الشيخ محمد متولي الشعراوي

تاريخ الإضافة 4 يوليو, 2024 الزيارات : 673

الشيخ محمد متولي الشعراوي

مولده وتعليمه :
ولد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في 5 أبريل عام 1911 م بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية وحفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره.
في عام 1926 م التحق الشيخ الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وأظهر نبوغاً منذ الصغر في حفظه للشعر والمأثور من القول والحكم، ثم حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية سنة 1923م، ودخل المعهد الثانوي، وزاد اهتمامه بالشعر والأدب، و حظى بمكانة خاصة بين زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق، وكان معه في ذلك الوقت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى، والشاعر طاهر أبو فاشا، والأستاذ خالد محمد خالد والدكتور أحمد هيكل والدكتور حسن جاد، وكانوا يعرضون عليه ما يكتبون.
وكانت نقطة تحول في حياة الشيخ الشعراوي، عندما أراد له والده إلحاقه بالأزهر الشريف بالقاهرة، وكان الشيخ الشعراوي يود أن يبقى مع إخوته لزراعة الأرض، ولكن إصرار الوالد دفعه لاصطحابه إلى القاهرة، ودفع المصروفات وتجهيز المكان للسكن.
فما كان من الشيخ إلا أن اشترط على والده أن يشتري له كميات من أمهات الكتب في التراث واللغة وعلوم القرآن والتفاسير وكتب الحديث النبوي الشريف، كنوع من التعجيز حتى يرضى والده بعودته إلى القرية.
لكن والده فطن إلى تلك الحيلة، واشترى له كل ما طلب قائلاً له: أنا أعلم يا بني أن جميع هذه الكتب ليست مقررة عليك، ولكني آثرت شراءها لتزويدك بها كي تنهل من العلم.
فما كان أمام الشيخ إلا أن يطيع والده، ويتحدى رغبته في العودة إلى القرية، فأخذ يغترف من العلم، ويلتهم منه كل ما تقع عليه عيناه.
والتحق الشعراوي بكلية اللغة العربية سنة 1937م، وانشغل بالحركة الوطنية والحركة الأزهرية، فثورة سنة 1919م اندلعت من الأزهر الشريف، ومن الأزهر خرجت المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين ضد الإنجليز المحتلين. ولم يكن معهد الزقازيق بعيدًا عن قلعة الأزهر الشامخة في القاهرة، فكان الشيخ يزحف هو وزملائه إلى ساحات الأزهر وأروقته، ويلقى بالخطب مما عرضه للاعتقال أكثر من مرة، وكان وقتها رئيسًا لاتحاد الطلبة سنة 1934م.

التدرج الوظيفي

  • تخرج الشيخ عام 1940 م، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1943م.
  • بعد تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا.
  • ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق.
  • ثم المعهد الديني بالإسكندرية.
  • وبعد فترة خبرة طويلة انتقل الشيخ الشعراوي إلى العمل في السعودية عام 1950 ليعمل أستاذًا للشريعة بجامعة أم القرى.
  • واضطر الشيخ الشعراوي أن يدرِّس مادة العقائد رغم تخصصه أصلاً في اللغة وهذا في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة إلا أن الشيخ الشعراوي استطاع أن يثبت تفوقه في تدريس هذه المادة لدرجة كبيرة لاقت استحسان وتقدير الجميع.
  • وفي عام 1963 حدث خلاف سياسي بين مصر والسعودية وعلى أثر ذلك تم منع الشيخ الشعراوي من العودة ثانية إلى السعودية، وعين في القاهرة مديرًا لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون.
  • ثم سافر بعد ذلك الشيخ الشعراوي إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر هناك ومكث بالجزائر حوالي سبع سنوات قضاها في التدريس.
  • أثناء وجوده في الجزائر حدثت نكسة يونيو 1967، وقد تألم الشيخ الشعراوي كثيرًا لأقسى الهزائم العسكرية التي منيت بها مصر والأمة العربية.
  • وعاد الشيخ الشعراوي إلى القاهرة فعين مديرًا لأوقاف محافظة الغربية فترة، ثم وكيلا للدعوة والفكر، ثم وكيلاً للأزهر.
  • ثم عاد ثانية إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.
  • وفي نوفمبر 1976م أسند إلى الشيخ الشعراوي وزارة الأوقاف وشئون الأزهر. فظل في الوزارة حتى أكتوبر عام 1978م.
  •  وهو أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر وهو (بنك فيصل) حيث إن هذا من اختصاصات وزير الاقتصاد أو المالية (د. حامد السايح في هذه الفترة)، الذي فوضه، ووافقه مجلس الشعب على ذلك.
    وقال في ذلك: إنني راعيت وجه الله فيه ولم أجعل في بالي أحدًا لأنني علمت بحكم تجاربي في الحياة أن أي موضوع يفشل فيه الإنسان أو تفشل فيه الجماعة هو الموضوع الذي يدخل هوى الشخص أو أهواء الجماعات فيه. أما إذا كانوا جميعًا صادرين عن هوى الحق وعن مراده، فلا يمكن أبدًا أن يهزموا، وحين تدخل أهواء الناس أو الأشخاص، على غير مراد الله، تتخلى يد الله.
  • وفي سنة 1987م اختيرعضواً بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين) وجاء انضمامه بعد حصوله على أغلبية الأصوات (40عضوًا) وقال يومها: ما أسعدني بهذا اللقاء، الذي فرحت به فرحًا على حلقات: فرحت به ترشيحًا لي، وفرحت به ترجيحًا لي، وفرحت به استقبالاً لي، لأنه تكريم نشأ عن إلحاق لا عن لحوق، والإلحاق استدعاء، أدعو الله بدعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أستعيذك من كل عمل أردت به وجهك مخالطاً فيه غيرك. فحين رشحت من هذا المجمع آمنت بعد ذلك أننا في خير دائم، وأننا لن نخلو من الخير ما دام فينا كتاب الله، سألني البعض: هل قبلت الانضمام إلى مجمع الخالدين، وهل كتب الخلود لأحد؟ وكان ردي: إن الخلود نسبي، وهذا المجمع مكلف بالعربية، واللغة العربية للقرآن، فالمجمع للقرآن، وسيخلد المجمع بخلود القرآن.
  • ثم تفرغ للدعوة بعد ذلك ، و رفض جميع المناصب السياسية أو التنفيذية التي عُرضت عليه .
  • سافر في رحلات كثيرة بغرض الدعوة إلى أمريكا و أوروبا و اليابان و تركيا و عديد من الدول الإسلامية .

أسرة الشعراوي

تزوج الشيخ الشعراوي وهو في الابتدائية بناء على رغبة والده الذي اختار له زوجته، ووافق الشيخ على اختياره، وكان اختيارًا طيبًا لم يتعبه في حياته، وأنجب الشعراوي ثلاثة أولاد وبنتين، الأولاد: سامي وعبد الرحيم وأحمد، والبنتان فاطمة وصالحة. وكان الشيخ يرى أن أول عوامل نجاح الزواج هو الاختيار والقبول من الطرفين. وعن تربية أولاده يقول: أهم شيء في التربية هو القدوة، فإن وجدت القدوة الصالحة سيأخذها الطفل تقليدًا، وأي حركة عن سلوك سيئ يمكن أن تهدم الكثير.
فالطفل يجب أن يرى جيدًا، وهناك فرق بين أن يتعلم الطفل وأن تربي فيه مقومات الحياة، فالطفل إذا ما تحركت ملكاته وتهيأت للاستقبال والوعي بما حوله، أي إذا ما تهيأت أذنه للسمع، وعيناه للرؤية، وأنفه للشم، وأنامله للمس، فيجب أن نراعي كل ملكاته بسلوكنا المؤدب معه وأمامه، فنصون أذنه عن كل لفظ قبيح، ونصون عينه عن كل مشهد قبيح.
وإذا أردنا أن نربي أولادنا تربية إسلامية، فإن علينا أن نطبق تعاليم الإسلام في أداء الواجبات، وإتقان العمل، وأن نذهب للصلاة في مواقيتها، وحين نبدأ الأكل نبدأ باسم الله، وحين ننتهي منه نقول: الحمد لله.. فإذا رآنا الطفل ونحن نفعل ذلك فسوف يفعله هو الآخر حتى وإن لم نتحدث إليه في هذه الأمور، فالفعل أهم من الكلام.

ظهور الشيخ إعلاميا:

كان أول ظهور له على المستوى العام “في التليفزيون” في برنامج “نور على نور” للأستاذ أحمد فراج، وكانت الحلقة الأولى التي قدمها عن شمائل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وبرغم أن هذا الموضوع قديم كتب فيه الكاتبون، وتحدث فيه المتحدثون، إلا أن الناس أحسوا أنهم أمام فكر وعرض جديد.. لقد أحسوا أنهم يسمعون هذا الكلام لأول مرة.

ولعل هذه كانت أول مزية للشيخ الشعراوي، أن القديم يبدو جديدًا على لسانه، أيضًا أشاعت هذه الحلقة إحساسًا في الناس بأن الله يفتح عليه وهو يتحدث، ويلهمه معاني وأفكارًا جديدة.

وبعد هذا القبول العام انخرط الشيخ في محاولة لتفسير القرآن، وأوقف حياته على هذه المهمة؛ ولأنه أستاذ للغة فقد كان اقترابه اللغوي من التفسير آية من آيات الله، وبدا هذا التفسير للناس جديدًا كل الجدة، برغم قدمه وأنه قضية تعرض لها آلاف العلماء على امتداد القرون والدهور، إلا أن تفسير الشيخ الشعراوي بدا جديدًا ومعاصرًا برغم قدمه، وكانت موهبته في الشرح، وبيان المعاني قادرة على نقل أعمق الأفكار بأبسط الكلمات.. وكانت هذه موهبته الثانية، وكان له حضور في أسلوب الدعوة يشرك معه جمهوره ويوقظ فيه ملكات التلقي، ولقد وصف هو هذا العطاء عندما قال: “إنه فضل جود لا بذل جهد”

 

تفسير الشعراوي :

  1. من أبرز حسنات هذا التفسير اهتمامه بكثير من القضايا اللغوية، كبيان معاني المفردات بإعادة الكلمات إلى أصولها اللغوية، والتنبيه على المعنى المشترك الذي يظهر في الكلمات ذات الأحرف المتشابهة.
  2. وشرحه لبعض القواعد النحوية، كما أنه يشير إلى لطائف بلاغية في ثنايا تفسيره.
  3. ويُمدح الشيخ ـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ باهتمامه بالمناسبات بين الآيات، ويؤخذ عليه إغفاله هذا الأمر بالنسبة للمناسبات بين السور، وإغفاله الحديث عن الوحدة الموضوعية الذي تميزت به التفاسير المعاصرة.
  4. يُسجَّل للشيخ ردّه القول بالزيادة في القرآن الكريم، والتصدي لمن يتبنى هذا الرأي.
  5. لم يكن ينقل عن المفسرين إلا قليلاً، ولم يهتم باختلافاتهم إلا نادراً، وإن فعل فإنه يرجح ويذكر رأيه، ويحترم آراء الآخرين، ويقول بأن الاختلاف ناشئ عن أن كل عالم ينظر إلى الموضوع من جهةٍ غير التي ينظر منها العالم الآخر، والكل هدفه خدمة الدين.
  6. ومن مصادره التي ينقل عنها أحياناً: الكشاف، الظلال، كلمات القرآن – لمخلوف، فلم يكن تفسيره تكراراً للتفاسير السابقة، وإنما كان له طابع شخصي وأسلوب خاص.
  7. يلاحظ في تفسيره بكثرة، أنه يفترض أسئلة ويجيب عليها: (قد يتساءل إنسان … ، نقول: …..).
  8. كان الشيخ حريصاً على إظهار حكمة الله عز وجل في كل ما يأمر وينهى، فهو يلفت الانتباه دائماً إلى أن لله تعالى حكمة في كل ما يصدر عنه، قد نفهمها وقد نغفل عنها.
  9. كان معتدلاً في تفسير الآيات تفسيراً علمياً، وحملها على الحقائق العلمية، فقد اتبع في ذلك منهجاً وسطاً، وكان كثيراً ما يشير إلى قدرة الله وعظمته من خلال الاكتشافات العلمية والآيات الكونية.
  10. ظهرت عنايته بوضوح بتفسير القرآن بالقرآن، وربطه بين الآيات، ليس فقط لاشتراكها في لفظة، وإنما لاشتراكها في أمور قد تخفى على غير المتأمِّل.
  11. لكنه لم يلتفت إلى تفسير القرآن بالحديث الشريف، وإذا ذكر حديثاً ـ وهو قليل ـ لم يعتن بها من حيث بيان درجتها من الصحة وتخريجها، وكذلك فعل بالنسبة لأسباب النزول، ولعل هذا لأنه جعل كتابه هذا خواطر لا تفسيراً.
  12. غير أن الحق الذي يقال فإن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان قليل البضاعة في علم الحديث ، ومن ثم فقد كان قليل الاستشهاد بأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولربما كان يستغنى في التفسير بالقرآن واللغة عن التفسير بالسنة أو التأييد بها .
  13. برزت نزعة الشيخ الإصلاحية، فقد اهتم بمشكلات العصر الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وأظنه أغفل مشكلاته السياسية.
  14. وقع في الإسرائيليات وفي ذكر ما لا فائدة منه في تفسيره للقصص القرآني، على الرغم من تنبيهه على هذا الأمر وتحذيره منه.
  15. لم يلتزم بمذهب فقهي معين، ولم يتعصب لأيٍّ، وكان اهتمامه بجانب الفقه بالقدر الذي يوضّح مفهوم الآية التي يتناولها.
  16. استطاع الشيخ ـ رحمه الله ـ أن يرد شبهات كثير من اليهود والنصارى وأن يقلق مضاجعهم ويثير حفيظتهم ، ويبطل حججهم ، دون أن يخشى لائمة من أحد حتى أعلنت الحكومة الإسرائيلية قلقها من مثل هذه الأمور وأخبرت الحكومة المصرية بذلك ، فقامت أجهزة الإعلام بـ ” فلترة ” المادة قبل عرضها وحذف ما يمكن حذفه مما يتعلق باليهود خصوصـًا وبالنصارى كذلك .
  17. كثر التكرار في هذا التفسير، فلم يكن الشيخ يحيل على مواضع سابقة، كما كثرت الاستطرادات، وكان كثيراً ما يبسط المعلومات إلى درجة كبيرة، حتى إن القارئ قد ينسى ما هي الآية التي هو بصددها.
  18. كان الشيخ ـ رحمه الله ـ يبسط بأسلوبه الرائع ما استغلق على الناس فهمه ، ودق عليهم علمه ، وهذا ما حدا به أن ينزل من أسلوب الفصحى ـ وإن كان قديرًا عليه ـ إلى الأسلوب العامي في كثير من الأوقات ، بل وأغلبها كذلك .
  19. كان الشيخ ـ رحمه الله ـ يحاول الربط بين الآيات القرآنية ، والاكتشافات العلمية الحديثة دونما تكلف .
  20. كثيرًا كان الشيخ ـ رحمه الله ـ يرد أقوال المستشرقين وأذنابهم من العلمانين برد علمي منطقي واضح .
  21. أما أشعريته فإني أراه يتحاشى الخوض في المسائل العقدية في الأسماء والصفات ؛ لأنه يخاطب العامة ، فيكتفي بالعموم والإجمال.

هذه أهم ملامح تفسير الشيخ الشعراوي، وإن كان في تفسيره ـ رحمه الله ـ بعض المآخذ إلا أن هذا لا يغضّ من قيمته العلمية، فما هذا التفسير إلا نتاجاً بشرياً، يتسم بما يتسم به البشر.
يقول رحمه الله موضحـًا منهجه في التفسير : خواطري حول القرآن الكريم لا تعني تفسيرًا للقرآن .. وإنما هي هبات صفائية .. تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات .. ولو أن القرآن من الممكن أن يفسر .. لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بتفسيره .. لأنه عليه نزل وبه انفعل وله بلغ وبه علم وعمل .. وله ظهرت معجزاته .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بأن يبين للناس على قدر حاجتهم من العبادة التي تبين لهم أحكام التكليف في القرآن الكريم ، وهي ” افعل ولا تفعل .. ” تلك الأحكام التي يثاب عليها الإنسان إن فعلها ، ويعاقب إن تركها ،وهذه هي أسس العبادة لله سبحانه وتعالى ، التي أنزلها في القرآن الكريم كمنهج لحياة البشر على الأرض .. أما الأسرار المكتنـزة في القرآن حول الوجود ، فقد اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما علم منها .. لأنها بمقياس العقل في هذا الوقت ، لم تكن العقول تستطيع أن تتقبلها ، وكان طرح هذه الموضوعات سيثير جدلاً يفسد قضية الدين ، ويجعل الناس ينصرفون عن فهم منهج الله في العبادة إلى جدل حول قضايا لن يصلوا فيها إلى شيء .

والقرآن لم يأت ليعلمنا أسرار الكون ، ولكنه جاء بأحكام التكليف واضحة ، وأسرار الوجود مكتنزة .. حتى تتقدم الحضارات ويتسع فهم العقل البشري .. فيكشف الله سبحانه وتعالى من أسرار الكون ما يجعلنا أكثر فهمـًا لعطاءات القرآن لأسرار الوجود ، فكلما تقدم الزمن وكشف الله للإنسان عن سر جديد في الكون ، ظهر إعجاز في القرآن .. لأن الله سبحانه وتعالى قد أشار إلى هذه الآيات الكونية في كتابه العزيز .. وقد تكون الإشارة إلى آية واحدة أو بضع آيات .. ولكن هذه الآية أو الآيات تعطينا إعجازًا لا يستطيع العلم أن يصل إلى دقته .
والقرآن الكريم حمل معه وقت نزوله معجزات .. تدل على صدق البلاغ عن الله سبحانه وتعالى ، وعلى صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت أول معجزة أن القرآن كلام الله .. فيه من عطاء الله ما تحبه النفس البشرية ويستميلها .
إنه يخاطب ملكات خفية في النفس لا نعرفها نحن ولكن يعرفها الله سبحانه وتعالى خالق الإنسان وهو أعلم به .. هذه الملكات تنفعل حين تسمع القرآن الكريم فتلين القلوب ويدخل الإيمان إليها .. ولقد تنبه الكفار إلى تأثير القرآن الكريم في النفس البشرية تأثيرًا لا يستطيع أن يفسره أحد .. ولكنه يجذب النفس إلى طريق الإيمان ويدخل الرحمة في القلوب .
لذلك كان أئمة الكفر يخافون أكثر ما يخافون . من سماع الكفار للقرآن الكريم .. ويحاولون منع ذلك بأي وسيلة .. ويعتدون على من يتلو القرآن الكريم .. ولو أن هذا القرآن الكريم لم يكن كلام الله سبحانه وتعالى الذي وضع فيه من الأسرار ما يخاطب ملكات خفية في النفس البشرية .. ما اهتم أئمة الكفر بأن يستمع أحد للقرآن الكريم أو لا يستمع .. ولكن شعورهم بما يفعله كلام الله .. جعلهم لا يمنعون سماع القرآن الكريم فقط .. بل قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون )(فصلت/26) .
وهكذا نعرف أنه حتى أهل الكفر كانوا لا يمنعون سماع القرآن الكريم فقط .. بل يطلبون من أنصارهم أن يلغوا فيه ، ومعناها ( يشوشرون عليه ) .. ولا يمكن أن يكون هذا هو مسلكهم وتلك هي طريقتهم إلا خوفـًا مما يفعله القرآن الكريم في كسب النفس البشرية إلى الإيمان .. إن مجرد تلاوته تجذب النفس الكافرة إلى منهج الله .
ولو نأخذ مثلاً قصة إسلام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ نجد أنه علم أن أخته فاطمة وزوجها ابن عمه سعيد بن زيد قد أسلما .. فأسرع إليهما ليبطش بهما وحاول أن يفتك بسعيد بن زيد .. فلما تدخلت زوجته فاطمة لحمايته .. ضربها حتى سال منها الدم .. وعندما رأى عمر الدم يسيل من وجه أخته فاطمة .. رق قلبه وحدث في قلبه انفعال بالرحمة بدلاً من انفعال الإيذاء .. فخرج العناد من قلبه وملأه الصفاء .. فطلب من أخته صحيفة القرآن التي كانا يقرآن منها .. وقرأ من أول سورة ” طه ” ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه .. ثم أسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إسلامه .. ولذلك فإنه إذا خرج العناد والكفر من القلب .. واستمع الإنسان بصفاء إلى القرآن الكريم دخل الإيمان إلى قلبه .
لقد سمع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ القرآن الكريم قبل ذلك ولم يسلم .. ولكنه عندما رأى الدم يسيل على وجه أخته وتبدل انفعال الإيذاء في قلبه بانفعال الرحمة .. استقبل القرآن الكريم بنفس صافية فامتلأ قلبه بالإيمان وأسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إسلامه .
ولذلك كان الكفار يحاولون إهاجة مشاعر الكفر في القلوب حتى لا يدخلها القرآن الكريم .. لأنه لكي تستقبل الإيمان يجب أن تخلص قلبك من الكفر أولاً .

وهكذا نرى أن القرآن الكريم لأنه كلام الله المثمر .. فإن له تأثيرًا خاصـًا في النفس البشرية .. حتى إن الكفار كانوا يسترقون سماع القرآن من وراء بعضهم البعض .. وكانوا يقولون : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ، وكان هذا أول إعجاز لأن القرآن الكريم هو كلام الله تبارك وتعالى .
ولقد وقف الصحابة والمؤمنون الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عطاء القرآن الكريم وقت نزوله فيما استطاعت عقولهم أن تطيقه من أسرار الكون ومن أسرار القرآن الكريم .. فلم نجد صحابيـًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آيات الكون في القرآن الكريم .. أو عن عطاءات القرآن في اللغة .. فمثلاً لم يسأل أحد عن معنى ” ألم ” .. أو ” عسق ” .. أو ” حم ” .. مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستقبل كثيرين يؤمنون بكتاب الله .. وكثيرين يكفرون بما أنزل الله .. وكان هؤلاء الكفار يريدون أن يقيموا الحجة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضد القرآن الكريم .. لم نسمع أن أحدًا منهم .. وهم قوم بلغاء فصحاء عندهم اللغة ملكة وموهبة وليست صناعة ..لم نسمع أحدًا من الكفار قال ماذا تعني ” ألم ” .. أو ” حم ” أو ” عسق ” .
كيف يمر الكافر على فواتح السور هذه ولا يجد فيها ما يستطيع أن يواجه به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويجادله ، لقد كانت هذه هي فرصتهم في المجادلة .. ولا شك أن عدم استخدام الكفار لفواتح السور هذه .. دليل على أنهم انفعلوا بها وإن لم يؤمنوا بها .. ولم يجدوا فيها ما يمكن أن يستخدموه لهدم القرآن الكريم أو التشكيك فيه .. ولو أن هذه الحروف في فواتح السور كانت تخدم هدفهم .. لقالوا للناس وجاهروا بذلك .
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الذي عليه القرآن الكريم نزل ، فسر وبين كل ما يتعلق بالتكليف الإيماني .. وترك ما يتعلق بغير التكليف للأجيال القادمة .. ويمر الزمن ويتيح الله سبحانه وتعالى لعباده من أسرار آياته سبحانه وتعالى في الأرض ما يشاء .. فيكون عطاء القرآن الكريم متساويـًا مع قدرة العقول .. لماذا ؟ لأن الرسالات التي سبقت الإسلام كانت محدودة الزمان والمكان .. أما القرآن الكريم فزمنه حتى يوم القيامة .. ولذلك فلابد أن يقدم إعجازًا لكل جيل .. ليظل القرآن الكريم معجزة في كل عصر .
والقرآن الكريم نزل يتحدى العرب في اللغة والبلاغة .. ولكن لأنه دين للناس جميعـًا .. فلابد أن يتحدى غير العرب فيما نبغوا فيه .. ولذلك نزل متحديـًا لغير العرب وقت نزوله .. فقد حدثت حرب بين الروم والفرس وقت نزول القرآن الكريم .. وكانت الروم والفرس تمثلان في عصرنا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي .. كانتا أعظم وأقوى دولتين في ذلك العصر .. وحدثت الحرب بينهما وانهزم الروم .. وإذا بالقرآن الكريم ينزل بقوله تعالى : ( ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون )(الروم/1ـ4) .
لو أن هذا القرآن الكريم من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما الذي يجعله يدخل في قضية كهذه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. لم يطلب أحد منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدخل فيها .. وكيف يغامر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كلام متعبد بتلاوته إلى يوم القيامة لا يتغير ولا يتبدل ، بإعلان نتيجة معركة ستحدث بعد سنين .. وماذا كان يمكن أن يحدث لقضية الدين كله لو أن الحرب حدثت وانتصر الفرس مرة أخرى .. أو أن الحرب لم تحدث وتوصل الطرفان إلى صلح .. إنها كانت ستضيع قضية الدين كله .. ولكن لأن الله سبحانه وتعالى هو القائل وهو الفاعل .. جاءت هذه الآية كمعجزة لغير العرب وقت نزول القرآن الكريم .. وحدثت المعركة فعلاً وانتصر فيها الروم كما أخبر القرآن الكريم .

ولكن القرآن الكريم لم ينزل معجزة لفترة محدودة .. بل هو معجزة حتى قيام الساعة .. والقرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى ، والكون هو خلق الله سبحانه وتعالى .. ولذلك جاء القرآن الكريم يعطي إعجازًا لكل جيل فيما نبغوا فيه .. فإذا أخذنا العلوم الحديثة التي اكتشفت في القرن العشرين وأصبحت حقائق علمية .. نجد أن القرآن الكريم قد أشار إليها بإعجاز مذهل .. بحيث أن اللفظ لا يتصادم مع العقول وقت نزول القرآن الكريم .. ولا يتصادم معها بعد تقدم العلم واكتشاف آيات الله سبحانه وتعالى في الأرض .. ولا يقدر على هذا الإعجاز المذهل إلا الله سبحانه وتعالى .. اقرأ مثلاً قول الحق تبارك وتعالى : ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوجٍ بهيج )(ق/7) .
والمد معناه البسط .. وعندما نزل القرآن الكريم بقوله تعالى : ( والأرض مددناها ) .. لم يكن هذا يمثل مشكلة للعقول التي عاصرها نزول القرآن الكريم ، فالناس ترى أن الأرض ممدودة .. والقرآن الكريم يقول : ( والأرض مددناها ) .. وتقدم العلم وعرف الناس أن الأرض كروية .. وانطلق الإنسان إلى الفضاء ورأى الأرض على هيئة كرة .. هنا أحست بعض العقول بأن هناك تصادمات بين القرآن الكريم والعلم .. نقول لهم أقال الله سبحانه وتعالى أي أرض تلك المبسوطة أو الممدودة ؟ لم يقل سبحانه وتعالى ، ولكنه قال سبحانه وتعالى الأرض على إطلاقها .. أي كل مكان على الأرض ترى فيه الأرض أمامك مبسوطة .
إذا نزلت في القطب الشمالي تراها مبسوطة .. وإذا كنت في القطب الجنوبي تراها مبسوطة .. وعند خط الاستواء تراها مبسوطة .. وإذا سرت من نقطة على الأرض وظللت تسير إلى هذه النقطة فالأرض أمامك دائمـًا مبسوطة .. ولا يمكن أن يحدث هذا أبدًا إلا إذا كانت الأرض كروية .. فلو أن الأرض مثلثة أو مربعة أو مسدسة .. أو على أي شكل هندسي آخر .. لوصلت فيها إلى حافة ليس بعدها شيء .. ولكن لكي تكون الأرض مبسوطة أمامك في أي مكان تسير فيه فلابد أن تكون على هيئة كرة .
هذا الإعجاز يتفق مع قدرات العقول وقت نزول القرآن الكريم .. وإذا تقدم العلم ووصل إلى حقيقة لما لم يعتقده الناس .. تجد أن آيات القرآن تتفق مع الحقيقة العلمية اتفاقـًا مذهلاً .. ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى .
ولو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعرض لهذه الآيات الكونية تعرضـًا لا يتناسب مع استعدادات العقول وقت نزول القرآن الكريم .. فإنه ربما صرف العقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أساسيات الدين إلى جدل في أسرار كون لا يستطيع العقل أن يستوعبها أو يفهمها .. ولكن الحق تبارك وتعالى ترك في الكون أشياء لوثبات العقول في العلم .. بحيث كلما تقدم العلم وجد خيطـًا يربط بين آيات الله سبحانه وتعالى في الكون وآياته سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. ولو أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسر كونيات القرآن وقت نزوله لجمد القرآن .. لأنه لا أحد منا يستطيع أن يفسر بعد تفسير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبذلك يكون عطاء القرآن الكريم قد جمد .. ولكن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفسير أتاح الفرصة لعطاءات متجددة للقرآن الكريم إلى قيام الساعة .. وهكذا كان المنع هو عين العطاء .. وهذه معجزة أخرى من إعجاز القرآن الكريم .
ونظرة واحدة فيما قاله الله سبحانه وتعالى في كونيات الحياة التي أتيحت للعقل البشري في القرن العشرين .. نجد أن القرآن الكريم يشير إليها ؛ لأن العمر في الرسالة القرآنية إلى أن تقوم الساعة .. ومادام إلى أن تقوم الساعة .. يظل القرآن الكريم معجزة حتى قيام الساعة .. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد )(فصلت/53) .

فأنا بدوري أحوم بخواطري حول هذه المعاني إيناسـًا بعلة حكم ، أو استمالة لجمال أداء ، أو اكتشافـًا للمعطيات القرآنية في الأسرار الكونية ، وأملي من ذلك أن يعشق المسلمون إسلامهم أولاً ، وأن يعلموا جيدًا أن واقع الحياة سيرغم إلى كثير من أحكام القرآن الكريم ، فمن لم يأخذه دينا سيأخذه نظامـًا .

الجوائز التي حصل عليها:

  • وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، قبل تعيينه وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر.
  • وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1983م وعام 1988م.
  • حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1988 كما حصل على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة في 1990م .
  • حصل على جائزة دبي لشخصية عام 1998 م .
  • اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، وعهدت إليه بترشيح من يراهم من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية، لتقويم الأبحاث الواردة إلى المؤتمر.
  • أُعدت حوله رسائل جامعية عدة.

وفاته:

توفى يوم 17 من أبريل عام 1998 م .

Visited 41 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14427 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع