4- قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ…)

الوعيد الإلهي للمكذبين
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 12-14]
لما كانت عقول البشر قاصرة وكان البشر لا يستطيعون وحدهم لا يستطيعون أن يهتدوا إلى الحق، وأن يعرفوا مراد الله من خلقه، ولا يقدرون على التفريق بين الحسن والقبيح، والخير والشر، هنا كانت الحاجة ماسة إلى من يعرفهم بربّهم جل وعلا، وتلكم هي مهمة الأنبياء والرسل -عليهم السلام-؛ الذين أرسلهم الله لهداية البشرية فيبلغون الناس ما يوحى إليهم من ربهم، فآمن من آمن وكفر من كفر.
ولما ذكر الله تعالى عناد الكفار مع رسولنا ﷺ، وتكذيبهم واضطرابهم في إطلاق الاتهامات لتشويه الحق الذي جاء به وتنفير الناس عنه أراد الله سبحانه وتعالى أن يقول لنبينا إن هذا هو منهج وديدن أهل الباطل مع الرسل، وأن رسل الله الذين أرسلوا من قبلك تعرضوا لما تعرضت له من التكذيب، وأنهم قاموا بالبلاغ المبين كما أمرهم الله تعالى، وأن الأمم المكذبة أهلكهم الله تعالى بسبب تكذيبهم لرسلهم وكفرهم بآيات الله كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]
وهنا يذكر الله تعالى أسماء بعض الأقوام الذين كذبوا رسلهم فأهلكهم الله:
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 12-14]
- قوم نوح
نبي الله نوح – عليه السلام- هو أبو البشرية الثاني، وهو أول الرسل بعد آدم – عليه السلام-، وقد اصطفاه الله للنبوة، وهداه للحق، وكلفه بالرسالة، وأثنى عليه بما هو أهله، وهو أحد أولي العزم الخمسة من الرسل، وأثنى الله عليه في القرآن فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3] وقد فصل القرآن الكريم قصة نوح -عليه السلام- في أكثر من سورة، وخصها بسورة كاملة؛ بيانا لأهميتها.
أول ظهور لعبادة الأصنام في الأرض:
طال الزمن بعد آدم، واستمر الناس على الحق عشرة قرون كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما-: ” كان بين نوح، وآدم، عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [البقرة: 213]
وبعدها حدثت أمور أدت إلى أن يعبد الناس الأصنام المعروفة: (ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا)، وهذه أسماء رجال صالحين بين آدم ونوح – عليهما السلام-، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى من بعدهم أن يصوروا أولئك الصالحين أو ينصبوا لهم أنصابًا تذكّرهم بهم، ثم طال بهم الأمد فعُبدت تلك الصور.
دعوة نوح لقومه:
أرسل الله نوحا إلى قومه، فدعاهم إلى التوحيد، ولكن القوم رفضوا الدعوة، واتهموه بالضلال، والجنون، والسفاهة، واتهموا أتباعه – عليه السلام – بأنهم الأراذل والسفلة، -بزعمهم- واستمروا في الإعراض عنه، وعلى الرغم من هذا استمر نوح -عليه السلام –في دعوتهم، إلا أنهم تمسكوا بضلالهم، واستمروا في عبادة أصنامهم، وطلبوا منه أن يتركهم: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: 32] ومكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما لم يهدأ، ولم يفتر، حتى أوحى الله إليه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: 36]
إهلاك قومه:
وبدأ نوح – عليه السلام- والمؤمنون معه في صنع السفينة، فلما أتمها حمل فيها الذين آمنوا معه، ومن سائر المخلوقات زوجين اثنين، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40] وأهلك الله قومه بالطوفان، كما في قوله تعالى:﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: 25]
أصحاب الرس
ورد ذكر “أصحاب الرس” في القرآن في موضعين:
الأول بسورة الفرقان، قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 38]
والثاني: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق: 12]
وهناك عدة أقوال للمفسرين فيمن هم أصحاب الرس؟ وما مكانهم؟
وخلاصة القول: أن كلمة الرس في اللغة: معناها البئر المطوية؛ البئر تحفر ثم يقام حولها البنيان فإذا كانت بدون بنيان (سور للبئر) تسمى رسا، ويقال: بئر رس إذا كانت البئر أشبه بالحفرة، ورسّ الشيء: يعني أخفاه ودفنه.
ولا ندري على وجه القطع أين كان أصحاب الرس؟ هل باليمن أم بشمال الجزيرة أم في غيرهما؟
والذي نفهمه من سياق الآيات أن أصحاب الرس قوم كذبوا نبيهم، وبعض الأقوال المشهورة في التفسير أنهم قتلوا نبيهم وألقوا به في بئر مطوية وهذا سبب تسميتهم بأصحاب الرس لكن ليس هناك شيء صحيح نجزم به عن رسول الله ﷺ.
لماذا لم يفصل القرآن الحديث عن أصحاب الرس واكتفى بالإشارة إليهم؟
القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ ؛ فكتب التاريخ تعتني بالتفاصيل وأدق الدقائق والمكان والزمان والأشخاص؛ أما القرآن الكريم فهو كتاب يركز على المعاني الإيمانية والدروس والعبر، ويبرزها تثبيتا لقلوب المؤمنين، ولم يفصل الله تعالى الحديث عن أصحاب الرس، وكذلك بعض الأنبياء مثل “اليسع” أو “إلياس” أو غيرهم من أنبياء الله للدلالة على صدق النبي ﷺ، فما كان لنبينا أن يعلم عن أنبياء بني إسرائيل شيئا، وهناك أمور تاريخية ذكرت في القرآن ما كان النبي يدري عنها شيئا، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: 49]
فالنبي ﷺ نزل عليه فيما نزل إشارات من العلم الذي عند أهل الكتاب، هذه الإشارات لا يعلمها إلا أهل الكتاب؛ فمن الذي أخبر النبي ﷺ بهذا؟ أخبره الله عز وجل.
فهذا فيه دلالة إعجازية بأن ذكر النبي لشيء لم يكن يعلمه هو ولا قومه دلالة على صدقه، وأن هذا القرآن كلام الله عز وجل.
إذا فأصحاب الرس قوم أرسل فيهم رسول فكذبوه فأهلكهم الله عز وجل.
قوم عاد
بعث الله نبيه هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى قومه عاد، وكانوا يسكنون البيوت ذوات الأعمدة الضخمة، ويبنون القصور العالية والحصون المرتفعة، ويتفاخرون ببنائها، وأعطى الله أهل هذه القبيلة بنية جسدية تختلف عن سائر البشر، وكانوا ذوي قوة وبسطة في الأجسام، إذا حاربوا قومًا أو قاتلوهم هزموهم، وبطشوا بهم بطشا شديدًا، ولذلك قال لهم نبيهم: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 130]
وبرغم هذه النعم والخيرات الكثيرة التي أعطاهم الله إياها، لم يشكروا الله -تعالى- عليها، بل أشركوا معه غيره؛ فعبدوا الأصنام، ولم يكتفوا بهذا، بل وارتكبوا المعاصي والآثام، وأفسدوا في الأرض، فأرسل الله لهم هودًا- عليه السلام – ليهديهم إلى الطريق المستقيم وينهاهم عن ضلالهم، وأوصاهم بالتوبة والرجوع إلى الله عما هم فيه من عصيان، لكنهم استكبروا وأصروا على شركهم.
وقوع العذاب بقوم عاد:
انقطع عنهم المطر مدة طويلة، ثم جاءهم سحاب عظيم، فلما رأوه استبشروا به، وفرحوا، وظنوا أنه السحاب سيمطرهم، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: 24] ظنوا أن السحب ستأتي لهم بالخير، ولكنها كانت تحمل لهم العذاب والفناء، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: 25] فجاءتهم ريح شديدة استمرت سبع ليال وثمانية أيام متتابعة دون انقطاع، تدمر كل شيء أمامها حتى أهلكتهم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ٦ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ٧ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ٨﴾ [الحاقة: 6-8]
فرعون
فرعون المذكور في القرآن ليس اسماً لشخصٍ بعينه، بل هو لقب لحكام مصر القديمة، كما يُقال كسرى أو قيصر لحكام فارس والروم، والقرآن لم يذكر اسمه الحقيقي وإنما ركّز على صفته وطغيانه وقصته مع نبي الله موسى عليه السلام.
وقد اختلف المؤرخون والباحثون في تعيين شخصه، وأشهر الأقوال إنه رمسيس الثاني.
لماذا ذكر قوم عاد وثمود وعند ذكر مصر يذكر فرعون وليس مصر؟
القرآن إذا ذكر عادًا وثمود ذكرهما باسم القوم لأن العبرة المقصودة هي هلاك الأمة بكاملها بعد قيام الحجة عليها وتمرّدها الجماعي على نبيّها، فكان اسم القوم هو العنوان الدال على الذنب والعقوبة معًا، قال تعالى:﴿وَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (فصلت: 15) وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ (فصلت: 17) أمّا مصر فإن مركز الطغيان الحقيقي كان هو الحاكم المتألّه، لذلك لم يُنسب الطغيان إلى البلد، وإنما إلى الحاكم المتأله، الذي استخف قومه؛ كما قال تعالى:﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: 54-55]
لماذا ذكره بلقبه وليس اسمه؟
ذكر فرعون بلقبه دون اسمه الشخصي لأن نموذج “فرعون” متكرر، بل أصبح هذا اللقب وصفا لكل من يتألّه ويتجبر ويستعبد الناس، ولهذا قال العلماء: كل زمان فيه فرعون، وإن اختلف الاسم واللباس، أما عاد وثمود فقد انقرضوا تمامًا، فذُكروا بأسمائهم ليكونوا أطلالًا تاريخية للعظة.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِرْعَوْنًا، وَفِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو جَهْلٍ) أخرجه الإمام أحمد وحسّنه الألباني.
ومعنى الحديث أن لفظ فرعون وصفٌ للطغيانٍ مع الاستكبار، والتأله، ومحاربة الحق، وصدّ الناس عن الإيمان، فكل أمة يُبتلى فيها بطاغيةٍ جامعٍ لهذه الصفات يكون فرعونها، وإن اختلف الزمان والمكان والاسم، ولهذا خصّ النبي ﷺ أبا جهل بهذا الوصف، لأنه بلغ في العناد، والصدّ عن سبيل الله، ومحاربة الوحي، والتكبّر على الحق، مبلغًا شابه به فرعون موسى، مع الفارق الجوهري أن فرعون موسى ادّعى الألوهية صراحة، وأبو جهل أظهرها كِبرًا وسلوكًا وإن لم ينطق بها لفظًا. فجمع فرعون بين علو الاستكبار، وسفك الدماء، فصار رمزاً قرآنيّاً متجدداً لكل نظام مستبد يجمع بين الطغيان السياسي والفساد الأخلاقي والاضطهاد الإنساني.
ما هي جرائم فرعون؟
بلغ فرعون الغاية في الكبر والغرور ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4]؛ فكفر بنبي الله موسى ووصفه بأنه ساحر يتآمر لقلب نظام الحكم ، ولم يكتفِ برفض توحيد الله، بل نصب نفسه إلهاً ورباً على الناس بغير حق، بادعاء الربوبية المطلقة: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] ثم بالغ في الكفر بإنكار وجود إله آخر غيره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]
ومن جرائمه أنه كان يقتل الذكور من أطفال بني إسرائيل ويدع الإناث للخدمة والاستعباد خوفاً من زوال ملكه، كما قال تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4] وكان يذل بني إسرائيل ويستخدمهم في أعمال السخرة والخدمة.
كيف أهلكه الله؟
أمر الله -تبارك وتعالى- نبييه – موسى وهارون – عليهما السلام –أن يخرجا ببني إسرائيل من مصر، فخرجوا على حين غفلة من فرعون وقومه، فلما علم فرعون بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم بغيا وعدوا، فلما أدركهم قال بنو إسرائيل: يا موسى كيف الخلاص؟ والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 61-66] فسلك موسى ببنى إسرائيل طريقا في البحر يبسا ووصل فرعون وجنوده إلى الساحل وكان طريق بني إسرائيل في البحر لا يزال باقيا، فسار فيه فرعون بجنوده فلما اكتملوا جميعًا فيه وهم أولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعين.
إخوان لوط
أرسل الله نبيه لوطا عليه السلام إلى قومه الذين كانوا يأتون الفاحشة ويقطعون الطريق على الناس، بقرية تسمى سدوم، قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ٨١﴾ [الأعراف: 80-81]
وكانت أخلاق أهل تلك البلدة سيئة، فكانوا لا يستحيون من المنكر، ويقطعون الطريق، وفوق هذا كانوا يفعلون فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين؛ فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وأخذ لوط – عليه السلام- يدعو أهل سدوم إلى الإيمان وترك الفاحشة، لكنهم لم يستجيبوا له، واستمروا في ضلالهم وفجورهم.
وكانت قصة إهلاكهم كما ذكر القرآن حينما أرسل الله الملائكة على صورة بشرية لنبي الله لوط – عليه السلام، فلما رآهم أُصيب بالغمّ، لما سيترتب على مجيئهم من شرور قومه، قال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ٧٨ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ٧٩ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ٨٠﴾ [هود: 78-80]
وأصروا على الدخول، ولم يجد لوط من بينهم رجلاً رشيدا يبين لهم ما هم فيه من الخطأ، وأحس لوط بضعفه أمام هؤلاء القوم، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80] ، وعندئذ كشف الضيوف عن حقيقتهم، وأخبروا لوطًا بأنهم ليسوا بشرًا وإنما هم ملائكة من السماء جاءوا لتعذيب هؤلاء القوم الفاسقين، وما هي إلا لحظات حتى اقتحم قوم لوط البيت على الملائكة، فأشار أحد الملائكة بيده ناحيتهم ففقد القوم أبصارهم، وراحوا يتخبطون بين الجدران، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 37] وطلبت الملائكة من لوط أن يرحل مع أهله عندما يقبل الليل، لأن العذاب سينزل على قومه في الصباح، ونصحوه ألا يلتفت هو ولا أحد من أهله خلفهم عندما ينزل العذاب حتى لا يصيبهم، قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: 65-66] وفي الليل خرج لوط وابنتاه وتركوا القرية، وأرسل الله العذاب الشديد على قرية سدوم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 82-83]
وبقيت قرية سدوم عظة وعبرة لكل الأجيال القادمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ١٣٨﴾ [الصافات: 137-138]
لماذا قال في هذا الموضع “وإخوان لوط” وباقي القرآن “وقوم لوط”؟
قرأت تفسيرات كثيرة في هذا الموضوع أقربها للصواب -حسب اجتهادي- أن هذا من باب التنويع في اللفظ بدلا من قول: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم تبع، فتتكرر كلمة قوم ثلاث مرات؛ فقال: (وإخوان لوط) من باب التنويع، والقرآن ينوع في اللفظ حتى لا يكون هناك ملل بتكرار نفس الكلام.
إذن وإخوان لوط هنا المقصود قوم لوط الذين كانوا يعملون فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين.[1]
أصحاب الأيكة
أرسل الله نبيه شعيبا عليه السلام إلى قومه مَدْيَنَ، وتطلق مدين على القبيلة، وعلى المدينة، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: 85] وكان قومه كفاراً يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، وكانوا يبخسون المكيال والميزان ويطففون، فبعث الله نبيه شعيبًا – عليه السلام – إليهم، فدعاهم إلى التوحيد، وترك القبائح، وعدم ظلم الناس.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ َأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85]
هل مدين هم أصحاب الأيكة؟
الراجح لدي أن شعيبا عليه السلام أرسل إلى قومه الذين كانوا ينقصون المكيال والميزان وهم “أهل مدين”، وكان أصحاب الأيكة يسكنون البادية [2]، على هذا القول، ولذلك في سورة الشعراء ذكر الله الأنبياء بالسورة بإضافة كلمة: “أخوهم” فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 106] و ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 124] و ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أخوهم صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 142] إلا نبي الله شعيب قال: {كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} [سورة الشعراء: 176-177] فلم يقل “أخوهم”، لأنه لم يكن يعيش بينهم، ولم يكن واحدا منهم؛ إنما كان من أهل مدين، فشعيب أرسل إلى مكانين:
- المكان الأول قومه أهل مدين.
- الثاني: أصحاب الأيكة الذين كانوا في أطراف مدينته يعبدون شجرة عظيمة (الأيكة) ويقدسونها من دون الله.
إهلاك قوم شعيب:
وكعادة الأمم الظالمة، كذب القوم نبيهم واستهزأوا به؛ فتوعدهم بوقوع العذاب، لكنهم أصروا على كفرهم وفسادهم فاستحقوا العقاب والعذاب.
