11- أسرار ومعاني “إياك نعبد”
قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين) آية عظيمة القدر والمعنى ، في أعظم سورة وأشرفها، سورة الفاتحة، قال عنها ابن القيم في مدارج السالكين : أنزل الله مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن وجمع معاني القرآن في المفصل وجمع معاني المفصل في الفاتحة ومعاني الفاتحة في: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين فنصفهما له تعالى وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ونصفهما لعبده وهو: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
ما السر في تقديم المفعول ( إياك ) ؟
قدم المفعول وهو إياك وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك وهذا هو كمال الطاعة.
والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا يجوز الاستعانة إلا به.
ما السر في نون الجمع في الفعلين: نعبد ونستعين ؟
إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام، والمراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه فكأن العبد إذا قال : ( إياك أعبد ) لكان ذلك تكبراً منه ، ومعناه أني أنا العابد أما لما قال: ( إياك نعبد) كان معناه أني واحد من عبيدك، فالأول تكبر، والثاني تواضع، ومن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله .
ما السر في اقتران العبادة بالاستعانة ؟
قرن الله تبارك وتعالى العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه، فقال جل جلاله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك ليدل على أن العبد لا يستطيع أن يقوم بأي عبادة إلا بإعانة الله وتوفيقه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه العبادة.
ما سبب تقديمَ العبادةِ في الآيةِ على الاستعانةِ ؟
يفسر هذا ما جاء في الحديث القدسي : (قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين) فالنصفُ الأولُ لله، والنصفُ الثاني للعبد، فالدِّينَ مُنقسمٌ إلى قسمين، عبادةٌ واستعانة، ولا يَكمُلُ دينُ امرئٍ حتى يقوم بهما على أكمل الوجوه.
فالصلاةُ عبادةٌ واستعانة، وسؤالُ اللهِ ودعاؤه عبادةٌ واستعانة، وأفضلُ الخَلْق مَن كَمَّلَهما وقام بهما على أكملِ وجهٍ وأحسنِ حال، وشَرُّ الخَلْق مَن تَرَكَ عبادةَ اللهِ، وتَرَكَ الاستعانةَ به على قضاءِ الحوائجِ، وكَشفِ الكُرَبِ، وتَيسيرِ الأمورِ، وشرحِ الصدور.
فالعبادة هي الغاية التي خلق الناس لأجلها، والاستعانة هي الوسيلة إليها، فإذا لم يعن الله عبده على طاعته، ولم يطلب العبد إعانته على ذلك؛ لا تحصل منه تمام العبادة، ولذلك علَّم النبي -عليه الصلاة والسلام- معاذاً دعاء يحافظ عليه بعد كل صلاة مكتوبة، يطلب العون من ربه في أداء عبادته:
فعن معاذ بن جبل، أنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيدي يوما، ثم قال: (يا معاذ! والله إني لأحبك)
فقال معاذ: بأبي وأمي يا رسول الله وأنا والله أحبك.
فقال: (أوصيك يا معاذ؛ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) رواه أحمد.
ما معنى العبادة ؟
العبادة في اللغة: من الذلة يقال طريق معبد أي مذلل.
والعبادة شرعا : عرفها ابن تيمية بقوله : (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة)
العبادات الظاهرة كالنطق بالشهادتين والصلاة والصيام والحج والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومساعدة المحتاج وغيرها .
أما العبادات الباطنة من الرغبة والرهبة والحب والخوف والرجاء والخشوع والذل، فالعبادة القلبية اوسع في الشرع من العبادة البدينة؛ لذا يثاب العبد على فعل قلبه ما لا يُثاب على فعل بدنه.
والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الذل.
ولا تتحقق العبودية إلا بالاثنين معاً فقد يحب المرء ابنه ، ولكن لا يذل له، وقد يذل المرء من الحاكم، ولكن لا يحبه، فلا ينبغي أن يجتمع كمال الحب، وكمال الذل إلا لله رب العالمين.
حينما تنفذ أو تطيع أمراً من أوامر الله لا تفعل ذلك كرهاً ولا تفعله بمشقة بحيث تشعر أنك في أقرب فرصة ستضيع هذا أو تترك هذا إنما تفعله ابتغاء وجه الله.
فأنا خاضع لأوامره ليس خضوع المُكره ولا المُجبر إنما خضوع المُحِب خضوع الذي يطيع ربه، وهو فرح مسرور، ولا يشعر أنه مُعاقب.
بين الضرائب والزكاة:
الناس في الضرائب يتعاملون مع المحاسب على أنه يجب أن يبذل أقصى ما في وسعه ليخفض الضرائب ويأخذ هذه الفاتورة ويفعل كذا ويفعل كذا وفي مادة في القانون الفلاني فيها كذا بحيث أنه يصل إلى أدنى درجة من دفع الضرائب.
لكن في الزكاة يجتهد لو كان عليه 100 يجعلها 150 لو عليه 150 يجعلها 300.
هذا هو الفرق بين ما كان مسألة قانونية ، وما كان مسألة شرعية، مسألة فيها التزام قانوني ومسألة فيها عبادة.
قال تعالى: )وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ( (الحجرات: 7).
فالراشدون عند الله هم الذين يقومون بالعبادة وهم يحبون الله، ويسعدون بطاعتهم لله فيسعدهم الله في الدنيا والآخرة.
ما الفرق بين العبادة والليبرالية؟
كلمة ليبرالية ليست معناها الحرية السياسية فقط ؛ إنما الليبرالية معناها أن تفعل ما تشاء بدون قيد من دين أو قانون؛ أي ليس عندك أي حدود، وهذا خلل كبير في السلوك فلا يوجد عبد لله يفعل كل ما يريده لأن معنى أن تفعل كل ما تريد معناه أن إلهك هواك.
لا بد أن تكون هناك قوانين في أي مسار من مسارات الحياة لتضبط المسائل، فلو أن التصور هو أن كل شخص يفعل ما يشاء فهذا معناه الفوضى، وضياع الحقوق والواجبات.
فمعنى كلمة عبد لله: أنك خاضع لأوامر الله سبحانه وتعالى، وليس خاضعاً لهواك، هواك هو المزاج أو المصلحة، أو المنفعة تدفعك إلى الاعتداء على شخص، أو كسب المال بوسيلة من وسائل الكسب المحرمة كالنصب، والاحتيال، والكذب ، والغش، والنفاق، الإسلام جاء ليضع لك حداً فاصلاً بين الحلال والحرام، وبين الحسن والقبيح.
بعض الناس يأتي ويقول لك: “أنا مسلم لكنني لست مقتنعاً أن الربا حرام” أو “أنا مسلمة لكنني لست مقتنعة أن الحجاب واجب” وهذا يا للأسف الشديد كلام يُكرَّر ويُعاد الآن، ولكنه قد يخرج قائله من دائرة الإيمان.
معنى أنك عبد لله أنك خاضع لأوامر الله، قد تقع في المعصية ،ولكن مع إقرارك بأنك عبد لله.
الفرق بين معصية آدم وإبليس:
نبي الله آدم عندما أكل من الشجرة هو وحواء قالا مقرين بالمعصية نادمين عليها: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23).
أما إبليس بالرغم من أنه عبد لله إلا أنه رد الأمر على الله، وقال: “لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” (الحجر: 33).
ماذا كانت النتيجة؟
الله تاب على آدم وقال لإبليس: “فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ” (الحجر: 34-35).
إذن العبادة معناها خضوع لأوامر الله.
عبادة العقل:
بعض الناس يربط موضوع العبادة وطاعة الله في أوامره ونواهيه بالتعليل العقلي؛ بمعنى : أن كل عبادة أمر الله بها أو تشريع يجب أن أفهمه بعقلي أولا، وأجد له سببا أو تعليلا مقنعا بالنسبة لي ، وهذا شيء لا يتحقق في كل العبادات؛ وليس ضرورياً أن يكون كل شيء له تبرير عقلي.
العلماء قالوا إن العبادات نوعان :
- عبادات معقولة المعنى.
- وعبادات غير معقولة المعنى.
أي أن عندنا أمور تُدرَك أسبابها كسبب تحريم الإسلام للخمر، ومن السهل أن تكتب عشرة أسباب، لماذا حرم الإسلام أكل الخنزير؟ لماذا حرم الإسلام الاعتداء والظلم؟ لكن عندنا أمور ليس فيها معانٍ يدركها العقل؛ مع يقيننا أن أوامر الله لا تخلو من الحكمة لكنك لم تدركها لقصور في إدراكك.
ما الحل؟ هنا معنى العبودية التامة لله “سمعنا وأطعنا”.
أمثلة على العبادات غير معقولة المعنى
- لماذا نصوم من الفجر إلى المغرب؟
- لماذا نصوم رمضان بالذات؟ لماذا لا نصوم شعبان أو شوال؟
- لماذا لا يكون الصيام من الظهر للعشاء أو من العصر للفجر؟
- لماذا المعتدة أو التي توفي زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام؟ لماذا أربعة أشهر وعشرة؟ لماذا ليست خمسة أشهر؟ لماذا ليست ثلاثة أشهر؟ لماذا عشرة أيام وليست اثنا عشر يوماً؟
فإذا لم أدرك الحكمة ليس معناها أن أرد الأمر على الله ؛ إنما معناها أن أستسلم لله، وهذا هو الخضوع التام لله تعالى.
الخضوع في الإسلام
نعلم أن الغرب فلسفته قائمة على نظريتين: نظرية الشيوعية الماركسية أو الرأسمالية، والقوانين في بلد تحمي الشيوعية، والقوانين في البلاد الأخرى تحمي الرأسمالية، ورجال الأعمال الداعمون للحكومات في الغرب دائماً تكون هناك قوانين تُفصَّل لمصلحتهم كوعد بتسهيل الاستثمار وتخفيض الضرائب وما إلى ذلك.
أما الإسلام فعندما وضع الشرائع لم يجعل مصلحة الفرد مقدمة على مصلحة المجتمع، بل جعل المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
فهناك من يريد إباحة الخمور، أو الزنا، أو غيرها ، فهذه مصلحة شخصية.
الإسلام جاء ليصون المجتمع من التبذل ومن التعري ومن أن يتحول إلى مجتمع منشغل بشهواته إلى توظيف هذه الغريزة، وهذه الفطرة فيما شرع الله من الزواج.
فالإسلام قننها وجعلها في إطارها الصحيح بأن هناك زوج وزوجة، ومسؤولية أولاد ينفق عليهم الأب، وترعاهم الأم حتى يبلغوا ويكونوا قادرين على الكسب.
أما أن تحصل علاقة بين رجل وامرأة، ثم إذا أراد أن يتركها يتركها وهي تتحمل مسؤولية الأولاد، أو أن الأولاد يضيعوا، أو أن الولد ينشأ ويشب لا يعرف من أبوه أصلاً، وربما يُنسب إلى أمه، أو غير ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذن الإسلام جاء ليحمي المصلحة العامة وليس المصلحة الفردية.
ورحم الله الشيخ الشعراوي كان يقول: “إن النظرة للحلال والحرام عند بعض الناس نظرة ضيقة، فلو وسعنا النظرة لعلمنا الحكمة من أوامر الله.
- فالله تعالى لم يُحَرِّم عليك أنت الغش والسرقة فقط، بل حرم على كل الناس أن يسرقوك ، وحرم على كل الناس أن يغشوك.
- ولم يُحَرِّم عليك أنت القتل وحدك، وإنما حرم على كل الناس أن يقتلوك، أو يستبيحوا دمك.
- ولم يُحَرِّم عليك أنت الزنا وحدك، إنما حرم على كل الناس أن يعتدوا على عرضك في زوجتك، أو ابنتك، أو أختك ، أو أمك”.
إذاً هنا نأخذ النظرة الشمولية الواسعة في الأوامر الإلهية، فإن أدركنا حكمة الله نقول “سمعنا وأطعنا” وإن لم ندرك حكمة الله نقول “سمعنا وأطعنا” ونتهم عقولنا بعدم الفهم عن الله.
العقل البشري له حدود:
وهذه مسألة مهمة أن بعض الناس لا يعترف بأن عقله له حدود.
أنا كشخص أفهم في جانب من جوانب العلم والمعرفة وفي جوانب كثيرة جداً لا أفهمها. هل هذا يعيبني؟ كلا يعيبني؛ هذا شيء طبيعي؛ إذاً ليس ضرورياً أن تفهم كل شيء في أي شيء.
أنا أركب الطائرة 15 ساعة ولم أرَ كابتن الطائرة ولم أعرف شهاداته ولا قدراته ولا خبراته، وأستسلم وأطمئن وأركب وأنام وأستغرق في النوم 15 ساعة. لماذا؟
لأن عندي اطمئناناً أنه لن يصل لهذه المكانة وهذا العمل إلا من حصل على كذا وعمل كذا وفعل كذا.
أنا أستسلم للطبيب حينما يصف لي الدواء يقول هذا مرة وهذا مرتين وهذا قبل الأكل وهذا كل ست ساعات إلى آخره ولا أسأله لماذا ولماذا ، لأني أعلم أنه ذو علم وخبرة.
وهكذا أيها الإخوة في كل المجالات: أنا أستسلم مقلداً احتراماً للتخصص.
عندما يشرع رب العالمين لي أمراً بحلال أو حرام أنا أخضع لله لعلمي ويقيني أن الله لا يريد بعباده إلا الخير، والمنفعة.
والله سبحانه وتعالى يقضي بالحق والله سبحانه وتعالى لا يشرع إلا الخير ولا يحرم إلا الخبيث إلى آخر هذه القواعد.