شرح الأربعين النووية 10- إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً

تاريخ الإضافة 1 يناير, 2026 الزيارات : 1270

(10) إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (المؤمنون: الآية51)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) (البقرة: الآية172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم.[1]

شرح الحديث

( إن الله تعالى طيب )كلمة طيب هنا اسم من أسماء الله جل وعلا، وهذا الاسم الله لم يرد في القرآن الكريم، وإنما ورد في السنة؛ كما في هذا الحديث الذي معنا.

ومعناه: المنزه عن النقائص الله طيب يعني منزه عن النقص.

فالله جل وعلا ليس فيه نقص وليس فيه عيب وليس فيه آفة، يعني أي نقص أو أي عيب ينقص من كماله وقدره وجلاله جل وعلا الله منزه عنه، فهو طيب منزه عن النقائص.

 والله تعالى طيب رزقه وافر وعطاؤه واسع، والله سبحانه وتعالى طيب لا يظلم مثقال ذرة، طيب يعد عباده بكل جميل وبكل حسن، والله تعالى طيب أعد دار الكرامة من فضله الجنة، وجعلها للطيبين من عباده.

(لا يقبل إلا طيبا) القبول هنا المقصود به الثواب، فالقبول يراد به لازمه مثل قولنا في الصلاة: (سمع الله لمن حمده) والله تعالى يسمع من يحمده ويسمع من لم يحمده، ويسمع من يؤمن به ويسمع من يكفر به، لكن ليس المقصود ظاهر اللفظ؛ إنما المقصود بـ (سمع الله لمن حمده) لازمه وهو: أن من يحمد الله تعالى في هذا الموطن عند الرفع من ركوع الصلاة فإن الله يثيبه على ذلك، كما تقول عندما يدعو لنا شخص: ربنا يسمع منك، فمعناه: يراد به لازمه يعني  لازم السمع الإيجاب .

 فمعنى (لا يقبل إلا طيبا) المراد به لازمه وهو الثواب، فقبول العمل كناية عن الأجر والثواب، والرضا بالعمل.

 ومن هذا الباب أيضا لا يقبل إلا طيبا، قالوا: بمدح فاعله يثني عليه بين الملائكة، ونفي القبول للعمل معناه أن العمل فيه نقص أو فيه خبث والعياذ بالله.

وفي الحديث قال النبي ﷺ: (ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه)[2] من كسب طيب يعني من حلال، ولا يقبل الله إلا الطيب، الله لا يقبل الصدقة من مال حرام، إلا أخذها الرحمن بيمينه، نسأل الله أن يتقبل منا.

وكلمة (طيبا) هنا نكرة، ماذا تفيد؟ قال العلماء: المقصود لا يقبل إلا الكسب الطيب، فلا يقبل الكسب الحرام، وهذا في الصدقة والعطاء طبعا، أو أن الله تعالى طيب لا يقبل من الأعمال إلا العمل الخالي من الرياء والنفاق، فالعمل الطيب يعني الذي قصد به وجه الله تعالى.

وإن كنت أرجح في هذا السياق أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، المقصود به الكسب الحلال الطيب، لأن النبي ذكر بعد ذلك أن الله أمر المرسلين بما أمر به المؤمنين، وذكر الرجل الذي مأكله من حرام ومشربه من حرام فيراد به هنا في حال الإنفاق وفي حال العطاء لا يقبل الله تعالى من الصدقة إلا ما كان طيبا.

إذن من العلماء من يجعل قوله: (لا يقبل إلا طيبا) في الأعمال وفي الأموال وفي النفقات وفي كل شيء، ومنهم من يخصصها بأن المقصود به الكسب الطيب الذي يكون منه الإنفاق الطيب الذي يقبله الله عز وجل.

وقوله: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا) تمهيد لما سيأتي بعد، فالرسول ﷺ للتنبيه على خطورة أكل الحرام قدم بمقدمتين:

  • إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، لا يقبل من عبده أن يأكل حراما أو أن يدعوه وهو يأكل حراما.
  • أنه من أهمية هذا الأمر وعلو شأنه عند الله سبحانه وتعالى أمر به المرسلين في خطاب خاص وأمر به المؤمنين في خطاب عام، وليس المقصود أن الله جمع الأنبياء والمرسلين جميعا فكلمهم مرة واحدة إنما المقصود أن هذا أمر أكد الله عليه على ألسنة الرسل في كل الشرائع.

وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (المؤمنون: الآية51)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) (البقرة: الآية172)

والمعنى: إذا أكلتم أو شربتم أو لبستم فليكن كسبكم من حلال، ومعنى: (كلوا من الطيبات )أي من كل ما أباحه الله لكم، ولذلك لا يجوز للمسلم أن يحرم ما طيبه الله له وأحله؛ فلا يأتي من يقول: أنا حرمت على نفسي أكل اللحم، أو أنا حرمت على نفسي أكل الفاكهة، أنا شخص نباتي، أنت حر، كل ما تشتهيه نفسك، لكن لا تحرم ما أحل الله للناس، في بعض الأطعمة أنا نفسي تعافها، فلما نفسي تعافها لأني لم أجدها في بيئة قومي أو طبيعة نفسي لا تتقبلها فلا شيء عليك، هذا أمر مفروغ منه، لكن لا أحرمه.

  والرسول لما وضع على مائدته في المدينة الضب، لم يأكله، فلما قالوا يا رسول الله احرام هو؟ قال: (لا، ولكني لم أجده في بيئة قومي فنفسي تعافه.)[3]

وفي حديث أبي هريرة: (ما عاب رسول الله طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه)[4]

فلا ينبغي أبدا أن يأتي شخص ويقول أنا حرمت على نفسي كذا، كلا، لا تحرم ما أحل الله لك، كل ما شئت مما أباحه الله واترك ما شئت، لكن لا تحرم، فنفرق بين من نفسه تشتهي طعاما مما أباحه الله أو نفسه لا تشتهيه، وشخص يحرم الحلال على نفسه، فالتحريم هذا أمر لا يجوز أبدا.

في سورة التحريم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: 1-2]

 وسبب نزولها أن الرسول ﷺ حرم على نفسه أن يأكل من العسل الذي يأتي من شجر اسمه العرفط، لأنه كان له له رائحة مميزة غير مرغوب فيها، والنبي لا يحب أن يكون له رائحة تؤذي، وجبريل كان يتنزل عليه بالوحي، فحرمه على نفسه.

(ثم ذكر النبي ﷺ الرجل أشعث أغبر) أخذ العلماء من هذا البيان النبوي آداب الدعاء:

الرجل: ذكر الرجل كلمة هنا خرجت مخرج الغالب، وإلا فمن الممكن أن يكون الداعي امرأة، وفي أي لغة من اللغات الحية الآن إذا ذكرت النساء في الأمر فأنت لا تريد إلا النساء، فإذا ذكرت الأمر بضمير الذكور فأنت تريد الرجال والنساء، لكن يذكر الأمر بالرجال على سبيل التغليب، يعني أنا لو لو خصصت الكلام للنساء فهو للنساء فقط، أما إذا خصصته للرجال فهذا على سبيل التغليب للرجال والنساء، فالنبي لما قال: (ورجلان تحابا في الله)، هل معنى ذلك لو امرأة هل يجوز أن تحب أخت لها في الله؟

 فكلمة الرجل هنا بمعنى الإنسان رجلا كان أو امرأة.

( يطيل السفر) وذكر السفر لأنه من أسباب إجابة الدعاء، لأنه اجتمع عليه وحشة السفر والغربة والمشقة، وقد ورد هذا في الحديث أن النبي قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.)[5]

(أشعث أغبر) هيئة الرجل هنا أشعث أغبر، وكانوا في القديم الرجال يطيلون الشعور، وكان النبي ﷺ لا يحلق إلا في النسك، في الحج أو العمرة، فالطبيعي أن الشعر يكون طويلا، ومسدولا على الكتفين.

فهذا الرجل مع طول السفر لا يلتفت لحاله، لأن السفر كان في الصحراء ويمشون المسافات الطويلة في الحر وفي الشمس، يصبح الرجل أشعث أغبر، فالأشعث هو الذي تفرق شعره وصار منتشرا. (أغبر)غبرة السفر لمن يمشي في الصحراء معروفة، لأن فيها غبرة التراب والرمال فيظهر أثر ذلك على وجهه وملابسه.

ولذلك في حديث جبريل لما وصفه عمر وصفه قال: (رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرف أحد منا)

فهذا الرجل (أشعث أغبر) إشارة إلى أنه رث الهيئة يبدو على هيئته أنه منكسر، وليس المقصود لو أن هيئتي جميلة أن أغيرها على هيئة رثة؛ كلا المقصود أن هذا أمر غلب عليه بسبب سفره، فليس المقصود أن هذه حالة المسلم الدائمة أن يكون أشعث أخبر؛ كلا فالله جميل يحب الجمال، لكن من الممكن بدل الهيئة الرثة بسبب السفر أن يدعو المسلم بحال الانكسار والافتقار إلى الله في الدعاء، كما هو حال نبي الله زكريا، ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: 2-4] فالانكسار في الدعاء والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى من أسباب إجابة الدعاء

(يمد يديه إلى السماء، يقول يا رب يا رب)، إذن السبب الأول من أسباب الإجابة أنه مسافر، السبب الثاني: أنه أشعث أغبر، يعني هيئته رثة ومنكسر، الأمر الثالث: أنه يمد يديه إلى السماء.

وقد ورد عن النبي ﷺ عدة صور في رفع اليدين حال الدعاء:

  1. الصورة الأشهر أن النبي ﷺ كان إذا دعا جعل بطون الأكف مما يلي وجهه وظهورهما مما يلي القبلة، يا رب أسألك كذا ….
  2. وهذه كان النبي يفعلها في صلاة الاستسقاء، وهي عكس الأولى: أن يستقبل بوجهه ظهور الأكف ويدعو يا رب يا رب، وهذا كناية كما قال العلماء عن تغير الحال أن السماء أمسكت المطر والناس في أشد الحاجة، وكان النبي ﷺ يفعل هكذا من باب التفاؤل بتغير الحال.
  3. الهيئة الثالثة أن يرفع بطون الأكف إلى السماء هكذا يا الله يا الله، وكان إذا أبلغ رفع يديه حتى يبدو بياض إبطيه، (فرفع النبي يديه حتى بان بياض إبطيه ﷺ) ومعنى ذلك أن النبي لم يكن عنده شعره تحت الإبط، فكان عنده بياض مميز تحت إبطيه ﷺ أو كان عنده شعر قليل.
  4. أن يشير الإمام بأصبعه عند الدعاء يوم الجمعة على المنبر، والدليل ما جاء عن عُمارة بن رُؤيبة رضي الله عنه أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة.)[6]

قال العلماء إشارة إلى علو الله جل جلاله يعني إذا دعا: اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا، يكره للإمام أنه يرفع يديه كما يرفعها بقية المؤمنين.

وهناك قول يتردد ببدعية رفع اليدين للمصلين يوم الجمعة في الدعاء، فيجب عندهم ألا ترفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة، وهذا قول لا دليل عليه، بل ومنهم من يستدل بالحديث السابق عن عمارة بن رؤيبة رغم أنه خاص بالإمام على المنبر.

بل جاء ما يفيد بسنة ذلك في كل دعاء لعموم قول النبي ﷺ: (إن الله تعالى حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه فيردهما، صفرا خائبتين) [7]، صفرا يعني خالية، وفيه حث على الدعاء وأن الداعي لن يرده الله خائبا خالي اليدين؛ بل سيكون مجبورا رابحا بفضل من الله تعالى.

هل يجوز الإطالة في الدعاء؟

 لا بأس بالإطالة وأنت وحدك منفردا، أما في الجماعة فلا يشق الإمام على المصلين ، لأن بعض الأئمة في القنوت في التراويح أو في التهجد يطيل الدعاء قرابة نصف الساعة وقد تزيد لساعة ، ومن الناس من يؤلمه ظهره الناس ويتعب فعلا، فهذا ليس من السنة في شيء، لكن يجوز الإطالة في بعض الأوقات، في حد المعقول ، كما الليالي الوترية في نهاية رمضان ، الناس يطيب لها الدعاء في هذه الليالي وفي أوقات إجابة الدعاء، لكن لا يكن عادة الإمام الإطالة في الدعاء مع السجع والقافية والألحان والطرب ، ومع التجويد والإخفاء والغنة ، وهذا ليس من الدعاء في شيء.

فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ويحب من عباده الافتقار، ويحب من عباده الانكسار جل جلاله سبحانه وتعالى.

حكم رفع البصر إلى السماء في الدعاء

نص الشافعية على أن الأولى في الدعاء خارج الصلاة رفع البصر إلى السماء،وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” ولا يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء؛ لفعله ، وهو قول مالك والشافعي [8]

وفي قصة شرب المقداد رضي الله عنه لشراب النبي ﷺ دون علمه وفيه: (ثم أتى المسجد فصلى ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك. فقال: اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني) [9]

إذن يجوز للداعي أن يرفع يديه إلى السماء لأن السماء قبلة الداعي، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة: 144] وهي مصعد الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، والله متصف بالعلو والكبرياء، فأنا حينما أدعو يتعلق قلبي بالله العلي الأعلى جل جلاله.

الصفة الرابعة يقول: (يا رب يا رب)

يلح على الله، فمعنى أن تقول يا رب: الرب هو المالك السيد المتصرف، فأنت تقول يا رب يا من خلقتني ورزقتني، أنت الذي تنعم وأنت الذي تعطي وأنت الذي ترزق.

لكن هذا الرجل مع وجود أربعة أسباب لإجابة الدعاء النبي ذكر أمرا يمنع من الإجابة، قال:

(وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك)

 مطعمه أي ما يأكله من حرام، وما يشربه من حرام، وما يلبسه من حرام.

(وغذي بالحرام) هل يوجد فارق بين المطعم والغذاء؟

 المطعم هو ما يأكله الإنسان بنفسه، أنا الذي أطعم نفسي، إنما غذي إشارة إلى صغره، يعني هو تربي عليه … نشأ ونما على الحرام، وغذي فعل مبني للمجهول من الغذاء، أي نشأ والعياذ بالله من صغره على الحرام، فاللحم والدم اللي يجري في العروق نبت من حرام.

 فهذا الرجل مطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام، والطعام الذي غذي به في صغره ونشأ ونما عليه حرام، نعوذ بالله!!!

(فأنّي يستجاب له) أنّى بمعنى كيف لكن فيها معنى الاستبعاد، كما في قول زكريا: (يا مريم أنّى لك هذا) فإجابته مستبعدة، لأن الحرام يجري في عروقه ودمه، وملابسه، مشربه من الحرام منبته والعياذ بالله من الحرام، فأنّي يستجاب له؟

فكأن النبي ﷺ أراد أن ينبه على خطورة أكل الحرام والكسب الحرام، فما أسهل هذا الكسب! وما أكثر من يتكسبون من الحرام بسهولة، هو كثير وسهل، لكن الحرام لا بركة فيه، الحرام وأكل الحرام فيه مقت الله، الحرام سبب لذهاب البركة وقسوة القلب، الحرام سبب لعقوق الأبناء، وفساد الزوجة، وقطع صلتك بالله سبحانه وتعالى.

ولذلك كان العلماء يقولون: من أكل الحلال أطاع الله شاء أم أبى.

لذلك لو أحببت أن تأمّن على أولادك أطعمهم من حلال، لا يهم ما يأكلون، ولا كم أكلوا، المهم أن يأكلوا حلالا طيب من عرق جبينك، نسأل الله أن يرزقنا الحلال الطيب، وأن يبارك لنا فيه، وأن يحرم علينا الحرام وأن يباعد بيننا وبينه كما باعد بين المشرق والمغرب.

بعض الناس يظن أنه إذا أخذ مال فيه شبهة أو حرمة فقد أخذ رزقه ويقول هذا رزقي ورزق عيالي، يا أخي أنت أخذت ما لا يحل لك فهو مال لا بركة فيه، والحرام إذا دخل على الحلال محق البركة منه، كما قال الشاعر في هذا المعنى:

جمع الحرام إلى الحلال ليكثره    أخذ الحرام الحلال فبعثره

فالحرام أذهب البركة من الجميع، لا هو نفسه فيه بركة ولا الحلال الذي دخل عليه واختلط به فيه بركة، فمن أراد البركة فليكتسب من حلال وليطعم أولاده من حلال.

