صبرًا، والمداومة على القرآن والذكر والعلم النافع تحتاج صبرًا.

وقوله: “من حل ذا الطلسم فاز بكنزه” أي من فهم سر الصبر وطبقه، فصبر على تطهير قلبه، وصبر عن مزاحمات الباطل، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على طلب العلم النافع، فاز بكنز الوصال، أي فاز بالقرب من الله والأنس به ومعرفته ومحبته.

فالشرح الجامع لهذا المقطع أن القرآن والعلم النافع لا ينتفع بهما كل قلب، وإنما ينتفع بهما القلب الذي فيه فراغ وقبول وتواضع وطلب صادق، أما القلب الممتلئ بالباطل والفضول والشهوات والكبر والجدال، فإن حقائق القرآن تمر عليه ولا تستقر فيه، كما تمر النصيحة على من لا يريدها. لذلك لا بد لمن أراد أن يجد أثر القرآن أن ينظف قلبه من المزاحمات، وأن يصبر على هذا التنظيف، لأن القلب إذا تنزه من التعلق الفاسد وجد طريقه إلى الله، وإذا صبر على باب الله فتح الله له كنز معرفته ومحبته والأنس به.

Visited 11 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 192
  • Today's page views: : 215
  • Total visitors : 9,949
  • Total page views: 11,226