تفسير سورة الفاتحة: 4- أسرار ومعاني الاستعاذة

تاريخ الإضافة 18 يونيو, 2025 الزيارات : 166

 4- أسرار ومعاني الاستعاذة

أولا/ معنى الاستعاذة.

ثانيا/ الاستعاذة عبادة دالة على التوحيد.

ثالثا/ ما الحكمة من خلق إبليس؟

رابعا / الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن.

خامسا / موضع الاستعاذة.

سادسا/ صيَغ الاستعاذة.

 أولا/ معنى الاستعاذة

الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله عز وجل والاحتماء بجنابه، من شرّ كل ما يُخاف منه، وخاصة شرّ الشيطان.

(أعوذ بالله)  معناها ألتجئ وأستعين بالله.

والعُوّذ أصله اللحم الملتصق بالعظم، وفي المثال العربي يقولون: (أطيب اللحم عُوّذه ) يعني اللحم الملتصق بالعظم هذا أطيب في الطعم وإذا أردت أن تأخذ من هذا اللحم شيئا يبقى جزء منه ملتصقا بالعظم ، فجاء معنى التعوذ بالله عز وجل أو الاستعاذة بالله ليدل على معنى الاحتماء بالله والالتصاق بركنه وجنابه وحفظه.

فحينما تقول أعوذ بالله أي أنا ألتجئ مستعينا محتميا بالله جل وعلا.

هذا الالتجاء وهذا الالتصاق دائم لا أنفك عنه، أعوذ بالله في كل أحوالي، من كل شيء أخافه وكل شيء أهابه وكل شيء لا أستطيع له دفعا.

(الشيطان) مُشتقّ من «شطن » أي: بَعُدَ، والعرب تقول شطنت الدار إذا بعدت، والشيطان سُمّي بذلك لبُعده عن الحق، وطرده عن رحمة الله.

والشيطان:هو كل مخلوق متمرّد عن طاعة الله، سواء كان من الجن أو الإنس أو حتى من الدوابّ، كما جاء في القرآن:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:112]

(الرجيم)الرجم في اللغة الرمي بالشرّ وبما يؤذي ويضرّ، ويكون في الأمور الحسية والمعنوية؛ فمن الأول الرجم بالحجارة، ورجم الشياطين بالشهب، ومن الثاني: الرجم بالقول السيء من السبّ والشتم والقذف

والرجيم بمعنى مرجوم، كما يقال: لَعِين بمعنى ملعون، وقتيل

بمعنى مقتول، وهكذا فيما كان على فَعِيلٍ وهو بمعنى مفعول.

ثانيا/ الاستعاذة عبادة دالة على التوحيد

الاستعاذة عبادة عظيمة تدل على:

  1. التوحيد الخالص لله ؛ فالعبد إذا استعاذ بالله فإنه يعلن افتقاره إلى ربّه جلّ وعلا، وإقراره بضعفه، وحاجته إلى مولاه.
  2. الاستعاذة تستلزم إيمان العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وتدبيره وتصرّفه التامّ في الكون.
  3. تدل على إيمان العبد بقدرة ربّه جلّ وعلا على إعاذته مما يرجو ويخاف .
  4. وتدل على إيمانه بعزّة الله وجبروته وأنه لا يعجزه شيء.
  5. وتدل على إيمانه بعلم الله عزّ وجلّ بحاله وحال ما يستعيذ منه، وإحاطته بكلّ شيء علما.
  6. وتستلزم أيضاً إيمان العبد بسمع الله وبصره وحياته التامّة وقيّوميّته فهو سبحانه: ﴿ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33]
  7. والمستعيذ بالله ينشغل قلبه بعبادات يحبها الله، نحو الصدق والإخلاص والمحبّة والخوف والرجاء والتوكّل وغيرها..
  8. أن النفس البشرية إذا أمِنَت المضارّ ارتاحت إلى اتّباع الهوى وطول الأمل، ودخل عليها من العلل والآفات ما يسوء به الحال والمآل؛ فكان من حكمة الله تعالى أن قدّر من أقدار الشرّ ما يحمل عباده على الاستعاذة به جلّ وعلا، واتّباع هداه؛ فتتطهّر قلوبهم وتتزكّى نفوسهم .
  9. التجاء القلب إلى الله تعالى وطلب إعاذته يدل على اعتقاده أن النفع والضر بيد الله وحده جلّ وعلا، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

ثالثا/ ما الحكمة من خلق إبليس؟

1- ظهور عبودية أنبيائه وأوليائه حينما يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم ويستعينون بالله في دفعه ودفع وساوسه ، ونحن نتعبد لله بقولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكان النبي يستفتح الصلاة بقوله: “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه “

2- ومن الحكم أن يعلم العباد أن الله سبحانه وتعالى لما قدر وقوع إبليس ووسوسته بالمعاصي أن هذا من باب إظهار الشيء وضده ، كما يقولون في اللغة العربية :

(وبضدها تتميز الأشياء)

 فخلق الله النفس الطاهرة جبريل رسول الله من الملائكة الذي ينزل بالوحي على الرسل ، وقدر الله سبحانه وتعالى خلق النفس الخبيثة إبليس الذي لا يعرف إلا المعصية ، وخلق الله السموات والأرض البياض والسواد الحرارة والبرودة ….الخ ، فخلق الشيء وضده لتتميز الأشياء فما كنا لنعرف الخير ووضوحه وصفاءه إلا بعد أن نرى الشر وظلمته وسواده.

3- ومن الحكم أننا ما كنا لنعرف الطاعة إلا بالمجاهدة لترك المعاصي والاستعانة بالله سبحانه وتعالى ، وإلا بمعرفة كلام الله حينما قال :  -( لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين )- [يس/60] وقال تعالى :  -( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير )- [فاطر/6] ومعرفة كلام الأنبياء والعلماء والاستجابة لتحذيرهم لنا من الشيطان.

4- ومن الحكم أن الله شرع التوبة لكل من عصى وشرد عن طريق الله وطاعته ،فمن هنا يأتي إبليس فيوسوس فيستجيب له من يستجيب ويزل من يزل ، ثم يلقي الله في قلبه نور الهداية والطاعة ويستشعر معنى التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، ويستغفر الله ، فما كان لنا فعل ذلك ونحن على الطاعة الدائمة وهذا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) وقال :  ” كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون”. [1]

رابعا/ الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]

 فالشيطان يريد أن يحول بين المرء وبين الانتفاع بالقرآن بما يستطيع من الكيد، فإن استطاع أن يردّه عن تلاوته أصلاً ردّه حتى يقع في هجران القرآن؛ فإن عصاه المسلم فقرأ القرآن اجتهد في صدّه عن الانتفاع بتلاوته بإفساد قصده، أو إشغال ذهنه، أو التلبيس عليه في قراءته أو غير ذلك من أنواع الكيد، إذ لا شيء أنكى على الشيطان ولا أغيظ عليه من أن يتّبع المسلم هدى ربّه جلّ وعلا ويفوز بفضله ورحمته.

وَمَن عصمه الله من كيد الشيطان عند تلاوته للقرآن كان أقرب إلى إحسان تلاوته، وتدبّر آياته، والتفكّر في معانيه، وعَقْلِ أمثاله، والاهتداء بهداه، وكان أحرى بالخشية والخشوع، والسكينة والطمأنينة، والتلذّذ بحلاوة القرآن، ووجدان طعم الإيمان، والفوز بنصيب عظيم من فضل الله ورحمته.

خامسا/ موضع الاستعاذة

قبل القراءة يستعيذ القارئ ويجهر بها على نحو ما يجهر بقراءته.

وهناك إجماع من العلماء على أنّ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست قرآنا، لكنها تستحب قبل التلاوة.

وفي الصلاة يندب للمصلي بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة ، أن يأتي بالاستعاذة سرا.

 وهل يقولها في الركعة الأولى أم في سائر الركعات ؟ قولان:

الأول :في كل ركعة، لوجود الفاصل بين القراءتين بالركوع والسجود.

الثاني : في الركعة الأولى فقط، لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله، أو تسبيح أو تهليل، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحو ذلك .

وتشرع عند الوسوسة في أي موضع من الصلاة:

لحديث مسلم عن عثمان بن ابى العاص يا رسول الله إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي.

فقال رسول الله : ذاك شيطان يقال له ” خنزب ” (بضم الخاء وكسرها) فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا .

قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى .[2]

سادسا/ صيَغ الاستعاذة

ورد في صيغ الاستعاذة عدد من الأحاديث منها:

  • حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فقالوا للرجل: (ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون.) رواه البخاري ومسلم .

عن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه قال: “كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. “رواه أبو داود في سننه وحسنه الألباني.

همزه: وساوسه ، ونفخه: الكبر، ونفثه: كل كلام قبيح أو شعر حرام.


[1] والبعض يفهم من هذه الأحاديث أن معناها لابد من الوقوع بالمعاصي ، وهذا ليس مقصودا من الحديث ، بل المفهوم يامن أذنبت فقد شرع الله لك التوبة ، يامن بعدت عن الله واتبعت طريق الشيطان ارجع إلى طريق الرحمن ، تب إلى الله واستغفر ربك -( واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما )- [النساء/106]

[2] ولكن قد يقول البعض نحن نتعوذ ولكن الوسوسة لا تزول ؟! والجواب : هذا يختلف من إنسان لآخر ، فالمؤمن التقي بمجرد الاستعاذة يطرد الشيطان (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فهؤلاء يطردون الشيطان بمجرد الذكر. أما ضعاف الإيمان فإن القلوب إذا انشغلت بالدنيا وحبها حتى لم يعد مكانا في القلب لذكر الله لا يمكن أن يطرد الشيطان بمجرد الاستعاذة فلابد من إفراغ القلب من الدنيا أولاً والإقبال علي الله بعد ذلك ، وفي الدعاء المأثور: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ).

Visited 31 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع