9- شرح اسمي الرحمن والرحيم جل جلاله
اسم الرحمن جل جلاله:
الرحمن مشتق من الرحمة ، وهي: التعطف والشفقة. [1]
والرحمن هو من عمت رحمته الكائنات كلها في الدنيا سواء في ذلك المؤمن والكافر.
واسم الرحمن اختص به الله لا يتسمى به غيره .
اسم الرحيم جل جلاله:
مشتق أيضا من الفعل رحم فإذا قيل راحم فهو متصف بالرحمة، والمبالغة رحمن ورحيم، ويفترق هذا الاسم عن اسم الرحمن أنه يمكن تسمية غير الله به كما في قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [التوبة 128 ]
ما الفرق بين الرحمن والرحيم ؟
قيل في ذلك عدة أقوال، والراجح أن:
- الرحمن صفة للذات (ذات الله ) فالله في ذاته بلغت رحمته الكمال
- والرحيم صفة للفعل، ، فهو الذي يرحم خلقه جميعا ويسعهم برحمته.
بيان سعة رحمة الله بعباده :
الله سبحانه (كتب على نفسه الرحمة ) [الأنعام: 12]
والله عز وجل سبقت رحمته غضبه كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي أنه قال : ( لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي )
ولم يجعل في الدنيا إلا جزءا يسيرا من واسع رحمته يتراحم به الناس ويتعاطفون ، وبه ترفع الدابة حافرها عن ولدها رحمة وخشية أن تصيبه ، كما في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: ( جعل الله الرحمة مئة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)، وفي رواية أخرى عند البخاري قال : إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة ، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة ، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار .)
نتأمل هذه الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده ومخلوقاته كلهم لا تزيد عن كونها جزءا واحدا من رحمته ، ونتأمل كيف وسعت رحمته من هذا الجزء عباده في الدنيا فماذا عن التسعة والتسعين جزءا في الآخرة ، فهذه بها يعفو الله وبها يغفر وبها يقبل شفاعة الشافعين ويعفو عن العاصين .
وورد عند البخاري أيضا من حديث عمر بن الخطاب أنه قال : ( قدم على رسول الله بسبي ، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا رسول الله: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله ، وهي تقدر على ألا تطرحه ، فقال رسول الله : لله أرحم بعباده من هذه بولدها ).
والله إن الإنسان ليتوقف طويلا مع هذا الحديث الذي يبين فيه رسول الله مثالا حسيا لهذه المرأة فقدت طفلها في الحرب ، فكانت إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ وقد فعلت ذلك ليخفف ألم اللبن في ثديها ، وأخذت تبحث عن طفلها حتى وجدته فأخذته وضمته وأرضعته ، فرحمة الله بعباده أعظم من هذه الرحمة.
اللهم إنك أرحم بنا من أمهاتنا ، ورحمتك أوسع من ذنوبنا ،
ومغفرتك أرجى من عملنا فاغفر لنا وارحمنا يا أرحم الراحمين .
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها:
قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2] ،.
يخبر تعالى أن مفاتيح كل شيء بيده فما يفتحُ للناس من أرزاق وخيرات وبركات لا يمكن لأحد من خلقه أن يمسكها دونه وما يمسك من ذلك فلا يستطيع أحد من خلقه أن يرسله، وهو وحده العزيز الغالب على أمره ومراده فلا مانع لما أعطى ولا راد لما قضى الحكيم في صنعه وتدبير خلقه.
الراحمون يرحمهم الرحمن :
من أراد رحمة الله فليرحم الخلق، كما في الحديث عن عبد الله بن عمرو (الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) صححه الألباني
ودخل الأقرع بن حابس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو يقبل الحسن ويقبل الحسين فقال : والله أنا لي عشرة من الأولاد ما قبلت واحدا منهم فغضب النبى وقال: ( وما أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يرحم لا يرحم ) متفق عليه
بل كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المسجد فقابله الصبيان وقف يسلم عليهم، فعن جابر بن سمرة يقول جابر: صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة الأولى، فخرج إلى أهله فقابله الصبيان، فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يمسح خدى أحدهم واحدا واحداً، ثم مسح النبى صلى الله عليه وسلم على خدى فوجدت ليده بردا وريحا كأنه أخرجها من جوْنة عطار) صحيح مسلم.
والرحمة تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فالمؤمن يرحمه ويتقي الله فيه، ويعلم أنه مسؤول أمام ربه عن هذه العجماوات.
وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن الجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلبا فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
وقال رجل: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها. فقال: “إن رحمتها رحمك الله”، رواه الحاكم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم امسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في هذه البهائم لأجراً؟؟! فقال صلى الله عليه وسلم: في كــل كــبد رطـبــة أجر» مسلم.
ويروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (خيمته) فاتخذت من أعلاه عُشًّا، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة “الفسطاط”.
الرحمة بالعصاة :
مر أبو الدرداء بجماعة تجمهروا على رجل يضربونه ويشتمونه، فقال لهم: ما الخبر؟ قالوا: وقع في ذنب كبير، قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوه ولا تضربوه، لكن عِظُوه وبصِّروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في مثل ذنبه، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي، فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته وأوبته.
ما الحكمة من تكرار ذكر ﴿الرحمن الرحيم﴾ بعد ذكرهما في البسملة:
جاء ذكر هذين الاسمين بعد ذكر حمد الله تعالى وربوبيّته للعالمين؛ لبيان ما يناسب من معاني رحمة الله تعالى وسعتها لجميع العالمين، وأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، وأنه تعالى واسع الرحمة ؛ فيكون ذكر هذين الاسمين من باب الثناء على الله تعالى تقدمة بين يدي مسألته التي سيسألها في هذه السورة .
[1] ذكر ابن القيم أن وصف فعلان يدل على سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به؛ ألا تري أنهم يقولون غضبان للممتلئ غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن مليء بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول، ولهذا يقرن الله تعالي استواءه علي العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله سبحانه:( الرحمن علي العرش استوي) طه:5 وكقوله أيضا:( ثم استوي علي العرش الرحمن فاسأل به خبيرا) [الفرقان:59] فاستوي علي عرشه باسمه الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم علي اختلاف أنواعهم كما قال تعالي:( ورحمتي وسعت كل شيء) الأعراف:156 فاستوي علي أوسع المخلوقات بأوسع الصفات ومن ثم وسعت رحمته كل شيء.( بدائع الفوائد، 1/24–25)