صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

شرح الفوائد لابن القيم(19) فَائِدَة في قَوْله تَعَالَى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ

تاريخ الإضافة 5 مايو, 2026 الزيارات : 23

(19) فَائِدَة في قَوْله تَعَالَى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ

قال ابن القيم رحمه الله: أخلصت هَذِه السُّورَة للوعد الْوَعيد والتهديد وَكفى بهَا موعظة لمن عقلهَا فَقَوله تَعَالَى: (أَلْهَاكُمُ) أَي شغلكم على وَجه لَا تعتذرون فِيهِ فَإِن الإلهاء عَن الشَّيْء هُوَ الِاشْتِغَال عَنهُ فَإِن كَانَ بِقصد فَهُوَ مَحل التَّكْلِيف وَإِن كَانَ بِغَيْر قصد كَقَوْلِه فِي الخميصة (إِنَّهَا ألهتني آنِفا عَن صَلَاتي)[1] كَانَ صَاحبه مَعْذُورًا وَهُوَ نوع من النسْيَان.

مراد ابن القيم رحمه الله بقوله: أخلصت هذه السورة للوعد والوعيد والتهديد أن سورة التكاثر كلها جاءت في صورة موعظة شديدة تهز القلب، فهي لا تتكلم عن حكم فقهي تفصيلي ولا عن قصة طويلة، وإنما تضع الإنسان أمام حقيقة عمره: انشغال، ثم موت، ثم علم يقين بما يحدث بعد الموت، ثم رؤية الجحيم، ثم سؤال عن النعيم.

ولذلك قال: وكفى بها موعظة لمن عقلها؛ لأن من فهمها حق الفهم علم أن المشكلة ليست في وجود المال أو الأولاد أو الجاه، وإنما في أن تتحول هذه الأشياء إلى شاغل يستولي على القلب حتى يصرفه عن الله والآخرة.

وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أبلغ من قولنا: شغلكم؛ لأن الشغل قد يكون بالجوارح فقط، أما الإلهاء ففيه ذهول القلب وإعراضه.

فالإنسان قد يعمل بيده وبدنه، لكن قلبه ذاكر لله، فهذا مشغول بعمل مباح لا لاهٍ عن الله، أما إذا انصرف القلب، وغفل، وصار همه الأكبر في الدنيا والمنافسة والمباهاة، فهنا يقع معنى الإلهاء.

ولهذا قال ابن القيم: اللهو للقلب واللعب للجوارح، أي أن اللعب يظهر في حركة البدن، أما اللهو فحقيقته في القلب؛ لأنه انصراف داخلي عن المقصود الأعظم.

وهذا المعنى قريب مما ذكره المفسرون؛ فالطبري فسر الآية بأن المباهاة بكثرة المال والعدد شغلت الناس عن طاعة الله وعما ينجيهم من سخطه، وابن كثير قال: شغلهم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، والسعدي قال: إن الله يوبخ عباده على اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته ومعرفته والإنابة إليه وتقديم محبته على كل شيء.

وقول ابن القيم: شغلكم على وجه لا تعتذرون فيه معناه أن هذا الإلهاء ليس مجرد نسيان عارض يقع للإنسان بغير قصد، بل هو انصراف اختياري مستمر، اختار فيه الإنسان أن يجعل الدنيا في موضع أعظم من موضع الآخرة. ولذلك فرّق بين إلهاء يعذر به صاحبه إذا كان بغير قصد، كمن شُغل بشيء فجأة أو نسي نسيانًا عارضًا، وبين إلهاء مذموم يكون بتعلق القلب بالدنيا حتى يترك لأجلها ما خلق له.

ومن هنا استشهد ابن القيم بحديث الخميصة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ثوب فيه أعلام: إنها ألهتني آنفًا عن صلاتي، فهذا إلهاء عارض لا يدل على أن القلب محب للدنيا، بخلاف إلهاء التكاثر الذي هو تعلق ومباهاة وافتخار واستغراق.

معنى هذه العبارة أن ابن القيم رحمه الله يريد أن يشرح أصل كلمة اللهو في اللغة، حتى يبيّن لماذا كان قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أبلغ من مجرد قول: شغلكم التكاثر.

قال ابن القيم رحمه الله: وَفِي الحَدِيث: (فلهَا عَن الصَّبِي)[2] أَي ذهل عَنهُ، وَيُقَال: لَهَا بالشَّيْء أَي اشْتغل بِهِ، (وَلها عَنهُ) إِذا انْصَرف عَنهُ، وَاللَّهْو للقلب واللعب للجوارح.

أي غفل وذهل عنه، والمقصود أن الإنسان قد يكون معه صبي أو مسؤولية أو أمر ينبغي أن ينتبه له، ثم يعرض قلبه عنه وينصرف انتباهه إلى غيره، فيقال: لها عنه، أي ذهل عنه وغفل وانصرف قلبه. فهذا يبيّن أن مادة لهو فيها معنى الذهول والغفلة والانصراف، لا مجرد العمل أو الحركة.

وقوله: ويقال: لها بالشيء أي اشتغل به معناه أن الإنسان إذا انصرف اهتمامه إلى شيء معين وانشغل به قيل: لها به؛ فاللهو هنا فيه جهة اشتغال؛ لكن ليس أي اشتغال، بل اشتغال يأخذ القلب ويصرفه عن غيره. فليس كل مشغول لاهيًا، وإنما اللاهي هو الذي اشتغل بشيء حتى ذهل قلبه عما هو أولى وأهم.

وقوله: ولها عنه إذا انصرف عنه معناه أن الكلمة تستعمل من جهتين: يقال لها بالشيء إذا اشتغل به، ويقال لها عن الشيء إذا انصرف عنه وذهل. فاللهو يجمع الأمرين معًا: اشتغال بشيء، وانصراف عن شيء آخر.

ثم قال: واللهو للقلب واللعب للجوارح، وهذه قاعدة دقيقة. فاللهو حقيقته في القلب؛ لأنه غفلة وذهول وإعراض داخلي.

أما اللعب فغالب ظهوره في الجوارح؛ كحركة اليد، والرجل، واللسان، والبدن. لذلك قد يتحرك الإنسان بجوارحه في عمل مباح أو ضروري، ولا يكون قلبه لاهيًا؛ لأنه حاضر مع الله، وقد يكون بدنه ساكنًا، لكنه في داخله غارق في اللهو؛ لأن قلبه مشغول بالمقارنات، والشهوات، والتفاخر، والحرص، والخيالات، والغفلة.

ولهذا كان التعبير القرآني ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ شديدًا؛ لأنه لا يذم مجرد وجود أعمال دنيوية في حياة الإنسان، بل يذم أن يأخذ التكاثر قلبه.

فالإنسان يحتاج إلى العمل، والرزق، والزواج، والبيت، والعلم، والوظيفة، وهذه ليست مذمومة لذاتها، لكن المذموم أن تتحول إلى لهو، أي أن تصير شاغلة للقلب عن الله، فيعيش الإنسان للمباهاة والمقارنة والزيادة، وينسى لماذا خلق، وإلى أين يصير.

قال ابن القيم رحمه الله: وَلِهَذَا يجمع بَينهمَا وَلِهَذَا كَانَ قَوْله: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) أبلغ فِي الذَّم من شغلكم فَإِن الْعَامِل قد يسْتَعْمل جوارحه بِمَا يعْمل وَقَلبه غير لاه بِهِ فاللهو هُوَ ذُهُول وإعراض.

معنى كلام ابن القيم رحمه الله هنا أن القرآن لم يقل: شغلكم التكاثر، بل قال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾؛ لأن كلمة ألهاكم أعمق وأشد في الذم من مجرد شغلكم.

فالشغل قد يكون بالجوارح فقط، ولا يلزم منه غفلة القلب. مثلًا: رجل يعمل في تجارته، أو يدرس، أو يكتب، أو يخدم أهله، أو يسعى في رزقه، فهذا مشغول ببدنه وجوارحه، لكن قلبه قد يكون حاضرًا مع الله، مراقبًا له، ذاكرًا للآخرة، مستعينًا بالله، قاصدًا الحلال والنفع. فهذا لا يقال عنه بالضرورة إنه لاهٍ؛ لأنه وإن اشتغل بعمل دنيوي، لم ينصرف قلبه عن المقصود الأعظم.

أما اللهو فهو انشغال القلب نفسه، لا مجرد حركة الجوارح.

لذلك قال ابن القيم: فاللهو هو ذهول وإعراض؛ أي أن القلب يذهل عن الله والدار الآخرة، ويعرض عن التفكر في المصير، ويغرق في التفاخر والمقارنة والمكاثرة. فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان جمع مالًا أو طلب علمًا أو اشتغل بتجارة أو وظيفة، وإنما المشكلة أن هذه الأشياء أخذت قلبه، فصار يعيش لها، ويفرح بها فرح غرور، ويحزن لفواتها حزن من نسي الآخرة.

