تفسير سورة الفاتحة: 3- هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟

تاريخ الإضافة 18 يونيو, 2025 الزيارات : 134

3- بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بها

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب أم تجزئ هي أو غيرها؟

على قولين مشهورين:

القول الأول: فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم، أنها لا تتعين بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة واحتجوا ب :

 أ- عموم قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) [المزمل: 20]

ب- ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» قالوا فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها فدل على ما قلنا.

القول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك ب :

أ‌- حديث: “من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث “غير تمام»

ب -ما ثبت في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

ج- وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن»

المسألة الثانية: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟

هناك ثلاثة أقوال للعلماء :

الأول : يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية كالسرية وهو المذهب عند الشافعية وقول ابن حزم من الظاهرية.

لما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله : ” من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام “

القول الثاني :أن الإمام يتحمَّل قراءة الفاتحة عن المأموم ما دام خلف الإمام، سواء كانت الصلاة سريّة أو جهرية، وهو مذهب الحنفية .

القول الثالث : وهذا قول جمهور العلماء، وهو مذهب ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي ) قاله في المذهب القديم) واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ومذهبهم التفصيل والتفريق بين الجهرية والسريّة، قالوا : إذا كان المأموم يسمع قراءة الإمام، ويؤمن عليها فالإمام يتحمل عنه قراءة الفاتحة، وإذا كان المأموم لا يسمع قراءة الإمام ولا يؤمن عليها لكون الصلاة سرية فعليه أن يقرأها ‏.‏

القول الراجح:

 هو القول الثالث، وهو أن المأموم إذا كان يسمع قراءة الإمام في الصلاة الجهرية فلا يقرأ لا بالفاتحة، ولا بغيرها، بل يجب عليه الإنصات لقراءة إمامه؛ ولا يشرع للإمام السكوت ليقرأ المأمومون .

 والأدلة على ذلك ما يأتي:

1- قول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال الإمام أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية نزلت في الصلاة.

2- وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله قال: { إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا } رواه الخمسة إلا الترمذي.

3- وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إن رسول الله خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: أقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا…. الحديث وفيه-: وإذا قرأ فأنصتوا (.

4- وروى الدارقطني عن عبد الله بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة } وقد روي هذا الحديث مسندا من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله- قال: ” إن هذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم” [1]

5- ومما يؤيد ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه ” لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين:

  • إما أن يقرأ مع الإمام.
  • وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ .

ولم نعلم نزاعا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة؛ فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر.

 بل نقول: لو كانت قراءة المأموم في حال الجهر والاستماع مستحبة، لاستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم. وحجتهم في ذلك أن النبي لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون، ولا نقل هذا أحد عنه. [2]

فهذه الأدلة تفيد بمجموعها عدم مشروعية قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام.

وأما حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه – عن النبي أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه، وحديث أبي هريرة –رضي الله عنه- في صحيح مسلم أن النبي قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القران فهي خداج ثلاثاً غير تمام)

فهذه النصوص يمكن الجواب عنها بجوابين:

الأول: أنها مخصوصة بالنصوص الأولى، فتحمل على غير المأموم جمعاً بين الأحاديث، بدليل الإجماع على عدم الأخذ بعمومها، قال الإمام أحمد رحمه الله: “ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ”.

والثاني: أن الإمام إذا قرأ وأنصت له المأموم وأمّن على قراءته، فهو في حكم من قرأها، كما أخبر الله تعالى عن دعاء موسى على فرعون، فقال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ  رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 88-89] فثنى الضمير مع أن المتكلم واحد.

 قال أهل العلم: لأن هارون كان يؤمن على دعاء موسى، فنسب الدعاء إليهما جميعاً.

 قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ” وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها”.


[1] الفتاوى الكبرى 2/290.

[2] الفتاوى الكبرى 2/290.

 

Visited 31 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع