الحجب العشرة بين العبد وربه لابن القيم

تاريخ الإضافة 19 يوليو, 2020 الزيارات : 205

الحجب العشرة بين العبد وربه لابن القيم

هذه الحجب العشرة بين العبد وربه ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين اذكرها مع بعض الإضافات:

1- الحجاب الأول: الجهل بالله:
من يجهل شيئا لا يعرف قدره ولا قيمته ، فالجاهل بالله غافل عن الله ، والإنسان يشرف بقدر ما يعلم وهل هناك أشرف من العلم بالله فهو أشرف معلوم ؛ كما قال الإمام الغزالي .

ولذلك ينبغي على المسلم أن يزيل الجهل بالله بمعرفته من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا ،فتدرك عظمة الله وجلاله وما يستحقه من التعظيم والتوقير والإجلال كما قال تعالى : -( وما قدروا الله حق قدره )- [الأنعام/91]

وقال بعض السلف: “مَن عرفَ الله أحبَّه، ومَن أحبَّه أطاعه”؛ فإن المحبة تقتضي الطاعة”

فالتعرُّف على الله تعالى بأسمائه وصفاته وآلائه وإحسانه سببٌ لبلوغ المحبة ، وهذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله (فالعبد إذا عرفَ أنَّ الله تعالى هو الخالق الذي خلقَه وسوَّاه وجمَّل صورته؛ أحبَّه وازدادَ له حبًّا سبحانه وتعالى، وإذا عرفَ أنَّ الله سبحانه هو الرَّازق المدبِّر الحيُّ القيُّوم، القائم بتدبير الخلق وأرزاقهم وجميع أحوالهم، والذي لا قيام لأحوالهم إلا به سبحانه؛ ازدادَ له حبًّا وقُربًا، وإذا طالعَ العبدُ نِعَم الله عليه وإحسانَه إليه في كلِّ نفسٍ من أنفاسه؛ أحبَّ ربَّه بلا رَيب؛ فإن القلوب جُبِلَت على حُبِّ مَن أحسنَ إليها وبُغضِ مَن أساء إليها، ولا أحدَ أعظم إحسانًا من الله سبحانه؛ فإنَّ إحسانه على عبده في كلِّ نَفَسٍ ولحظةٍ، وهو يتقلَّب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلاً عن أنواعه أو عن أفراده” (طريق الهجرتين لابن القيِّم ص 315).

أيضا تعرف على الله من خلال التفكر في خلق السموات والأرض ، قال تعالى : -( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )- [آل عمران/190] 

أيضا التعرف على الله من خلال نعمه وآلائه ، قال تعالى : -( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )- [لقمان/20] و قال تعالى : -( وما بكم من نعمة فمن الله )- [النحل/53]
فمعرفة الله تكشف عنا حجاب الجهل بالله

2- الحجاب الثاني: البدعة:
فمن ابتدع حُجب عن الله ببدعته؛ فتكون بدعته حجاباً بينه وبين الله حتى يتخلص منها، قال صلى الله عليه وسلم: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » [متفق عليه].
والعمل الصالح له شرطان:
الإخلاص: أن يكون لوجه الله وحده لا شريك له.
والمتابعة: أن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ودون هذين الشرطين لا يسمى صالحاً، فلا يصعد إلى الله، لأنه إنما يصعد إليه العمل الطيب الصالح، فتكون البدعة حجاباً تمنع وصول العمل إلى الله، وبالتالي تمنع وصول العبد، فتكون حجاباً بين العبد وبين الرب ، لأن المبتدع إنما عبد الله على هواه، لا على مراد مولاه، فهواه حجاب بينه وبين الله، من خلال ما ابتدع مما لم يشرع الله، فالعامل للصالحات يمهد لنفسه، أما المبتدع فإنه شر من العاصي.