وقد جمع الله لهم صنوفاً من العذاب، لأنهم جمعوا صنوفاً كثيرة من الأفعال القبيحة،
وعلى القول بأنهما جماعتان: أهل مدين وأصحاب الأيكة ، فقد كان لأهل مدين الرجفة والصيحة ، فعذبوا بالرجفة التي زلزلت الأرض من تحتهم وأزهقتهم، قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 91] ثم عذبوا بالصيحة وهي صيحة عظيمة أخمدت الأصوات وأزهقت أرواحهم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ٩٤ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ٩٥﴾ [هود: 94-95]
أما أصحاب الأيكة فقد وقع بهم عذاب الظلة، والظلة سحابة بَدَت لهم أرادوا أن يستظلوا بها، فكانت عذابا لهم، كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 189]
قوم تبع
تبع هذا ملك صالح من ملوك حمير وهذه كانت دولة عظيمة في جنوب الجزيرة العربية في اليمن، وتبع لقب وليس اسما كما أن فرعون لقب حكام مصر وكسرى لقب لملك فارس، وقيصر للروم وهكذا.
وفي التفسير عن ابن كثير أن اسمه أسعد أبو كريب والنبي ﷺ قال: (لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم). رواه الإمام أحمد وصححه الألباني
ومعنى هذا أنه كان رجلا صالحا وليس نبيا ومعنى ذلك كلم قومه ودعاهم إلى عبادة الله وحده فأبوا عليه وكذبوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر.
لكن الله قال بعدها “كل كذب الرسل”؟ ونحن قلنا إنه ليس رسول؟
ورد في الروايات التاريخية أنه زار المدينة، وكان وثنيا وقتها والتقى ببعض أحبار اليهود ودعوه إلى الدين الحق وتوحيد الله، وأخبروه أن هذه الأرض هي مهاجر نبي آخر الزمان، وقالوا في التاريخ أنه أول من كسا الكعبة لما علم من حرمتها فهو كان على شريعة موسى عليه السلام، فلما رجع إلى قومه – وهذا كان قبل ولادة النبي بسبعمائة عام كذبوه؛ فكان تكذيبهم له تكذيبا لنبي الله موسى، إذا فـ(تبع) رجل صالح دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ق: 14]
هنا يشير الحق تبارك وتعالى إلى أن تكذيب رسول واحد هو تكذيب لجميع الرسل. كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105] ولم يرسل فيهم إلا نوح وهنا قال: “كل كذب الرسل “ولم يرسل في أي قوم من هؤلاء إلا رسول واحد قال العلماء: وهذا معناه أن تكذيب رسول واحد هو تكذيب لجميع الرسل.
والمسلم مأمور بأن يؤمن بجميع الرسل والأنبياء، ونوقرهم ونجلهم ونصلي ونسلم عليهم ونعلم أنهم أرسلوا من قبل الله عز وجل، وأن خاتمهم وإمامهم هو نبينا المصطفى الكريم صلوات ربه وتسليماته عليه؛ قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [سورة البقرة: 285] فلا نقول نحن نؤمن بمحمد ونكفر بموسى أو نؤمن بمحمد وموسى ونكفر بعيسى نحن نؤمن بجميع الأنبياء وأن كلا منهم أرسل من عند الله عز وجل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 150-152]
وحدة الدين وتنوع الشرائع
بعض الناس يظن أن كل رسول جاء بدين مستقل؛ كلا إنما هو دين واحد دين الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] فجميع الرسل جاؤوا بالتوحيد قائلين: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) فاتفقوا في أصول الدين لكن جاء الاختلاف في الشرائع، أي تفاصيل الشريعة، فمن الممكن أن نرى اختلافا فيها، وذلك باختلاف الزمان والمكان؛ وهذه بعض الأمثلة:
- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] فدلّ ذلك على أن الصيام كان مشروعًا في الأمم السابقة.
- قول عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]
- جواز تعلم السحر في زمن سليمان-عليه السلام- كما ورد على لسان الملكين هاروت وماروت: ﴿ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102] أما في شريعتنا فتعلم السحر محرم، بل من كبائر الذنوب وجعله النبي ﷺ من السبع الموبقات، فقال: اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها: “الشرك بالله والسحر” متفق عليه.
- نبي الله سليمان -عليه السلام- كانت الجن يعملون له التماثيل ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13] أما عندنا فيحرم صناعة التماثيل؛ قال النبي ﷺ: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون” متفق عليه.