ولهذا قال ابن القيم قبلها: اللهو للقلب واللعب للجوارح؛ أي أن اللعب يظهر غالبًا في الأفعال الظاهرة، أما اللهو فمحله القلب. وقد يجتمعان، فيكون الإنسان لاهي القلب، لاعب الجوارح، وقد يفترقان، فيعمل الإنسان بجوارحه عملًا كثيرًا لكنه ليس لاهيًا؛ لأن قلبه متصل بالله.

فقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ كأنه يقول: لم يكن الأمر مجرد أن الدنيا شغلت أوقاتكم، بل إنها أخذت قلوبكم، وصرفت همومكم، وملأت خواطركم، حتى نسيتم ما خُلقتم له، وهذا أبلغ في التوبيخ؛ لأن الذم هنا ليس لمجرد العمل أو الكسب أو الحركة، بل لغفلة القلب وانصرافه عن الله بسبب التكاثر.

ويمكن تقريب المعنى بمثال واضح: شخص يعمل ثماني ساعات في اليوم ليكسب الحلال وينفق على أهله، لكنه يصلي، ويذكر الله، ويعلم أن الرزق من الله، ولا يجعل المال مقياس قيمته ولا سبب كبره؛ هذا مشغول وليس مذمومًا. وشخص آخر قد لا يعمل كثيرًا، لكنه طول يومه مشغول القلب بالمقارنات: فلان عنده أكثر، فلان اشترى، فلان ترقى، أنا أريد أن أظهر أكثر، أملك أكثر، أُمدح أكثر؛ فهذا وإن قلت حركته الظاهرة، فهو داخل في معنى اللهو؛ لأن قلبه غافل معرض.

فخلاصة شرح العبارة: الشغل قد يكون مباحًا إذا بقي القلب حاضرًا مع الله، أما اللهو فهو أن يستولي الشيء على القلب حتى يذهله عن الله والآخرة؛ ولذلك كان قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أبلغ في الذم من قولنا: شغلكم التكاثر.

قال ابن القيم رحمه الله: وَالتَّكَاثُر تفَاعل من الْكَثْرَة أَي مكاثرة بَعْضكُم لبَعض وَأعْرض عَن ذكر المتكاثر بِهِ إِرَادَة لإطلاقه وعمومه وَأَن كل مَا يكاثر بِهِ العَبْد غَيره سوى طَاعَة الله وَرَسُوله وَمَا يعود عَلَيْهِ بنفع معاده فَهُوَ دَاخل فِي هَذَا التكاثر فالتكاثر فِي كل شَيْء من مَال أَو جاه أَو رياسة أَو نسْوَة أَو حَدِيث أَو علم وَلَا سيّما إِذا لم يحْتَج إِلَيْهِ وَالتَّكَاثُر فِي الْكتب والتصانيف وَكَثْرَة الْمسَائِل وتفريعها وتوليدها وَالتَّكَاثُر أَن يطْلب الرجل أَن يكون أَكثر من غَيره وَهَذَا مَذْمُوم إِلَّا فِيمَا يقرّب إِلَى الله فالتكاثر فِيهِ مُنَافَسَة فِي الْخيرَات ومسابقة إِلَيْهَا.

معنى كلام ابن القيم رحمه الله أن لفظ التكاثر ليس مجرد الكثرة، بل هو طلب الكثرة على وجه المفاخرة والمغالبة؛ لأن صيغة تفاعل تدل غالبًا على المشاركة بين طرفين، فكأن كل واحد يقول للآخر: أنا أكثر منك مالًا، أو جاهًا، أو علمًا، أو أتباعًا، أو كلامًا، أو شهرة، أو مكانة. فالمشكلة ليست أن عند الإنسان نعمة كثيرة، بل المشكلة أن يجعل الكثرة وسيلة للمباهاة، والمقارنة، وطلب العلو على الناس.

وقوله: وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه معناه أن الله تعالى قال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ولم يقل: ألهاكم التكاثر بالأموال، أو بالأولاد، أو بالجاه؛ لأن المقصود أوسع من ذلك؛ فكل شيء يتكاثر به الإنسان على غيره، ويشغله عن الله والآخرة، يدخل في الآية. وهذا من بلاغة القرآن؛ لأنه حذف المتكاثر به حتى يبقى المعنى مفتوحًا يشمل كل صور التفاخر في كل زمان.

  • فمن الناس من يتكاثر بالمال، فيقيس نفسه بما جمع، وبما اشترى، وبما يملك.
  • ومنهم من يتكاثر بالجاه والمنصب، فيفرح بأنه أعلى من غيره رتبة أو أقرب إلى أصحاب النفوذ.
  • ومنهم من يتكاثر بالرياسة، فيحب أن يكون متبوعًا لا تابعًا، وأن يشار إليه ويُطاع.
  • ومنهم من يتكاثر بالنساء أو العلاقات أو الحديث أو كثرة المجالس والأخبار. بل قد يدخل في ذلك التكاثر بالعلم والكتب والتصانيف وكثرة المسائل، إذا صار المقصود أن يقال: فلان أكثر علمًا، أو أوسع حفظًا، أو أكثر تأليفًا، أو أدق تفريعًا، لا أن يطلب بذلك وجه الله.

وهذه لفتة مهمة جدًا عند ابن القيم؛ لأنه يبين أن مرض التكاثر قد يدخل حتى على أهل العلم والعبادة، لا على أهل الدنيا فقط، فقد يكون الإنسان ظاهره علم أو دعوة أو كتابة، لكن قلبه يريد الكثرة والمباهاة والسبق على الأقران، فيكثر من الكتب، أو التصانيف، أو المسائل، أو الردود، أو الكلام، لا لحاجة نافعة، ولا لإصلاح قلبه، ولا لنفع الناس، بل ليغلب غيره ويظهر عليه، ولذلك قال: ولا سيما إذا لم يحتج إليه؛ أي أن كثرة الكلام أو المسائل أو التصانيف إذا لم تكن لحاجة شرعية أو نفع حقيقي، صارت أقرب إلى التكاثر المذموم.

ثم يضبط ابن القيم القاعدة بقوله: والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره. أي أن حقيقة التكاثر المذموم هي أن يكون قلب الإنسان متعلقًا بفكرة: أريد أن أكون أكثر من فلان، أكبر من فلان، أشهر من فلان، أغنى من فلان، أعلم من فلان، أكثر حضورًا من فلان. فالمعيار هنا ليس رضا الله، ولا نفع الآخرة، وإنما التفوق على الخلق. وهذا يورث الغفلة، والحسد، والكبر، واحتقار الناس، واضطراب القلب؛ لأن صاحبه يعيش في سباق لا ينتهي.

لكن ابن القيم استثنى فقال: إلا فيما يقرب إلى الله. فليست كل منافسة مذمومة؛ إذا كان الإنسان يريد أن يسبق غيره إلى الصلاة، والصدقة، وحفظ القرآن، ونفع الناس، وطلب العلم النافع، وبر الوالدين، وخدمة الدين، فهذا ليس تكاثرًا مذمومًا، بل هو منافسة في الخيرات، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ سورة البقرة: 148، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ سورة المطففين: 26.

فالفرق الدقيق هو هذا: إذا أردت الكثرة لتعلو على الناس، فهذا تكاثر مذموم، وإذا أردت الكثرة لتقرب من الله وتنفع عباد الله، فهذا سبق محمود.

  • فالمال قد يكون تكاثرًا مذمومًا إذا كان للمباهاة، وقد يكون طاعة إذا كان للنفقة والصدقة.
  • والعلم قد يكون تكاثرًا مذمومًا إذا كان للمراء والظهور، وقد يكون عبادة إذا كان للعمل والتعليم والإصلاح.
  • والمنصب قد يكون فتنة إذا طلبه الإنسان للعلو، وقد يكون أمانة إذا استعمله في العدل ونصرة الحق.

ومعنى العبارة في صورة مختصرة: التكاثر هو أن ينشغل القلب بطلب الزيادة على الآخرين في أي شيء من أمور الدنيا أو حتى أمور العلم إذا دخلها الرياء والمباهاة، ولذلك أطلق القرآن اللفظ ولم يحدد نوع التكاثر؛ ليشمل كل ما يتفاخر به الناس، ولا يخرج من الذم إلا ما كان مقصوده التقرب إلى الله والمسابقة في الخير.

قال ابن القيم رحمه الله: وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)

معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة التكاثر بيّن صورة عملية من صور التكاثر الذي يلهي الإنسان، وهي تعلق القلب بالمال، وتكرار قوله: مالي مالي؛ أي ينسب المال إلى نفسه نسبة افتخار وحرص وتملك، كأنه باق له أو باق معه، مع أن حقيقة الأمر أن المال لا يبقى للعبد منه إلا ما انتفع به انتفاعًا مباحًا فانتهى، أو ما قدمه لله فبقي أجره. فالحديث ليس ذمًا لمجرد امتلاك المال، وإنما ذم لتعلق القلب به، والاغترار بكثرته، ونسيان أن مصير الإنسان إلى الموت والحساب.

وقد شرح أهل العلم هذا الحديث بأن مال الإنسان الحقيقي ليس كل ما جمعه وخزنه وعدّه، بل هو ما صار له منفعة حقيقة.

فقوله صلى الله عليه وسلم: ما أكلت فأفنيت معناه: أن الطعام الذي أكلته انتفعت به في بدنك ثم فني وانتهى أثره الدنيوي.

وقوله: أو لبست فأبليت أي الثوب الذي لبسته انتفعت به ثم بلي وذهب. وقوله: أو تصدقت فأمضيت أي ما أخرجته لله تعالى فقد أمضيته وقدّمته أمامك، وهذا هو الباقي لك ثوابه عند الله.

ولذلك قال العلماء: المال من حيث الحقيقة ثلاثة أقسام:

  • قسم استهلكه الإنسان في حاجته.
  • وقسم أبقاه وراءه للورثة.
  • وقسم قدمه لله فصار ذخيرة له في الآخرة.

ومن دقائق الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أولًا ما يأكله الإنسان ويلبسه؛ لأن هذه حاجات مباحة لا يذم عليها العبد إذا كانت من حلال وبغير إسراف، ثم ذكر الصدقة؛ لأنها هي التي ينتقل أثرها من الدنيا إلى الآخرة. فالأكل يفنى، واللباس يبلى، أما الصدقة فتمضي وتبقى.

ولذلك اختار اللفظ: فأمضيت، أي قدّمته وأرسلته أمامك حتى تجده عند الله، بخلاف المال الذي تمسكه للمباهاة فقد لا تنتفع به، وقد يكون سبب حسابك وندامتك.

وهنا يظهر اتصال الحديث بسورة التكاثر: السورة تقول إن الإنسان قد يظل مشغولًا بالزيادة والمقارنة والمفاخرة حتى يزور المقابر، والحديث يقول له: قبل أن تفتخر بقولك مالي مالي، اسأل نفسك: ما الذي صار لك حقيقة من هذا المال؟ هل أكلته ففني؟ هل لبسته فبلي؟ هل تصدقت به فبقي؟ فإن كان المال قد شغلك عن الله، ولم تستعمله في طاعته، ولم تنتفع به في مباح، وإنما جمعته للمباهاة والخوف والحرص، فهو داخل في التكاثر المذموم.

ولا يعني الحديث ذم الغنى مطلقًا، فقد كان في الصحابة أغنياء صالحون، لكن المذموم أن يصير المال مالكًا للقلب.

 فالغني الشاكر الذي يكسب من حلال، وينفق على أهله، ويؤدي زكاته، ويتصدق، ويستعمل ماله في نصرة الحق ونفع الخلق، ليس داخلًا في الذم من حيث غناه، بل قد يكون ماله سبب رفعة له.

أما الذي يقول مالي مالي بلسان الحال أو المقال، ويعيش للجمع والمباهاة وينسى الآخرة، فهذا هو الذي تعالجه الآية والحديث.


[1] ونص الحديث في الصحيحين عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» (خميصة) كساء أسود مربع. (أعلام) جمع علم وهو الخط. (أنبجانية) كساء غليظ لا علم فيه. (ألهتني) أشغلتني. (آنفا) قريبا. (تفتنني) تشغلني عن صلاتي

[2] يشير إلى حديث سهل بن سعد الساعدي قال: أتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد، فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم على فخذه، وأبو أسيد جالس، فلهي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بين يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقلبوه، فاستفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين الصبي؟ فقال أبو أسيد: أقلبناه يا رسول الله. قال: ما اسمه؟ قال: فلان، يا رسول الله، قال: لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر. رواه مسلم، معنى فأقلبوه في الحديث: ردّوه ورجعوا به إلى البيت، أو حوّلوه من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوه منصرفين به.

 

Visited 11 times, 3 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 192
  • Today's page views: : 215
  • Total visitors : 9,949
  • Total page views: 11,226