3- الحجاب الثالث: الكبائر الباطنة:
وهي المتعلقة بالقلب كالخيلاء، والفخر، والكبر، والحسد، والعجب، والرياء، والغرور، هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب، كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب؛ ذلك أن الطريق إلى الله إنما تقطع بالقلوب، ولا تقطع بالأقدام، والمعاصي القلبية قطّاع الطريق.
يقول ابن القيم: “وقد تستولي النفس على العمل الصالح، فتصيره جنداً لها، فتصول به وتطغى، فترى العبد أطوع ما يكون، أزهد ما يكون، وهو عن الله أبعد ما يكون” فتأمل!!
هل القلب الذي ترى فيه حسدا أو غلا يخشع بين يدي الله ؟

كلا لن يذوق طعم الخشوع ، فلا يصل إلى الله إلا صاحب القلب السليم ، قال تعالى : -( إذ جاء ربه بقلب سليم )- [الصافات/84]

ولذلك تعددت أقوال العلماء في تفسير معنى القلب السليم :

1- تارة يفسرون القلب السليم يعني الممتليء توحيدا لله لا يعرف الشرك لأن المشرك قلبه سقيم .

2- وفسروه أيضا بسلامة القلب من النفاق لأن النفاق مرض كما قال تعالى : ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون )- [البقرة/10] نعوذ بالله من النفاق وسوء الأخلاق .

3- ومنهم من عبر عنه من الناحية السلوكية فقالوا القلب السليم الذي لا غش فيه ولا غل ولا حسد، كما في حديث عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أفضل؟ قال: ” كل مخموم القلب، صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد “رواه ابن ماجه، وصححه الألباني .

4- الحجاب الرابع: حجاب أهل الكبائر الظاهرة:(التي تكون بالجوارح)
ما هو تعريف الكبائر؟

قال الماوردي من الشافعية: (الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد)  
 وهذا يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضاً ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه .
غير أنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، والإصرار هو الثبات على المخالفة، والعزم على المعاودة.

– الحجاب الخامس: حجاب أهل الصغائر:

إن الصغائر تعظم، وكم من صغيرة أدّت بصاحبها إلى سوء الخاتمة، والعياذ بالله، فالمؤمن هو المعظم لجنايته يرى ذنبه- مهما صغر- كبيراً لأنه يُراقب الله، كما أنه لا يحقرن من المعروف شيئاً لأنه يرى فيه منّة الله وفضله، فيظل بين هاتين المنزلتين حتى ينخلع من قلبه استصغار الذنب واحتقار الطاعة، فيقبل على ربه الغفور الرحيم التواب المنان المنعم فيتوب إليه فينقشع عنه هذا الحجاب.

وقد تكون هناك معصية صغيرة فتكبر بستة أشياء:
1 – بالإصرار والمواظبة:

مثاله: رجل ينظر إلى النساء، والعين تزني وزناها النظر، لكن زنا النظر أصغر من زنا الفرج، ولكن مع الإصرار والمواظبة تُصبح كبيرة، لإنه مصر ألا يغض بصره، وأن يواظب على إطلاق بصره في المحرمات، فلا صغيرة مع الإصرار.

2 – استصغار الذنب:

مثاله: تقول لأحد المدخنين: اتّق الله، التدخين حرام، فقال: هذه معصية صغيرة.

وفي الحديث عن عبدالله بن عباس عن  النبي صلى الله عليه وسلم : “إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم ، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم ، فاحْذَروا ” صححه الألباني في صحيح الترغيب
فمعنى قوله “ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك”، أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو “ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم” مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، “فاحْذَروا”، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري.

3- السرور بالذنب:

فتجد الواحد منهم يقع في المعصية، ويسعد بذلك، أو يتظاهر بالسعادة، وهذا السرور بالذنب أكبر من الذنب، فتراه فرحاً بسوء صنيعه، كيف سب هذا؟؟وسفك دم هذا؟مع أن « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر »أو أن يفرح بغواية فتاة شريفة، وكيف استطاع أن يشهر بها، مع أن الله تعالى يقول: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 19].

فالمسلم إن وقع في المعصية يجب أن يكون كارها لها لامحبا فرحا بها كما قال الإمام الشافعي :

أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم             لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَه

وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي                وَلَو كُنّا سَواءً في البِضاعَه

4- أن يتهاون بستر الله عليه:

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال- وأنت على الذنب- أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب.. وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك- وأنت على الذنب- ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب.

5- المجاهرة:

أن يبيت الرجل يعصي، والله يستره، فيحدث بالذنب، فيهتك ستر الله عليه، يجيء في اليوم التالي ليحدث بما عصى وما عمل!!.. فالله ستره، وهو يهتك ستر الله عليه. قال صلى الله عليه وسلم: « كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه »
وقديما قالوا في الحكم : “اذكر الخير فينتشر ودع الشر فيندثر”.

6- أن يكون رأساً يُقتدى به:

فهذا مدير مصنع، أو مدير مدرسة، أو شخصية مشهورة، أو معلم أو أب، ثم يبدأ في التدخين، فيبدأ باقي المجموعة في التدخين مثله، أو يكون سيء الأخلاق أو بذيء اللسان، وهكذا يكون الحال إذا كنت ممن يُقتدى به، فينطبق عليك الحديث القائل: « من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » [مسلم]

6- الحجاب السادس: حجاب الشرك:

وهذا من أعظم الحجب وأغلظها وأكثفها، وقطعه وإزالته بتجريد التوحيد، وإنما المعنى الأصلي الحقيقي للشرك هو تعلق القلب بغير الله تعالى، سواء في العبادة، أو في المحبة، سواء في المعاني القلبية، أو في الأعمال الظاهرة.

والشرك بغيض إلى الله تعالى فليس ثمة شيء أبغض إلى الله تعالى من الشرك والمشركين.

7- الحجاب السابع: حجاب أهل الفضول والتوسع في المباحات:
قد يكون حجاب أحدنا بينه وبين الله بطنه، فإن الأكل حلال، والشرب حلال، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه » [الترمذي] فإن المعدة إذا امتلأت، نامت الفكرة، وقعدت الجوارح عن الخدمة.
إن الحجاب قد يكون بين العبد وبين الله ملابسه، فقد يعشق المظاهر،ويتوسع ويغالي في ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة » [البخاري]. فسماه عبداً لهذا في حجاب بينه وبين ربه.

النوم مباح، لكن أن تنام فلا تقوم الليل، ولا تصلي الصبح، أو تصلي الصبح ثم تنام إلى العصر فتضيّع الظهر، فيكون النوم هكذا حجاباً بين العبد وبين الله.
كذلك الاهتمام بالمباحات، والمبالغة في ذلك، وشغل القلب الدائم بها، قد يكون حجاباً غليظاً يقطعه عن الله.

نسأل الله عزّ وجلّ ألا يجعل بيننا وبينه حجاباً.

8- الحجاب الثامن: حجاب أهل الغفلة عن الله:
والغفلة تستحكم في القلب حين يفارق محبوبه جلّ وعلا، فيتبع المرء هواه، ويوالي الشيطان، وينسى الله، قال تعالى: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [الكهف: 28].

وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيِّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بالأسواقِ جِيفَةٍ بِالليل حِمارٍ بالنَّهارِ عالمٍ بأمرِ الدُّنيا جاهلٍ بأمرِ الآخِرة».رواه أحمد وغيره بألفاظ مختلفة، وباللفظ المذكور رواه ابن حبان في صحيحه،وقال عنه الألباني في صحيح الجامع: صحيح .

ومعنى الجعظري: الرجلُ الفظُّ الغليظ المستكبرُ.

وأما الجوَّاظ فهو الجَموعُ المنوعُ أي الذي يَحرِصُ على جمعِ المالِ بنيَّةٍ فاسدةٍ، وهي أن يكون جمْعُهُ للمالِ حبًّا بالمالِ من حَيثُ ذاتُه ليتوصلَ لإشباعِ شهواتِه المحرَّمةِ وليفخَرَ بهِ على الناسِ ويبطُرَ به بطَرًا ويتكبرَ على عبادِ اللهِ ويبخلَ عن دفعِ المالِ في ما أمرَ اللهُ تعالى بالإنفاقِ فيه

والسخاب:- بالسين والصاد- كثير الخصام ، والسخب في الأسواق كثرة الخصام ورفع الصوت فيها.أي أنَّهُ من شدةِ شُحِّهِ وحرصِهِ على المالِ يُكثرُ الصياحَ والكلامَ في سبيلِ جمعِ المالِ.

ومعنى جيفة بالليل: أي يستغرقُ ليلَهُ بالنومِ ولا يهتمُ بأن يكسبَ في ليلهِ من الصَّلواتِ ويتزودَ من الطاعاتِ، حمارًا بالنهارِ أي أن همَّهُ التفننُ بالأكلِ والإكثارُ من الملذاتِ وينشغلُ بذلكَ عنِ القيامِ بما افترضَهُ اللهُ تعالى عليه،

ومعنى حمار بالنهار: أنه بليد في فهمه، منهمك في عمله الدنيوي لا يلتفت إلى سواه من الطاعة والعبادة، فإذا جاء الليل استلقى على فراشه وبقي كالجيفة إلى الصباح.

وهو- مع هذا- عالم بأمور دنياه ولكنه جاهل بأمر دينه لا يهتم به ولا يسأل عنه. ثم إذا انضافَ إلى ذلك الوصفُ الأخيرُ وهو أن يكونَ عارفًا بأمرِ الدنيا جاهلا بأمرِ الآخرةِ فقد تزايدَ شرُّه، فمن هنا يُعلمُ أنَّ من ءاتاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ المالَ وكان عارفًا بطرقِ جمعِ المالِ وهو جاهلٌ بأمورِ الدّينِ أي بما افترضَ اللهُ تعالى عليه معرفَتَهُ من علمِ الدينِ فهو من شرِّ خلقِ اللهِ.

9- الحجاب التاسع: حجاب العادات والتقاليد والأعراف:

أعمال الإنسان إما عبادات يقوم عليها دينه، وإما عادات تصلح بها دنياه، والعادات مرتبطة بنية العبد، فحَسَنُها حَسَنٌ، وقبيحها قبيح، وفي الحديث الصحيح، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” (مُخَرَّج في الصحيحين).

والعادات والأعراف لها سلطانها على النفوس، وتمكُّنها من حياة الناس، يشق نزعهم عنها، ويصعب التخلص منها، والفطرة الإنسانية تميل إلى الأُنْس بما اعتادته، والركون إلى ما عرفته، فأعراف الناس وعاداتهم جزء من حياتهم، ورمز من رموز حضارتهم وثقافتهم، ومن هنا جاء الشرع المطهر مُقِرًّا لهذه الأعراف ومعتَرِفًا بها، وهذا كله في الأعراف الصالحة المستقيمة، أما الأعراف الفاسدة فإن الشرع ينهى عنها ويأباها، والعادات سلوك اجتماعي يسير عليها الناس ويبنون عليها تصرفاتهم في الأحداث والمواقف والمناسبات والأفراح والأتراح وتجري عليها أساليبهم في أقوالهم وتعاملاتهم وما يأتون وما يتركون في المآكل والمشارب والمساكن والمراكب واللباس والغذاء والحديث والألفاظ والتصرفات والخطط والأنظمة والمعاملات والبيوع والإجارات والأوقاف والأيمان والنذور وغيرها؛ مما تقتضيه حوائج الناس وتدفع إليه مسالكهم في التدوير والإدارة والإصلاح، كما تبرز معاني الأعراف بعض المعاني الكريمة والقيم السامية من إكرام الضيف ومساعدة المحتاج وعون الغريب، وإغاثة الملهوف.

وقد جاء تشريع الإسلام في أحكامه بمراعاة أحوال الناس وعوائدهم المستقرة وأعرافهم السائدة مما يلبي مطالبَهم ومصالحَهم، بل إن هذا مما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس، يسيرون فيه على ما يصلحهم ما دام أنه لا يعارض شرعًا، ولا يقر ظلما، فهو داخل في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: “أنتم أعلم بأمور دنياكم” (أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه).

والقاعدة في ذلك أن كل ما تعارَف عليه الناسُ واعتادوه وساروا عليه ولم يكن فيه حكم شرعي مقرَّر فإنه يوزن بميزان المصلحة الشرعية بعيدا عن الأغراض والعصبيات، فإذا كانت العادة أو العرف يحقق للناس مصلحةً راجحةً أو يدفع عنهم مفسدة ظاهرة ولا يُخِلُّ بالمجتمع فهو عُرْف مقبول وعادة نافذة، والإسلام أقر من الأعراف ما كان صالحا نافعًا لا يعارض أحكام الشرع المطهر وأصلح بعض الأعراف وقومها.

إذن الأصل في العادات والأعراف الإذن والإباحة، وجاء الإسلام بالتحذير والتنفير من الأعراف السيئة والعادات المستقبحة والجمود على ما عليه الأسلاف والتمسك بما عليه الآباء والأجداد، فقال سبحانه في معرض ذم أفكار هؤلاء: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)[الزُّخْرُفِ: 23]، فهي تبعية عمياء، وتعطيل للعقول والأفهام، أعراف سيئة تكلِّف الناسَ المشقةَ والعنتَ وتستنزف منهم الجهدَ والمالَ والوقتَ، يُلزمون بها أنفسَهم إرضاءً لغيرهم واتقاءً لنقدهم، يتكلفون ما لا يطيقون، ويفعلون ما لا يحبون، وينفقون وهم كارهون، فكيف إذا كانت عادات وأعرافا مخالفة للشرع، ضارة بالصحة والعقول، مسيئة للأخلاق والقيم؟!

يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله- فيمن يستمسك بالعادات والأعراف ويقدمها على أحكام شرع الله وما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول رحمه الله: “إنه يعرض لهم فساد في فِطَرهم وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومَحْق في عقولهم فيتربَّى عليها الصغيرُ، ويهرم عليها الكبير“.

10- الحجاب العاشر: حجاب العجب بالعمل:
أن يرى المرء عمله، فيكون عمله حجاباً بينه وبين الله، فمن الواجب ألا يرى عمله، وإنما يسير بين مطالعة المنَّة، ومشاهدة عيب النفس والعمل، يطالع منَّة الله تعالى وفضله عليه أن وفقه وأعانه، ويبحث في عمله، وكيف أنه لم يؤده على الوجه المطلوب، بل شابه من الآفات ما يمنع قبوله عند الله، فيجتهد في السير، وإلا فتعلق القلب بالعمل، ورضاه عنه، وانشغاله به عن المعبود حجاب.

فإن رضا العبد بطاعته، دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقيقة العبودية، وعدم علمه بما يستحقه الرب جلّ جلاله، ويليق أن يُعامل به، وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها، وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه، وما ينبغي أن يعامل به، يتولد منهما رضاه بطاعته، وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات، ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة، فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها.

هذه هي الحجب العشرة بين العبد وبين الله.

يقول ابن القيم: فهذه عشرة حجب بين القلب وبين الله سبحانه وتعالى، تحول بينه وبين السير إلى الله، وهذه الحجب تنشأ عن أربعة عناصر، أربعة مسميات هي: النفس، الشيطان، الدنيا، الهوى، فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتة، لا بد من نزع تلك الأربعة لكي تُنزع الحجب التي بينك وبين الله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُوفّقنا للإخلاص في القول والعمل وأن يتقبل أعمالنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 2
  • 3٬111
  • 2٬522
  • 3٬853
  • 3٬050
  • 3٬337٬868
  • 300٬336
  • 177
  • 2