وهذا معنى قول النبي ﷺ في الحديث: (الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد.) الأخوة لعلات يعني إخوة لهم أب واحد وعدة أمهات، كمثل رجل متزوج من أكثر من امرأة له من الأولى أولاد، ومن الثانية، ومن الثالثة، فهؤلاء اختلفت أمهاتهم لكن الأب واحد فالنبي يقول: (الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) رواه الإمام البخاري ومسلم
قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 14]
“فحق وعيد”يعني استحقوا ما توعدهم الله على ألسنة رسله بالعذاب وأصلها “فحق وعيدي” لكن حذفت الياء مراعاة للفاصلة؛ فالكلمات من أول السورة: المجيد مريج بهيج فجاءت كلمة وعيد على نفس الفاصلة.
وكلمة الفاصلة عند علماء التفسير تساوي كلمة القافية في الشعر لكن كره العلماء أن يُسوّى القرآن بالشعر فقالوا: الفاصلة.
الآثار الإيمانية والتربوية للآيات:
- الآيات فيها تسلية للنبي ﷺ؛ فالتكذيب الذي واجهه من قومه لم يكن أمرًا خاصًّا به، وإنما هو طريق تعرض له الأنبياء من قبله، ومع ذلك صبروا واستمروا في تبليغ رسالات ربهم.
- أن الداعية لا يقيس صحة دعوته بسرعة استجابة الناس، ولا يجعل كثرة الرافضين دليلًا على بطلان ما يدعو إليه، فقد يمضي وقت طويل قبل أن تظهر ثمرة الدعوة، وقد لا يرى الداعية في حياته إلا استجابة قليلة، كما وقع لنوح عليه السلام مع طول مدة دعوته.
- الصبر لا يعني الاستسلام ولا التوقف عن العمل؛ فقد مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله، فالصابر لا يترك واجبه لأن الطريق طال، ولا يتخلى عن دعوته لأن الناس لم يستجيبوا له سريعًا.
- كما تعلمنا قصة نوح أن النجاح في الدعوة ليس بالأرقام وعدد من آمن به؛ فقد يبذل الداعية جهده ولا يؤمن به إلا قليل، ومع ذلك يكون عند الله ناجحا فالميزان هو الإخلاص في تبليغ الدعوة، لا عدد المؤيدين ولا ضجيج وسائل التواصل.
- ذكر القرآن أصحاب الرس وقوم تبع بإيجاز، لأن المقصود الأعظم هو العبرة: أنهم كذبوا رسل الله فاستحقوا العقوبة، وهذا يعلمنا أن الانتفاع بالتاريخ لا يكون بمجرد حفظ الأسماء والتواريخ، وإنما بفهم السنن التي تتكرر في حياة الأمم.
- القوة المادية لا تمنع عذاب الله؛ فقد كان قوم عاد أصحاب قوة وبطش وبناء، ومع ذلك لم تحمهم قوتهم حين جاء أمر الله، وكانت لفرعون دولة وجنود وسلطان، فلم يغنِ عنه ملكه شيئًا عندما أدركه الغرق.
- ألا يظن أحد أن امتلاك الباطل لأسباب القوة دليل على رضا الله عنه أو دوام سلطانه؛ فقد يمهل الله الظالم، لكنه لا يهمله، وإذا أخذه لم تفده جنوده ولا حصونه.
- كما يتعلم الداعية ألا يستعجل نزول العقوبة بالناس، بل يرجو هدايتهم، ويدعو لهم، ويقيم عليهم الحجة بالحكمة؛ فالرسل لم يبدأوا أقوامهم بالدعاء عليهم، بل صبروا ودعوهم ، ولم ينزل العذاب إلا بعد تمام الحجة واستمرار العناد.
- دعوة الرسل واحدة في أصلها، وهي عبادة الله وحده؛ فمن كذب رسولًا فقد رد أصل الرسالة التي جاء بها جميع الرسل، ومن الآثار الإيمانية لهذه الآية أن المسلم يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ولا يفرق بينهم في أصل التصديق. فيحبهم ويوقرهم، ولا يطعن في أحد منهم.
المعنى الإجمالي للآيات:
- حاجة البشر إلى الوحي والرسل؛ لأن العقول لا تستقل بمعرفة تفاصيل مراد الله وأحكام الحلال والحرام وحقائق الغيب.
- في قصص الأمم السابقة تثبيت للنبي ﷺ وللدعاة من بعده، وتعليم لهم الصبر أمام الاستهزاء والاتهام والإعراض.
- اشتراك الأمم المكذبة في أصل واحد، وهو رفض توحيد الله وتكذيب رسله، وإن اختلفت صور انحرافهم وذنوبهم.
- كثرة الأتباع ليست دليلًا على صحة المنهج؛ فقد آمن مع نوح عليه السلام عدد قليل، وكان الحق معه رغم كثرة مخالفيه.
- القوة المادية لا تمنع عذاب الله؛ فعاد كانوا أهل قوة وبطش وعمران، ومع ذلك أهلكهم الله لما استكبروا وكذبوا رسولهم.
- الطغيان يبدأ بالاستعلاء وينتهي بالإفساد؛ كما فعل فرعون حين استكبر، وفرّق الناس، واستضعف طائفة منهم، وسفك الدماء.
- من وسائل الطغاة تشويه دعوة المصلحين؛ فقد وصف فرعون موسى عليه السلام بالسحر، واتهمه بتهديد ملكه وسلطانه.
- الفواحش إذا أُعلنت ودافع عنها المجتمع كانت سببًا للعقوبة العامة؛ كما وقع لقوم لوط حين أصروا على الفاحشة ورفضوا نصح نبيهم.
- القرآن كتاب هداية وعبرة، لا كتاب تفاصيل تاريخية؛ ولذلك قد يذكر بعض الأمم، كأصحاب الرس، دون بيان أسمائهم وأماكنهم وتفاصيل حياتهم.
- تكذيب رسول واحد تكذيب لأصل رسالة جميع الرسل؛ لأنهم جميعًا دعوا إلى توحيد الله وتصديق وحيه.
- الإيمان بجميع الأنبياء والرسل أصل من أصول الإيمان؛ فلا يصح الإيمان ببعضهم والكفر ببعض.
- وعد الله ووعيده حق لا يتخلفان؛ وإمهال الظالمين ليس إهمالًا؛ فقد يمهل الله المكذبين مدة طويلة، لكنه إذا أخذهم بعد قيام الحجة لم يفلتوا من عقوبته.
- النجاة في اتباع الرسل والثبات على الحق، والهلاك في الإعراض عن الوحي والإصرار على المعصية بعد ظهور الحجة.
- قصص القرآن تحذير للأحياء وليست مجرد أخبار عن الماضين؛ فمن سار على طريق المكذبين خيف عليه من جنس عاقبتهم.
- أعظم مقصد للآيات دعوة الإنسان إلى المبادرة بالتوبة قبل أن يتحقق فيه وعيد الله كما تحقق في الأمم السابقة.
[1] والإخوة تأتي في عدة معان في اللغة العربية: أولها: الأخ هو الأخ الشقيق نسبا {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} [القصص: 34] وثانيها: تأتي بمعنى الأخ شبها يعني إذا أردت أن تشبه أحدا بأحد تقول هذا أخ لفلان وتقصد الشبه كما في قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل لما قالوا لمريم: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [سورة مريم: 28] فيا أخت هارون هنا معناها في الصلاح والتقوى وليس المقصود أنها أخته نسبا، وثالثها: أخوة القومية أي أنهم أبناء وطن أو أرض واحدة فيقال إنه أخوهم من هذه الجهة {وإلى عاد أخاهم هودا} {وإلى ثمود أخاهم صالحا}. فلوط كان أخا لقومه رغم أنه ليس منهم لأن لوطا هو ابن الأخ الشقيق لسيدنا إبراهيم، فهاجر إلى الشام، وتزوج من هؤلاء القوم قرى سدوم وصاهرهم فبزواجه أو بمصاهرته وإقامته بينهم صار أخا لهم، وهذا كقول الله تعالى في خطابه لأهل مكة عن النبي ﷺ: {وما صاحبكم بمجنون} [سورة التكوير: 22]. فالنبي ليس بصاحب بمعنى الصداقة المعروفة وطول الصحبة، إنما المقصود أنكم تعرفونه ولد بينكم وعاش بينكم، وتعرفون أخلاقه وصفاته وما كان ليترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله عز وجل فقال: (وما صاحبكم بمجنون).
[2] البادية: يقصد بها المناطق الصحراوية أو الرعوية المفتوحة التي يقطنها البدو، ويطلق على سكانها: أهل البادية.

