
10- أسرار ومعاني”مالك يوم الدين”
مقصد هذه الآية تمجيد الله تعالى والتفويض إليه؛ كما صحَّ في الحديث القدسي (مجدني عبدي)
ما يدل عليه تمجيد العبد لربّه بذكر ملكه ليوم الدين:
1- عظمة ملكه تعالى، وكمال قدرته على بعثهم بعد موتهم.
2- سعة علمه، وإحاطته بكلّ شيء، وإحصائه أعمال عباده .
3- سرعة حسابه لعباده على أعمالهم ومجازاته إياهم.
4- عدله في جزائه، ورحمته وإحسانه لأوليائه ، وشدّة انتقامه من أعدائه.
5- تلاشي كلّ ملك دون ملك الله تعالى، واضمحلال قدرة كلّ أحد على أن يملك لنفسه أو لأحد غيره شيئاً.
القراءات في الآية:
في هذه الآية قراءتان متواترتان:
الأولى: (مالك يوم الدين) بإثبات الألف بعد الميم، وهي قراءة عاصم والكسائي.
والثانية: (ملك يوم الدين) بحذف الألف، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء وحمزة وابن عامر.
ما الفرق بينهما؟
المالك جل جلاله : ملك الشيء: أي حازه، وانفرد باستعماله ، والانتفاع به، أو التصرف فيه والاسم مالك ، وهو يعني ذو الملك وصاحب التصرف فيما يملك بجميع الوجوه ما علمناه منها وما لم نعلم.
والملك جل جلاله: صاحب التصرف المطلق الآمر الناهي الذي يصرف أمور عباده كما يشاء .
والمالك هو: المتصرِّف بفعله، والمَلِك هو: المتصرف بفعله وأمره، والله جل وعلا مالكُ الملك؛ فهو المتصرِّف فيه بفعله وأمرِه.
ولكن لماذا سمى الله نفسه مالك وملك ؟
لأن المالك يملك وقد لا يحكم ، والملك يحكم وقد لا يملك ، والله هو المالك الملك الذي يملك ويحكم.
والله جل جلاله ؛ له الكمال، فهو الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي له الحكم فيهما.
الله مالك كل شيء وما ملك :
يقول سبحانه (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض)[البقرة :107]، و(لله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير) [آل عمران 189]
لو نظرنا إلى حقيقة الملكية في الدنيا، هي ملكية مؤقتة، الشيء كان ملكًا لغيرك ثم انتقلت ملكيته إليك بالبيع والشراء، أو بالميراث، أو بأي وسيلة من وسائل التملك، ثم بعد ذلك سيأتي اليوم الذي ستموت، وتترك هذا الشيء لورثتك والورثة هكذا، وغيرهم، وغيرهم إلى آخر ذلك، إذًا فالملكية هنا في الدنيا مؤقتة، وهي ملكية اعتبارية، لأنك وما تملك ملك لله عز وجل.
وقد فقه الأعرابي لما سألوه: لمن هذه الغنم؟ قال: لله في يدي.
هذه الغنم ملك لله سبحانه وتعالى وأنا مؤتمن عليها، فالله مالك كل شيء وما ملك.
ونفس الكلام في الملك، أي ملك في الدنيا لم يولد ملكًا إنما آلت أو انتقل الملك من غيره إليه، وسيأتي اليوم الذي يترك فيه الدنيا أو يترك الملك ويكون الملك إلى غيره، حتى قالت العرب: “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”، سبحان الله العظيم! أي ملك من ملوك الدنيا ملكه أيضًا مؤقت، وهو أيضًا ملك محدود، إنه يملك قطعة محدودة من الأرض يحكمها؛ فرب العالمين جل جلاله له ملك السماوات والأرض .
وإنما خص الله نفسه بأنه ملك يوم الدين ومالك يوم الدين لأمرين:
الأول: أن الله يبدل الأرض في ذلك اليوم غير الأرض والسموات غير السموات ، كما قال تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ) [إبراهيم:48] فأراد تنبيه العباد على أن السموات والأرض له فهو سبحانه مالكهما.
الثاني: لأنه كان في الدنيا منازعين في الملك ، مثل فرعون والنمرود وغيرهما ، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه ، وكلهم خضعوا له ، وفي يوم القيامة ينادي الرب سبحانه ( لمن الملك اليوم) [غافر:16]
فلا يجيبه أحد فيجيب الحق نفسه بنفسه ( لله الواحد القهار)[غافر:17]
فلذلك قال : مالك يوم الدين ، أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره ، سبحانه لا إله إلا هو .
وأيضا : أن البشر لهم شبهة ملك في الحياة الدنيا، فهم يملكون الأراضي والقصور والبساتين والذهب والفضة ، ولكنهم بين خيارين إما أن يزول عنهم ما يملكونه في الدنيا، وإما أن يزولوا عنه، ويخلفوه وراءهم فهو ملك زائل ،وعارية مسترجعة، لكنهم في يوم الدين يوم الحساب والجزاء لا يملكون شيئا ، فالناس في ذلك اليوم يحشرون حفاة عراة غرلا كما قال تعالى: (وله الملك يوم ينفخ في الصور) [الأنعام: 73]
وعندما يفني الله يوم القيامة الأحياء ويبيدهم، يقبض سماواته بيمينه ، والأرض بيده الأخرى كما قال تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه) [الزمر:67.]
وعن عبد الله بن عمر قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم (يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ،ثم يقول :أنا الملك ،أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) رواه مسلم
ما معنى يوم الدين؟
سمّي يوم الدين لأنه يومٌ يُدان الناس فيه بأعمالهم، أي يجازون ويحاسبون، كما قال الله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) [النور: 25] و( أإنا لمدينون) [الصافات: 53] أي مجزيون محاسبون،
وفي الحديث “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» رواه الترمذي وضعفه الألباني، لكن معناه صحيح وله شواهد كثيرة.
والمعنى: (الكيس) العاقل والحكيم هو الذي:دان نفسه: أي بمحاسبتها ومراقبتها على أفعالها وأقوالها، ومحاسبتها على تقصيرها في الطاعات، ومنعها من الوقوع في المعاصي.
وعمل لما بعد الموت: أي استعد للآخرة بالأعمال الصالحة، من عبادات وطاعات وأخلاق حسنة، مدركًا أن الدنيا فانية وأنه سيحاسب على ما قدم.
وقال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم .
أثر الإيمان باسمي الملك والمالك جل جلاله
1- تمجيد العباد ربهم بصفة الملك:
قال تعالى : (تبارك الذي بيده الملكُ وهو على كل شيءٍ قدير ) [الملك:1]
فالله يمجد نفسه في هذه الآية تعليماً لعباده أن يمجدوه بذلك، مقرين بأنه تبارك وتعالى هو المتصرف في جميع مخلوقاته كما يشاء لا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
وقال تعالى : ( قل اللهم ملك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممَّن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قديرٌ) [ آل عمران: 26]، فلأنه هو المالك فله مطلق التصرف في ملكه فلا يحدث شيء إلا بأمره ، فمرد الأمور كلها لله ، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ، يقدر أسباب الخير والعز لمن يشاء ، ويذل من يشاء ويسلب نعمه عمن يشاء فكل شيء بيده .
وليس المقصود من الآية كما يعتقد بعض المسلمين أن يستسلم للواقع المهين ويرضى بالظلم ويقنع بالمهانة ويقول – مهملا الأخذ بالأسباب – الحمد لله على كل حال هذه إرادة الله !!! يا أخي هذه إرادة الله في القاعدين والكسالى ؛ فهذا معنى جبري لا ينبغي للمسلم أن يقول به أبدا ، فإن عون الله لا يكون للكسالى والقاعدين ، إنما عون الله لمن يبذل ما في وسعه آخذا بالأسباب ثم يترك النتائج على الله .
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا . ولكن قل : قدر الله . وما شاء فعل . فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم
2-عدم الاغترار بالمال أو السلطان:
وقد ضرب الله لنا أمثلة في القرآن للعظة والعبرة فأعطانا مثال المغتر بسلطانه في فرعون الذي بلغ به الكبر والغرور أن يقول: أنا ربكم الأعلى فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر وجعله عبرة لمن يعتبر !!
وإهلاك الله سبحانه لفرعون وقومه عبرة لكل ظالم متكبر من ملوك الأرض، ظن أنه مخلد، ونسي أن ملكه زائل وأن إقامته في ملكه مؤقتة وأن الموت مدركه لا محالة .
وأعطانا مثال المغتر بماله الجاحد نعمة ربه عليه في قارون ، وقد حدثنا القرآن عن كنوز قارون فقال سبحانه وتعالى : ( وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [القصص: 76]
إن مفاتيح الخزائن التي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء(العصبة والعصابة العدد من 40:10) فكيف كانت الكنوز ذاتها؟!ويبدو أن العقلاء من قومه نصحوه بألا يفرح فرحا يؤدي بصاحبه إلى نسيان من هو المنعم بهذا المال، ولا ينبغي أن ينسى الآخرة مغترا بالدنيا، وأن عليه أن يتصدق من هذا المال…..فكان رد قارون جملة واحدة) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء؛ فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، فجاءه العقاب حاسما: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) ابتلعته الأرض وابتلعت داره وكنوزه، وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال.
وفي هذا يقول الشاعر :
قدم لنفسك خيرًا وأنت مالك مالك
قبل أن يكون لون حالك حالك
ولست والله تدري أي المسالك سالك
إلى جنة عدن أو في المهالك هالك
لون حالك حالك: حالك الأولى من الحال أو الشأن، والثانية بمعنى أسود.