وقول النبي – ﷺ (فأني يستجاب له) استبعاد وليس استحالة، قالوا: والدليل على ذلك أن الله قد يستجيب لمن يدعوه في بعض الأحيان إنعاما منه وتفضلا، أو لحكمة بالغة يعلمها، كما استجاب الله لإبليس حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر: 36-38]

والمشركين رغم كفرهم بالله عز وجل ذكر الله تعالى أنهم لما أحيط بهم في البحر وهاجت بهم الأمواج وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ  دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22] ، فالله تعالى استجاب لإبليس، والله تعالى يستجيب للمشركين ليعلموا أن آلهتهم العاجزة لا حول لها ولا قوة، فهم في عرض البحر ومع ارتفاع الأمواج لم يذكروا اللات ولا العزى ، إنما ذكروا الله، ودعوا الله مخلصين له وحده، سبحانه وتعالى، فأنجاهم الله.

كيف تكون التوبة من المال الحرام؟

المال الحرام له صور وحالات متعددة، فقد يكون محرما لذاته أو لكسبه، والمحرم لكسبه قد يكون مأخوذا برضا مالكه أو دون رضاه، وقد يكون مكتسبه عالما بالتحريم، أو جاهلا، أو متأولا، ولكل صورة حكمها.

 أولا: من اكتسب مالا (محرما لذاته):

 المال المحرم لذاته يراد به (كل عين تعلق التحريم بذاتها)، كالخمر، والأصنام، والخنزير، ونحوها؛ فلا يرده إلى مالكه، ولا يأخذه، بل يجب عليه إتلافه، ولا يجوز له الانتفاع به بيعا، أو شراء، أو إهداء، أو اقتناء، أو غير ذلك.

ثانيا: من أخذ مال غيره بغير وجه حق دون رضاه وإذنه:

 كالمال المسروق، والمغصوب، والمختلس من المال العام، والمأخوذ بالغش والخداع، والرشوة التي يدفعها صاحبها مضطرا ليحصل على حقه، ونحو ذلك: فهذا المال يجب رده إلى صاحبه، ولا تبرأ الذمة إلا بذلك، وإذا أنفقه أو تصرف فيه، فيبقى دينا في ذمته حتى يتمكن من رده لصاحبه.

 ثالثا: من اكتسب مالا حراما بمعاملة محرمة:

 لجهله بتحريم هذه المعاملة، أو اعتقاده جوازها بناء على فتوى من يثق به من أهل العلم؛ فهذا لا يلزمه شيء، بشرط أن يكف عن هذه المعاملة المحرمة متى علم تحريمها، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة، وكان متأولا في ذلك ومعتقدا جوازه لاجتهاد، أو تقليد، أو تشبه ببعض أهل العلم، أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم، ونحو ذلك؛ فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها، وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأن الذي أفتاهم أخطأ… فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التي يفتي فيها بعض العلماء إذا أقبض بها أموال وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك: لم يحرم عليهم ما قبضوه بالتأويل)[10]

 رابعا: من اكتسب مالا محرما مع علمه بالتحريم:

 وقبضه بإذن مالكه ورضاه، كالمقبوض بالعقود الفاسدة ، وأجرة الوظائف المحرمة كالعمل في البنوك الربوية ، أو تقديم الخمر، أو ربح بالمتاجرة بالمحرمات ، أو أجرة الخدمات المحرمة كشهادة الزور وكتابة الربا ، أو المال المأخوذ رشوة لينال دافعها شيئا ليس من حقه ، أو اكتسبه عن طريق القمار والميسر واليانصيب والكهانة ، ونحو ذلك … الخ فهذا المال المحرم لكسبه : لا يلزم رده إلى مالكه على أرجح قولي أهل العلم ، ويلزمه عند أكثر العلماء التخلص من هذا المال الحرام بالتصدق به على الفقراء والمساكين والمصالح العامة ونحوها ، ولو تصرف فيه بأي نوع من التصرفات فيبقى دينا في ذمته ، يلزمه متى قدر على ذلك أن يتصدق به .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن أخذ عوضا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل: أجرة حمال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغي ونحو ذلك: فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله ؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به ؛ لأنه عوض خبيث ولا يعاد إلى صاحبه ؛ لأنه قد استوفى العوض ، ويتصدق به، كما نص على ذلك من نص من العلماء، كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ، ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم )[11]

واختار ابن القيم رحمه الله أنه إن كان فقيرا، فله أن يأخذ من هذا المال بمقدار حاجته، فقال رحمه الله: (فطريق التخلص منه وتمام التوبة: بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي، فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه، عينا كان أو منفعة.) [12]

ومال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول آخر له إلى أن له أن ينتفع به ولا يلزمه أن يتصدق به، ما دام قد تاب. فقال: (وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طرد هذا أن من اكتسب مالا من ثمن خمر مع علمه بالتحريم ، فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالا محرما، ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي وحلوان الكاهن، وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب كما في قوله: ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) ، وقال تعالى : (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ومما يقوي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع ، بل إما أن يتصدق به ، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مصرّا ، وإما أن يجعل لهذا القابض التائب، فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله من يتصور ما يقول، وإن كان من الفقهاء من يقوله، فإن في هذا فسادا مضاعفا… وأما الصدقة : فهي أوجه . لكن يقال: هذا التائب أحق به من غيره، ولا ريب إن كان هذا التائب فقيرا، فهو أحق به من غيره من الفقراء ، وبهذا أفتيت غير مرة ، وإن كان التائب فقيرا يأخذ منه قدر حاجته فإنه أحق به من غيره ، وهو إعانة له على التوبة ، وإن كلف إخراجه تضرر غاية الضرر ، ولم يتب ، ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق، وأيضا ، فلا مفسدة في أخذه ، فإن المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحبه ، وعينه ليست محرمة ، وإنما حرم لكونه استعين به على محرم ، وهذا قد غفر بالتوبة ، فيحل له مع الفقر بلا ريب ، وأخذ ذلك له مع الغنى : وجه ، وفيه تيسير التوبة على من كسب مثل هذه الأموال… والله سبحانه يقول : (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) ، ولم يقل فمن أسلم ، ولا من تبين له التحريم ، بل قال: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) ، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه ، قال الله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين)[13]

 فوائد الحديث:

  1. من أسماء الله الحسنى الطيب، ومعناه المنزه عن النقائص والعيوب.
  2. الله تعالى لا يقبل إلا كسبا طيبا تنفق منه وتعطي منه.
  3. أن الله تعالى شدد في أمر الكسب الطيب حتى جعل به خطابا خاصا لعباده المرسلين وخطابا عاما لجميع المؤمنين، تكرار هذا الأمر الإلهي بالأكل من الطيبات دلالة على أهميته.
  4. أهمية الدعاء وذكر النبي ﷺ لبعض آداب الدعاء وان من أسباب الإجابة: السفر، والهيئة الرثة، والانكسار لله، ورفع اليدين”
  5. أن أكل الحرام سبب لمنع إجابة الدعاء.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم 1015))

[2] أخرجه مسلم في الصحيح (كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم 1014) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

[3] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الضب، حديث رقم 5537)، ومسلم في الصحيح (كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، حديث رقم 1946) من حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في الصحيح (كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبي الطعام، حديث رقم 5409)، وأخرجه مسلم في الصحيح (كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب، حديث رقم 2064)

[5] أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الدعوات، باب ما جاء في دعوة المظلوم، حديث رقم 1905)، وأبو داود في سننه (كتاب الوتر، باب في الدعاء، حديث رقم 1536)، وابن ماجه في سننه (كتاب الدعاء، باب دعوة المظلوم، حديث رقم 3862)، وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (حديث رقم 3031).

[6] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم 874)

[7] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الوتر، باب رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم 1488)، والترمذي في سننه (كتاب الدعوات، باب في رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم 3556)، وابن ماجه في سننه (كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم 3865)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (حديث رقم 1754).

[8] “الفتاوى الكبرى” (5/338).

[9] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، حديث رقم 2055)

[10] مجموع الفتاوى” (29/443).

[11] مجموع الفتاوى” (22/142).

[12] زاد المعاد (5/691)

[13] مجموع الفتاوى 29/443

Visited 173 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع