7- أسرار ومعاني (رب العالمين)

معنى اسم الله: (الرب)
الرب اسم من أسماء الله الحسنى ورد القرآن الكريم به كقوله تعالى في سورة الفاتحة (الحمد لله رب العالمين )
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) رواه البخاري عن عائشة.
والرب في اللُغة : هو المالك ، المصلح ، المربِّي .
وهو من الألفاظ المشتركة لغويا أي يطلق على الله حقيقة وعلى العبد مجازا لكن إذا نسب إلى العبد فإنه يأتي مضافا لشيء كقولنا :ربُّ الدار أي صاحبها، وربة البيت ومنه قول يوسف للرجل (ارجع إلى ربك …) أي سيدك يقصد الملك، وقول عبد المطلب (أما الإبل فأنا ربها وأما البيت فللبيت رب يحميه ) والمعنى أنا صاحب الإبل ومالكها.
إذن فمعنى اسم الرب :هو المصلح أحوال خلقه القائم على أمورهم .
وتحمل هذه المعاني ما يسميه العلماء بتوحيد الربوبية ؛ وهو الاعتقاد أن الله هو الفاعل لكل شيء في الكون فهو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويقبض ويبسط ….الخ
فهو سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنِعَمة الإيجاد، فأوجدنا الله من العدم، ثم إنه سبحانه وتعالى هيأ لنا أسباب الإمداد والحياة، فرعى الله الجنين ببطن أمه فأطعمه وسقاه ونماه وخلقه وصوره ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فلما خرج للدنيا جعل له رزقًا يجريه في صدر أمه، وقرب الفطام ينبت له الأسنان، ويألف الرضيع الطعام وينوع له في الزاد بأشكاله وأنواعه: هذا من الخضار، وهذا من الفاكهة، وهذا من اللحم، وهذا كذا وكذا.
وتكفل الله عز وجل بأرزاق خلقه فقال: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ﴾ [هود:6].
تبارك الذي بيده الملك:
ونؤمن أن الله هو الفاعل لكل شيء في هذا الكون، وأنه جل جلاله لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأن علمه محيط.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْر ُإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة آل عمران: الآيتان 26-27].
وقال تعالى حكاية عن الخليل إبراهيم حينما تبرأ من عبادة الأصنام التي يعبدها قومه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء: الآيات 75-82].
ولذلك أقول في ظل الأوضاع الحالية؛ وخاصة عند مشاهدة ومتابعة الأخبار، وما تحمله من آلام ومصائب فإن من آفاتها أنها تقطع العبد عن رب العالمين مما يورث المسلم اليأس والقنوط؛ لأن الله جل جلاله لا يرد على بال هؤلاء وطرحهم كله مادي بحت، والأخبار تطرح وتنشر مجردة عن ربط الأحداث بالله سبحانه وتعالى، فرب العالمين بيده الملك لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب عنه مثقال ذرة، فما بالك بالأحداث التي تحدث هنا وهنالك، فاربط الأمور بالله عز وجل، وأي آية يجريها الله، زلزال أو بركان أو حرائق غابات أو أي شيء من هذا القبيل، عبرة للمؤمن وللكافر، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59] حتى يعلم العباد أنهم مهما أوتوا من قوة فهم أمام قدرة الله عاجزون، لا شيء.
فمن لوازم الإيمان باسم الرب جل جلاله أن نربط الأحداث بالله عز وجل، ونستعين بالله في كل أمورنا.
وكل شيء يجري في هذا الكون يجري بمقادير الله، ﴿إنا َكُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: الآية 49] فالعبد الرباني المؤمن باسم الرب يرد الأمور إلى من يملك الأمر، من يدبر الأمر جل جلاله.
والمسلم يقف مما يدور حوله من أحداث موقف المستبصر بآيات الله؛ الذي يرى أن لله حكمة في كل قدر من أقداره، وكل فعل من أفعاله، ولا أقصد بهذا أن يكون المسلم متواكلًا ولا مغيبا عن الأحداث، إنما أقصد ألا ننخدع بتضخيمهم للباطل وتضخيم قوته وتفخيم ما يفعله أهل الباطل، وتقليل أهل الحق، والعمل على إحباطهم، وهزيمتهم نفسيًا.
الأمن لأهل التوحيد:
والمسلم إذا ضاقت به الأمور يلجأ إلى الله، وإذا أصابه قلق أو توتر يطلب الأمان من الله، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الذاريات: الآية 50]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [سورة الأنعام: الآية 82].
لما تخاف عليك بالفرار إلى الله الذي هو أكبر من كل شيء، أكبر من كل شيء يهددك.
فالمسلم له الأمن بالتوحيد، والتوحيد ليس مجرد كلمة نرددها على سبيل البركة؛ كلا، بل نقولها بركة ونقولها اعتقادًا ونقولها ثقة ونقولها يقينًا لا شك فيه أبدًا، ولو شعرت بالخوف، أو القلق، والتوتر، فاعلم أن الله بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
أنت بسبب ضعفك البشري يصيبك التوتر والقلق، لا شك؛ لكن حينما أخاف ماذا أفعل؟ أطلب الأمان ممن بيده كل شيء.
وهذه أم موسى لما خافت على ابنها ووصف الله حالة قلبها فقال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة القصص: الآية 10] والقلب عند المصيبة يصبح مضطربًا، يرتجف، وهذه طبيعة الضعف البشري، (لولا أن ربطنا) ربط الله على القلب فسكن.
ونبي الله موسى لما رأى السحرة ألقوا حبالهم وعصيهم خاف، وأخبرنا الله عن الحالة النفسية لموسى فقال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [سورة طه: الآية 67].
موسى رسول الله وكليم الله، لما رأى المشهد، أوجس منهم خيفة، وهذا مقتضى الفطرة بشرية، لكن رب العالمين ثبته: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ [سورة طه: الآية 68]هذا التثبيت يأتي من الله سبحانه وتعالى، ويأتي مع الإيمان بالله عز وجل.
فثبتوا الذين آمنوا:
ولذلك حينما يكون هناك مواقف صعبة فيها فتن أو شدائد لا يثبت أمامها القوي العضلات أو الطويل العريض، هذا إعداد بدني لا شك، لكن الأهم من الإعداد البدني الإعداد النفسي، الإعداد الإيماني، الارتباط بالله عز وجل ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [سورة الأنفال: الآية 12].
(الرعب) من يطيق هذا السلاح؟
من يستطيع أن يثبت جنديًا في أرض المعركة قد أصابه الفزع والهول؟
هذا الرعب يصيب الطيار في طائرته فتنقلب به، ويصيب العسكري في دبابته التي فيها من أدوات التكنولوجيا والرادار والاستشعار فيعمى ولا يرى شيئًا، وقد رأينا هذا بأنفسنا بغزة.
ويصيب الجندي وهو يحمل السلاح الآلي الرشاش المطور الذي عنده منظار كذا وكذا فيخطئ ولا يستطيع أن يفعل شيئًا.
الحالة النفسية والإيمانية لا تأتي بالتدريب على السلاح والقتال فقط، إنما تأتي بالارتباط الإيماني بالله عز وجل.
الحكمة من الابتلاء:
وكثير من الناس إذا أصيب بشدة كبيرة يصل إلى مرحلة اليأس والتفكير في الانتحار لضعف ارتباطه بالله.
ويسأل أحدهم: لماذا أنا مصاب بمرض كذا؟
يا أخي لو كُشف عنك الحجاب ورأيت الخلق لرأيت الجميع في هذه الدنيا مبتلى.
لكن لم فلان عنده كذا وفلان كذا؟ هذه ليست لي ولك، هذا تدبير الله عز وجل.
وقد قدر الله هذه الابتلاءات لحكم كثيرة منها :
1- الاختبار لأهل الإيمان: قال تبارك وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 2]، لا توجد جامعة من الجامعات تحصل على شهادتها إلا باختبارات، وبالتالي لن يدخل أحد الجنة إلا بعد الاختبار، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [سورة البقرة: الآية 214]
إذا فلا بد من الفتنة والاختبار، وإبراز قوة الإيمان وحقيقة الإيمان والارتباط بالله والثقة في الله عز وجل، وعدم اليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى.
2- ومن الحكم التربية: فالله سبحانه وتعالى يربي عباده على العطاء والمنع، بالسراء والضراء، بالعسر واليسر، بالمرض والعافية، بالغنى والفقر.
هذه ألوان الدنيا ، ومن لم يواجه هذه الأشياء في الدنيا، أو لم يكتشف حقيقة الدنيا عند أول صدمة، يصاب بالفزع والاكتئاب والتفكير في الانتحار؛ لأنه لم يتوقع مثل هذا.
لو ربيت ولدك على أن يكون مدللًا، كل ما يتمناه يجده، هذا الابن المدلل إذا واجه المجتمع يتفاجأ، ولذلك تجد هذا العنصر الفاسد في المجتمع زوجًا فاشلًا أو زوجة فاشلة، وفي مكان العمل موظفًا أو عاملًا فاشلًا، لأنه تربى على أنه يأخذ ولم يتربَّ على أن يعطي، تربى على أنه يكون مدللًا ولم يتربَّ على أن يكون في مواجهة الشدائد والصعاب.
3- اليقين أن كل شيء بيد الله: لو خوفوني على أجلي أو رزقي أرجع للثوابت الإيمانية عندي: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [سورة آل عمران: الآية 145]. ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [سورة العنكبوت: الآية 60]
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إن روح القدس جبريل عليه السلام نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وتستوفي أجلها” إذن لا نقص في عمرك ولا نقص في رزقك.
فعال لما يريد:
ليس من حق العبد أن يملي على الله ماذا يفعل وماذا يترك؟ فتدبير الكون لا يكون وفق هواي أو هواك؛ والله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: الآية 16]. و ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: الآية 68].
فيجب علينا أن نعلم يقينًا أن الكون كله بيد الله، وأنك المسلم يؤمن بأقدار الله عز وجل خيرها وشرها، ويؤمن بالسراء وبالضراء، وأن قضاء الله نافذ لا يرده راد ولا يعقب على حكمه أحد جل جلاله سبحانه وتعالى؛ فليس من حقنا أن نملي على الله ونحن عبيده ماذا يفعل أو نملي على الله ماذا يقدّر.
وإذا وقع قدر الله نستسلم قائلين: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: الآية 156].
نحن ملك له، ونحن عبيده، وفي النهاية نحن راجعون إلى الله عز وجل، وهو سبحانه الفاعل المدبر لكل شيء في هذا الكون، يفعل ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد بعزته، فسبحانه هو الذي تواضع كل شيء لعظمته ، وذل كل شيء لعزته، واستسلم كل شيء لقدرته.