تمهيد
سبب تسميتها – فضلها- أهم موضوعاتها.

سبب تسميتها بسورة يس
سميت سورة يس لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية: ياء، وسين.
فضل السورة :
ذكر المفسرون أحاديث كثيرة وآثاراً في فضل هذه السورة، ولكن أكثر ما ذكروه ضعيف السند أو موضوع ،– وإنما أسوقه هنا للتنبيه عليه ؛ فمنها:
- حديث: “إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات” [1]
- حديث: “اقرؤوا على موتاكم يس”[2]
- حديث: “من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له” [3]
- حديث: “يس لما قرئت له.”[4]
- حديث ” من دخل المقابر فقرأ سورة (يس)، خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات” [5]
الخلاصة:
معظم الأحاديث الواردة في فضل سورة يس إما ضعيفة أو لا أصل لها، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح يخص سورة يس بفضل معين.
لذا، يُستحب قراءة القرآن الكريم عمومًا، دون تخصيص سورة معينة بفضل لم يثبت.
هل صح أن سورة يس تقرأ لقضاء الحاجة؟
نقل الحافظ ابن كثير في تفسيره عن بعض أهل العلم: “أنَّ مِن خصائص هذه السورة أنها لا تُقرَأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى”
وهذا اجتهاد ليس عليه دليل صحيح، على أننا ننبه هنا إلى أن كثيرا ممن تقضى له الحاجات عند دعائه، أو قراءته لمثل ذلك، إنما تقضى له لأجل ما كان بقلبه من الاضطرار والفقر إلى ربه، وصدق اللجوء إليه، لأن المسلم إذا قام بعمل صالح ثم دعا الله متوسلا بهذا العمل كان أرجى في الإجابة ، سواء كان هذا العمل تلاوة قرآن أم صوم أم صدقة …الخ.
فلا يعني هذا استجابة الدعاء لمكان بعينه أو سورة بعينها ، وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذا المعنى فقال: ( سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرا اضطرارا لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار، إذا لم يعف الله عنه…”ثم يقول: ” ومن هنا يغلط كثير من الناس؛ فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سُنّة، كأنه قد فعله نبي؛ وهذا غلط لما ذكرناه، خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيُضَرون به؛ لأنه ليس العمل مشروعا فيكونَ لهم ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل، الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل “[6]
ما حكم قراءة سورة يس للرقية:
الرقية ليست من باب التوقيف، فتجوز بكل آيات القرآن، وبكل دعاء مباح، فقراءة سور من القرآن والرقية بها لا حرج فيها، فإن الرقية مشروعة في أصلها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها.
وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: (اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْك)[7]
وجاء في صحيح ابن حبان عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: عالجيها بكتاب الله. صححه الألباني”
ويعوّل فيها على التجربة، لأنها من باب التداوي، فما ثبت بالتجربة أنه ينفع المريض جاز استعماله ما لم يكن فيه معصية أو ضرر.
قال ابن مفلح رحمه الله: “وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله [يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية] يكتب على جبهة الراعف [الذي أصابه نزيف من الأنف]: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ”
وقال أيضا: “قال صالح – ابن الإمام أحمد -: ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحا فيه ماء فيقرأ عليه ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك، ونقل عبد الله بن الإمام أحمد أنه رأى أباه يعوذ في الماء ويقرأ عليه ويشربه، ويصب على نفسه منه”. [8]
وقال ابن القيم: قال الله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) [الإسراء:82] والصحيح: أن: من هاهنا، لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) [يونس:57] فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا. [9]
وأما تكرار السور ثلاثا أو سبعًا، وإعادة الرقية ثلاثة أيام أو أسبوع فكل هذا مبني على الخبرة والتجربة لأن أمور الرقى يباح ما جرب نفعه منها إن لم يكن فيه شرك.
وقد نقل الإمام القرطبي عن يحيى بن أبي كثير قوله: بلغني أن من قرأ سورة يس ليلًا لم يزل في فرح حتى يصبح ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي قال: وقد حدثني من جربها، ذكره الثعلبي وابن عطية، قال ابن عطية: ويصدق ذلك التجربة . اهـ .[10]
بين يدي السورة
سورة (يس) تضمنت تقرير الأصول الثلاثة: الوحدانية، والرسالة، والبعث والحشر، بأقوى البراهين.
فجاءت فاتحتها ببيان الرسالة، بقوله سبحانه: (إنك لمن المرسلين} (يس:3). وجاءت خاتمتها ببيان الوحدانية والحشر؛ في قوله عز وجل: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} (يس:83) إشارة إلى التوحيد. وقوله تعالى: (وإليه ترجعون} (يس:83) إشارة إلى الحشر.
وقال ابن عاشور: “قامت السورة على تقرير أمهات أصول الدين على أبلغ وجه وأتمه من إثبات الرسالة، والوحي، ومعجزة القرآن، وما يعتبر في صفات الأنبياء، وإثبات القَدَر، وعلم الله، والحشر، والتوحيد، وشكر المنعم -وهذه أصول الطاعة بالاعتقاد والعمل، ومنها تتفرع الشريعة- وإثبات الجزاء على الخير والشر، مع إدماج الأدلة من الآفاق والأنفس بتفنن عجيب، فكانت هذه السورة جديرة بأن تسمى (قلب القرآن)؛ لأن من تقاسيمها تتشعب شرايين القرآن كله، وإلى وتينها ينصب مجراها”. (الوتين: عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه).[11]
وعلى الجملة يمكن ذكر مقاصد هذه السورة وفق التالي:
- التحدي بإعجاز القرآن بالحروف المقطعة، وبالقَسَم بالقرآن؛ تنويهاً به، ووصفه بـالحكيم إشارة إلى بلوغه أعلى درجات الإحكام.
- أَوْلَت السورة أهمية لبناء أسس العقيدة؛ فتعرضت لطبيعة الوحي، وصدق الرسالة منذ افتتاحها، ولقضية الألوهية والوحدانية، واستنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن، الذي جاء من أقصى المدينة ساعياً؛ ليحاج قومه في شأن المرسلين.
- تحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتفضيل الدين الذي جاء به في كتاب منزل من الله؛ لإبلاغ الأمة الغاية السامية، وهي استقامة أمورها في الدنيا، والفوز في الآخرة.
- وصف إعراض أكثر مشركي قريش عن تلقي الإسلام، وتمثيل حالهم الشنيعة، وحرمانهم من الانتفاع بهدي الإسلام، وأن الذين اتبعوا دين الإسلام، هم أهل الخشية، وأن الإسلام هو الدين الموصوف بالصراط المستقيم.
- ضرب المثل لفريقي المتبعين والمعرضين من أهل القرى بما سبق من حال أهل القرية، الذين شابه تكذيبهم الرسل تكذيب قريش، وكيف كان جزاء المعرضين من أهلها في الدنيا، وجزاء المتبعين في الآخرة. إضافة إلى ضرب المثل بالأعم، وهم القرون الذين كذبوا، فأهلكوا.
- التذكير بأعظم حادثة حدثت على المكذبين للرسل والمتمسكين بالأصنام من الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام منذراً لهم، فهلك من كذب، ونجا من آمن.
- ذكر جملة من الآيات الكونية التي بثها سبحانه في الكون، والامتنان على عباده بالنعمة التي تتضمنها تلك الآيات، وبيان دلالة تلك الآيات والنعم على تفرد خالقها ومنعمها بالوحدانية؛ إيقاظاً للعباد من غفلتهم، وإرشاداً لهم للافتكار والاعتبار.
- وجهت السورة نداء الحسرة على العباد، الذين ما يفتؤون يكذبون كل رسول، ويستهزئون به، غير معتبرين بمصارع المكذبين، ولا متيقظين لآيات الله في الكون، وهي كثيرة.
- ذكر دلائل التوحيد المشوبة بالامتنان؛ للتذكير بواجب الشكر على النعم بالتقوى والإحسان وترقب الجزاء. والإقلاع عن الشرك والاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام، واستعجال وعيد العذاب، والتحذير من حلوله بغتة حين يفوت التدارك.
- بينت السورة أن الإنذار إنما ينفع من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، فاستعد قلبه لاستقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان.
- التذكير بما عهد الله إلى عباده مما أودعه في فِطَرهم من قابليات واستعدادات.
- الاستدلال على عداوة الشيطان للإنسان، والإرشاد إلى اتباع دعاة الخير.
- نفت السورة أن يكون ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم شعر، ونفت عن الرسول كل علاقة بالشعر أصلاً.
- النعي على المشركين اتخاذهم آلهة من دون الله، يبتغون عندهم النصر، وهم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة المدعاة.
- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزنه قول الذين أشركوا، وأن له بالله أسوة، إذ خلقهم، فعطلوا قدرته عن إيجادهم مرة ثانية، ولكنهم راجعون إليه، لا مفر لهم من ذلك.
- القضية التي اشتد عليها التركيز في السورة، وترددت في مواضع كثيرة منها، هي قضية البعث والنشور؛ وذلك بغرض الاستدلال على تقريب البعث وإثباته، وتذكير العباد بالنشأة الأولى من نطفة؛ ليروا أن إحياء العظام وهي رميم كتلك النشأة ولا غرابة.+
[1] ضعيف. رواه الترمذي (حديث رقم 2887) وقال: “هذا حديث غريب”، وذكر أن في سنده هارون أبو محمد وهو شيخ مجهول
[2] رواه أحمد (19789) وأبو داود (3121) عن معقل بن يسار والحديث ضعيف ، ضعفه النووي في “الأذكار” ، وقال ابن حجر في ” التلخيص” (2/104) : ” أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال روايه أبي عثمان وأبيه . ونقل ابن العربي عن الدارقطني أنه حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ، ولا يصح في الباب حديث ” انتهى وضعفه الألباني في “إرواء الغليل” (688)
وقد ذهب جمهور العلماء ( منهم الحنفية والشافعية والحنابلة ) إلى استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر، واستدلوا على ذلك بهذا الحديث رغم ضعفه، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .ففي “الاختيارات” (ص 91) :” والقراءة على الميت بعد موته بدعة ، بخلاف القراءة على المحتضر ، فإنها تستحب بياسين ” انتهى.
قالوا : والسبب في استحباب قراءتها :أن هذه السورة مشتملة على التوحيد والمعاد، والبشرى بالجنة لمن مات على التوحيد، بقوله : ( يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ) فتستبشر الروح بذلك، فيسهل خروجها .
وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى كراهة قراءة سورة يس أو غيرها عند المحتضر ، لضعف الحديث الوارد في ذلك ، ولأنه ليس من عمل الناس .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل قراءة سورة (يس) عند المحتضر ثابتة في السنة أم لا ؟فأجاب : قراءة ( يس ) عند المحتضر سنة عند كثير من العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اقرأوا على موتاكم يس ) ، لكن هذا الحديث تكلم فيه بعضهم وضعفه ، فعند من صححه تكون قراءة هذه السورة سنة ، وعند من ضعفه لا تكون سنة . والله أعلم ” انتهى .
[3] رواه ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى، وقال عنه الشيخ الألباني: “ضعيف”.
[4] قال السخاوي: “لا أصل له بهذا اللفظ”، وذكر القاضي زكريا أنه موضوع
[5] حديث موضوع انظر “الموضوعات” لابن الجوزي (2/313)، “الفوائد المجموعة” للشوكاني (942،979)
[6] اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ( 698:700/2)
[7] رواه مسلم (2200).
[8] “الآداب الشرعية” (2/442).
[9] زاد المعاد في هدي خير العباد الجزء الرابع، صفحة 287، طبعة الرسالة
[10] الإمام القرطبي – في الجامع لأحكام القرآن، عند تفسير سورة يس.
[11] انظر: التحرير والتنوير، سورة يس، الآية 1 –(23/5) دار سحنون / الدار التونسية للنشر)