يوم عاشوراء وشكر نعمة الله في إهلاك الظالمين

تاريخ الإضافة 3 يوليو, 2025 الزيارات : 7995

 يوم عاشوراء وشكر نعمة الله في إهلاك الظالمين

تمهيد:

عاشوراء هو اليوم العاشر من أيام شهر المحرم، وهو يوم من أيام الله تعالى، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، أوقع الله فيه آية من أعظم آياته، ومعجزة باهرة، تلك المعجزة هي إنجاء الله موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وإهلاك فرعون عليه لعائن الله ومن تبعه من المجرمين، فكان هذا اليوم آية وعبرة لكلا الفريقين جميعا: أهل الإيمان والإحسان، وأهل الكفران، والإجرام، والطغيان.

عناصر الخطبة:

أولا / إن فرعون علا في الأرض.

ثانيا/ وما هي من الظالمين ببعيد.

ثالثا /إهلاك الظالمين نعمة.

أولا / إن فرعون علا في الأرض

تبدأ أحداث القصة مع نبي الله يوسف عليه السلام ، حينما بوأه الله مكانة عظيمة بمصر فقد كان عليه السلام عزيز مصر.

واستدعى يوسف أهله ليقيموا معه بمصر، وأقاموا معه في خير منزل وأكرم ضيافة واستوطنوا، وتكاثرت ذريتهم وصار عددهم بالآلاف، بعض الإحصاءات التاريخية تقول إن عددهم جاوز الخمسين أو السبعين ألفًا في ذلك الوقت.

كان حكام شمال مصر في هذا الوقت هم الهكسوس وكانوا ملوكًا، أما حكام مصر فلقب الحاكم وقتها “الفرعون”

وحدثت معركة بين الهكسوس والفراعنة، فطرد الفراعنة الهكسوس وأخذوا ملك مصر كله.

 بطبيعة الحال أي جماعة من الناس كانوا موالين لنظام سياسي منتهي يصبحون أعداء للنظام الجديد، وهذا الذي حدث من فرعون لبني إسرائيل حينما استعبدهم واستذلهم لأنهم من وجهة نظره كانوا موالين للنظام القديم.

فعاش بنو إسرائيل عصرًا من أسوأ عصورهم، استذلهم فرعون وقومه واستعبدوا الرجال، فكانوا يخدمون بالسخرة، وفي نفس الوقت كانوا يذبحون الذكور، لما وجدوا أن عدد المواليد يزيد بكثرة وأن هذه المتوالية الهندسية للمواليد بالنسبة لحال المصريين تعني أن بني إسرائيل سيكونون أغلبية؛ فإذا صاروا أغلبية سيكون لهم صوت ويكون لهم مكانة.

ومن باب المبالغة في الإذلال والإهانة صار فرعون يذبح أبناءهم، فلما كثر الذبح وخافوا أن يفنى بنو إسرائيل، وهم الذين يعملون في السخرة والخدمة بمقابل زهيد أو بلا مقابل غالبًا، قرر فرعون أن يذبح الأطفال الذكور عامًا ويتركهم عامًا.

وولد هارون في العام الذي ليس فيه ذبح، وولد موسى عليه السلام في العام الذي فيه الذبح، وخافت عليه أمه كثيرًا؛ فأوحى الله تعالى إليها: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص، الآية 7]

فهذا أمر الله تعالى لأم موسى أن ترضعه ثم تجعله في شيء في صندوق فتلقي به في نهر النيل حتى يأذن الله تعالى له بالنجاة، وطمأنها الله تعالى ألا تخاف ولا تحزن لأن الله سيرده عليها وسيكون رسولًا في بني إسرائيل.

 وبعناية الله عز وجل وصل هذا الصندوق إلى شاطئ قصر فرعون حيث يقيم فرعون وحاشيته وجنوده.

 فلما جاء الخدم والجواري بهذا الصندوق ورأوا موسى الرضيع، قالت امرأة فرعون: (قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص، الآية 9.

وحرم الله المراضع عليه فلم يقبل إلا على أمه، فرده الله إليها كما وعدها.

وبقي موسى في قصر فرعون أميرًا معززًا مكرمًا؛ لا يناله أحد بسوء.

 ثم حدثت حادثة أنه دخل العاصمة وقتها، كانت اسمها “منف”، فوجد فيها رجلين يقتتلان؛ هذا من شيعته وهذا من عدوه.

 فاستغاثه الذي من شيعته من بني إسرائيل على الذي من عدوه يريد أن يعمل عنده بالسخرة أو بدون أجر، وهذا الرجل من بني إسرائيل لا يريد.

فأراد موسى أن يفض النزاع فلم يرضَ المصري أبدًا أن يترك الرجل من بني إسرائيل، فوكزه موسى وكان قويًا أوتي قوة عشرة من الرجال- كما ذكر-، فوكزه موسى فقضى عليه.

 كانت الضربة قاضية ولم يقصد موسى أبدًا أن يقتله لكن أجله جاء مع هذه الضربة.

وخرج موسى بعد أن علم أنهم تآمروا عليه لقتله وقصد مدين، ومدين مدينة معروفة الآن بالأردن.

والتقى هناك بامرأتين لهما غنم عند بئر، كانت الفتاتان في جانب والناس يسقون، فتعجب كيف تكون هاتان الفتاتان هكذا والناس يسقون؟ قال: (مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) [القصص، الآية 23]

يعني تشرب دوابهم ويأخذوا ما يكفيهم من الماء ثم ينتهون فنتقدم نحن ونستقي لدوابنا، فقام عليه السلام بشهامة ومروءة فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل وقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص، الآية 24]

وحكت الفتاتان لأبيهما، ويقال إنه نبي الله شعيب لكن لا دليل على هذا، ولو كان لسماه القرآن فهو عبد صالح ربما من نسل المؤمنين الذين كانوا في هذا المكان.

 فحكى له قصته، قال: (لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القصص، الآية 25.

وعرضت إحدى البنتين على أبيها أن يستأجره: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) القصص، الآية 26.

فعرض عليه الزواج من إحدى ابنتيه طالما أنه سيدخل ويخرج فالأسلم أن يكون زوجًا.

وجعل مهرها أن يقوم برعاية الغنم ثمانية حجج يعني ثماني سنوات: (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) القصص، الآية 27.

فوافق موسى، والنبي لما سئل أي الأجلين قضى قال: “أوفاهما”، يعني عشر سنوات.

بعد عشر سنوات اشتاق موسى لأهله بمصر، فأخذ زوجته وأولاده ومضى في اتجاه العودة إلى مصر.

فبينما هو في ليلة شاتية مظلمة باردة رأى نارًا من على بعد. (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) طه، الآية 10.

 والإيناس هنا لأنه كان في وحشة، ضل الطريق في ليلة شاتية مظلمة.

فقال: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه، الآية 10.]

وكان من عادة الناس في القديم إذا كان هناك أحد في المكان يشعل نارًا في قمة الجبل فيراها المسافرون ويرون أن هنا أمانًا للنزول وللمبيت ثم بعد ذلك يكملوا سفرهم.

فقال: إني آنست نارًا سأذهب وأجد شعلة تستدفئون بها أو على أقل تقدير أسألهم عن الطريق الصحيح، أو أجد على النار هدى.

فكان الشرف الكبير حينما اقترب من هذه النار فناداه الله رب العالمين: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبِعْ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ) [طه، الآيات 11-16.]

وأجرى الله لموسى آيتين يراهما بعينه حينما يلقي عصاه فتنقلب إلى حية، ويدخل يده في فتحة الجيب فتحة العنق وكان أسمر اللون فتخرج بيضاء كالثلج من غير سوء يعني من غير مرض.

وذهب موسى إلى فرعون كما أمره الله تعالى ، وأجرى الله على يديه تسع آيات أولها اليد والعصا.

فلما عتا فرعون وقومه واستكبروا عن الإيمان، سلط الله تعالى عليهم السنين بأن منع عنهم ماء المطر، فأصابهم قحط شديد، ونقصت الثمرات حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أرسل الله عليهم آية عكسية بعد الجدب والقهر أرسل عليهم الطوفان، ثم الجراد الذي يأكل الزرع ، ثم القمل ، وهو نوع من الحشرات، ثم أرسل عليهم الضفادع ملأت عليهم بيوتهم وطرقهم حتى صارت الحياة جحيمًا، ثم تحولت مياههم كلها إلى دماء.

تسع آيات بينات أجراها الله على يدي نبيه موسى، فلم يؤمن من آل فرعون إلا آسية زوجة فرعون، ورجل من آل فرعون.

ثم شاء الله تعالى أن يؤمن السحرة الذين استعان بهم فرعون للقضاء على موسى باعتبار أنه ساحر، فسجد السحرة جميعًا وقالوا: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ) الأعراف، الآيات 121-122.

بعد ذلك اشتد أذى فرعون، وكلما أراهم الله آية من آياته استغاثوا ورجعوا وقالوا: (يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لأن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل)[الأعراف: 134]

وفي كل مرة ينقضون عهدهم، ولا يفعلون شيئًا، وهذا من أدل الدلائل على ضلال القوم وإصرارهم على الباطل.

 ووقف فرعون فيهم مغرورًا معجبًا بنفسه، وقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص، الآية 38.]

 وكان المصريون في هذا الوقت يعبدون كل شيء يضر لدفع ضرره وكل شيء ينفع لجلب منفعته، فعبدوا البقر وعبدوا الحيات وعبدوا أشياء كثيرة. فكان فرعون يعد نفسه رب هذه الأشياء كلها فقال لهم: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات، الآية 24.]

أربعين سنة يدعو موسى فرعون وقومه للإيمان بالله عز وجل، لكن طبع على القلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكان المشهد الأخير لفرعون مع قومه حينما قال لهم: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) الزخرف، الآيات 51-53. يقصد نبي الله موسى ولا يكاد يبين. قال الله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) الزخرف، الآية 55.

غرق فرعون ونجاة موسى عليه السلام

أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل في اتجاه البحر الأحمر، وعلم فرعون في الصباح بخبرهم ، فاتبعهم بجنوده، وهنا صار الموقف صعبًا وعصيبًا، بنو إسرائيل أمامهم البحر وخلفهم فرعون بجنوده، وكانت مصر دولة عظمى، قوية عسكريًا، فجيش فرعون من أقوى الجيوش، قالوا: (يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) الشعراء، الآية 61. قال: (كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء، الآية 62.]

 أنا أتبع أمر الله والله تعالى سيهديني إلى الطريق الصحيح، فأرى الله بني إسرائيل آية عجيبة ، وهي: أن موسى ضرب البحر بعصاه فيبس ماء البحر، تجمد ماء البحر وصار جسورًا لبني إسرائيل يعبرون عليها بقدرة من يقول للشيء كن فيكون.

وجعل الله تعالى لبني إسرائيل 12 جسرًا يعبرون عليها، كل سبط من أسباط بني إسرائيل يعبر على جسر منها.

فلما رأى فرعون ذلك اقتحم البحر بفرسه، فأطبق الله عليه الماء فغرق هو وجنوده وانتهى أمره وانتهى جيشه ولم تقم له قائمة.

وكان القدماء المصريون معروفين بموضوع التحنيط، فجثته أو المومياء كما يسمونها الآن بقي إلى يومنا هذا في المتحف المصري، مومياء رمسيس الثاني، وصورته موجودة على المواقع المختلفة ، وهو مومياء.

وهذا مصداق قول الحق جل وعلا: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس، الآية 92. ]

وعلى الرغم أنه أمر عظيم وحدث جليل يستدعي النظر والتسجيل، وهو غرق فرعون بجيشه كاملًا إلا أن كتّاب تاريخ الفراعنة، أو الدولة المصرية القديمة لا يتعرضون لهذا المشهد أبدًا، ولا يذكرون له أي سيرة، وكأنه غير موجود؛ رغم أن هذا حدث كبير ومشهور وكان قاصمة الظهر لهذه الدولة في هذا الوقت ، وآية من آيات الله عز وجل الدالة على صدق موسى، والذي جاء به من الله سبحانه وتعالى.

ثانيا/ وما هي من الظالمين ببعيد

وفي ذلك الحدث عبرة أيما عبرة لنهاية ظالم كان له الأمر والحول والطول والقوة والجند والجيش والأتباع، الآن صار جثة هامدة لا حول له ولا قوة.

وليس فرعون فقط هو الذي يكون مصيره بقدر ظلمه؛ وإنما قراءة التاريخ تدل على أن هذا حال كل طاغية جبار متكبر في الأرض، يزين للناس الباطل ويشوه الحق، ويحكم أهواءه ويتسلط ببطشه وجبروته ويذيق الناس سوء العذاب.

إن معركة الحق مع الباطل معركة ممتدة عبر التاريخ، وما قصة موسى وفرعون إلا مثال لهذه المعركة، وموكب الحق على امتداد هذه المعركة وطولها يواجه الضلال والطغيان والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد.

والمؤمنون وإن كانوا يعيشون الاضطهاد في أغلب الأحيان وفي أكثر البلدان، وتتحكم فيهم قوى الشر ويتكالب عليهم كل عدو لله ولدينه ولأتباعه فيسومونهم سوء العذاب، حتى إن حداءهم في أكثر الأحيان متى نصر الله؟

إلا أنهم مع هذا كله تأتيهم ذكرى عاشوراء وأمثالها فتذكرهم بأن نصر الله قريب، وأن الله معهم يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، ويعلم سرهم وجهرهم، وأنه لا يخفى عليه شيء من أمرهم، وأنه كما كان حاضرا مع موسى وقومه في زمان فرعون فهو حاضر في كل وقت وحين، وفي زمان كل فرعون، فتكون هذه الذكرى زاد الصمود، وأمل النصر، وفرحة الخلاص من الجبابرة مهما كانت قوتهم.. فلابد للحق أن يظهر مهما بدا ضعيفا وأنصاره، ولابد للباطل أن يزهق مهما بلغت قوته وبطشه {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الأنبياء:18).

ومشهد غرق فرعون، ونجاة بني إسرائيل مشهد تنخلع له القلوب إجلالًا لله سبحانه وتعالى.

مشهد نجاة المؤمنين وهم يعبرون الماء لا يصيبهم سوء يدلل على عظمة الله سبحانه وتعالى: (لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ) [طه، الآية 77. ] لن يدركك فرعون ولن تخشى أنت وقومك من الغرق.

مشهد هلاك القذافي:

أشبه موقف بهذا المشهد موقف القذافي لما كان يسمي الثوار بالجرذان ، ثم كان مشهد نهايته الذي رأيناه بجانب مجاري الصرف ، وقاموا بقتله بناءً على جرائمه الكثيرة وقتله للآلاف.

وانتشر وقتها مشهد مصور وهو جثة هامدة ، وشخص يكلمه ويقول له هل أغنى عنك ملكك شيئًا؟ هل أغنى عنك جيشك شيئًا؟ هل أغنت عنك سلطتك شيئًا؟ جثة هامدة لا حول له ولا قوة.

إنها عبرة لكل ظالم وعبرة أيضًا لكل مظلوم أن كل ظالم له نهاية والله يملي ويمهل لكنه لا يهمل جل جلاله.

ربما نحن نستعجل، ونريد مشهد النهاية لكن لله تقدير سبحانه وتعالى.

فالله جل وعلا بحكمته البالغة يملي لهذا الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ابتلاء للمؤمنين ، ويصطفي الله من شاء من الشهداء ويجعل الله تعالى اختبارًا لقوة الإيمان والثقة في الله عز وجل.

يا أبت، بعد العز، أصبحنا في القيد والحبس :

وحملت كتب التاريخ بعضا من المواقف ذات التعبير الشديد للمفارقة بين الحالين، فبعد عهد تجبر فيه البرامكة حينما كانوا وزراء في عهد الرشيد ثم عزلوا وسجنوا وقبعوا في السجون التي طالما حبسوا فيها غيرهم، جمع موقف بين يحيي البرمكي وولده فسأله الابن يا أبت، بعد العز، أصبحنا في القيد والحبس، بعد الأمر والنهي، صرنا إلى هذا الحال؟  فقال يا بني، دعوة مظلوم، سرت بليل، ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها.

ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره:

ولما فتحت قبرص بكى أبو الدرداء رضي الله عنه؛ فسئل ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟، فقال ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينما هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك، إذا تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.

ثالثا /إهلاك الظالمين نعمة

ويشاء الله سبحانه أن يري الأمة الإسلامية كل فترة نماذج من هلاك الظالمين لتكون لنا عبرة وآية، فكما أرانا تجبرهم وتسلطهم يرينا مصرعهم وذلهم حتى نوقن أن الله وحده يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء لندرك أن الله وحده بيده الخير وبيده الأمر وله الحكم وليس لأحد سلطان غيره.

نعم إهلاك الظالمين نعمة من الله تستحق الشكر، فوجودهم في الأرض أصل كل مفسدة، وذهابهم عنها أو إخضاعهم لقوة الحق من أعظم المقاصد وأكبر المصالح ولذلك لما حكى الله إهلاكه للظالمين من الأقوام السابقين عقب على ذلك بحمد نفسه على نعمته وشكره على حكمته فقال: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} (الأنعام:45)

 ومن هنا كان صيام نبي الله موسى لهذا اليوم شكرا لله على إنجائه، وقومه، وإهلاك فرعون، وقومه.

ورؤية مصارع الظالمين تزيد الإيمان لانتقالها من علم اليقين إلى عين اليقين، فعندما يرى المؤمن المفارقة العجيبة بين موقفين، موقف الظالم وهو في أوج قوته وسطوته واستعلائه وتكبره، يكاد يظن في نفسه أنه يقول للشيء كن فيكون، وبين موقف آخر يراه فيه ذليلا منكسرا – حيا أو ميتا – لا حيلة له ولا إرادة ولا سطوة، يراه مهزوما منكسرا ينتظر ما يفعل به أن كان حيا ويقلبه الناس ميتا على وجهه وظهره فلا يحرك ساكنا ولا يأمر ولا ينهي، ساعتها يخر المؤمن ساجدا لربه بعدما أراه مثل هذه الآية العظيمة.

كان نبي الله موسى يصوم هذا اليوم ويصومه المؤمنون من بني إسرائيل شكرًا لله على نجاتهم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، ثم أراد بعد ذلك مخالفة اليهود فسن لنا صيام التاسع والعاشر.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله: ما هذا اليوم الذي تصومون؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: نحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله – صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه رواه البخاري ومسلم.

فهذا اليوم نحن نصومه فرحًا بهلاك ظالم من الظلمة تسلط على عباد الله المؤمنين في زمانهم بني إسرائيل، فأهلكه الله تعالى وأرى الله عباده آية من آياته وهي غرق فرعون وجنوده ونجاة المؤمنين الموحدين.

نحن أمة ترضي الله سبحانه وتعالى وتحب الخير للجميع، فنجاة الموحدين من بني إسرائيل في زمانهم نعمة نشكر الله تعالى عليها نحن المؤمنين، رغم أننا لم يصبنا شيء من كيد فرعون ولا من أذاه ولم نعش هذا الزمن.

إن إهلاك الظالمين نعمة، ونجاة المؤمنين من أذى الظالمين نعمة، وشكر الله تعالى على هذه النعم بالصيام من أعظم أنواع الشكر.

وهذا إرشاد لنا أيضًا أن من أنعم الله عليه بنعمة فليتقرب إلى الله بعمل صالح. إذا أنعم الله عليك بنعمة أخرج صدقة، شكرا لله تعالى.

وننتظر البشرى

 وإنا لننتظر اليوم الذي تقر فيه أعين المؤمنين،

 لنخر سجدا لرب العالمين بنهاية ظالم آخر مستبد

ممن عاثوا في الأرض فسادا وإفسادا، وإنا لنراه قريبا بإذن الله.

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وما ذلك على الله بعزيز.

نسأل الله أن يتقبل من الصائمين صومهم

ونسأل الله أن يفرج كربة عن كل مكروب

وأن يعجل بنهاية كل ظالم مجرم يعتدي

على الحرمات وعلى الأموال وعلى الأعراض

وأن يقر أعيننا جميعًا بعز الإسلام وعز الموحدين.

Visited 37 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع