ألا أخبركم بخياركم؟

تاريخ الإضافة 9 أكتوبر, 2020 الزيارات : 2068

ألا أخبركم بخياركم؟

عن أسماء بنت يزيد قالت قال النبي صلى الله عليه و سلم : “ألا أخبركم بخياركم” قالوا: بلى. قال:” الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله، أفلا أخبركم بشراركم؟”. قالوا: بلى. قال:” المشَّاؤُون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، البَاغُون البُرَآءَ العنت “. أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وقال الشيخ الألباني-رحمه الله- : حديث حسن.

ألا أخبركم بخياركم ؟: أي ألا أذكر لكم صفات الأخيار منكم ، والغرض من ذكر هذه الصفات أن يتحلى بها الإنسان وأن يجتهد بأن يكون متصفا بها وأيضا الغرض من ذكر صفات شرار الناس هو أن يحذر الإنسان منها .

قال: “الذين إذا رُؤُوا ذكر الله “؛ وهذا فيه بيان أن الأخيار من أهل الإيمان والأفاضل منهم والمقدمون فيهم هم من كانوا بهذه الصفة “إذا رُؤُوا ذكر الله” ،وذلك لحسن استقامتهم، وحسن عبادتهم، وإقبالهم على طاعة الله –جلَّ وعلا- ولتواضعهم وذلهم لله وانكسارهم بين يديه.

لماذا؟

لأنهم على هيئة من الصلاح والاستقامة والتواضع لله ، والذل له ، ودوام ذكره، والتعظيم له – سبحانه وتعالى – لا يفترون عن ذكر الله ولا يغفلون ، ويحافظون على طاعة الله – جل وعلا- ويواظبون على الخير وأعمال الخير؛ فإذا لقيهم الإنسان ذكر الله – جل وعلا- لأن أعمالهم وأخلاقهم وخصالهم وخلالهم كل ذلك يذكِّر بالله تعالى ، وهذه تسمى الدعوة بالقدوة – القدوة الحسنة- فهم أهل استقامة وأهل محافظة على طاعة الله – تبارك وتعالى- فإذا رُؤُوا ذكر الله –سبحانه وتعالى- لا يرى فيهم الإنسان ما يدعو إلى الغفلة ولا يرى فيهم ما يفتح عليه باب الشر.

توضيح معنى : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]

السمة هي العلامة، وتفسير معناها كما يلي :

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما: سيماهم في وجوههم يعني السمت الحسن.

2-وقال مجاهد: يعني الخشوع والتواضع.

3- وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.

4-وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .

5- وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس . انتهى من تفسير ابن كثير.

والجامع في هذه التفسيرات كلها أنه لا شك أن المقصود بقول الله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} النور في الوجوه، يجعله الله تعالى في وجوه المحافظين على الصلاة، المحبين لها، خاصة الذين يكثرون قيام الليل، وقد وصفهم الله في الآية نفسها: {تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} وهؤلاء هم الذين {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاَةُ نُورٌ»،  فالمراد به نور يقذفه الله في قلب الساجدين، يبصرون به الحق، ولا علاقة له بجمال المنظر، لكنه نور وبهاء يلقيه الله على وجه المصلي يجعله مشرقًا، تفتح به القلوب، يجعل له الود، الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}  ، وهذا يحصل حتى لمن كان دميم الخلقة، وقد يكون الإنسان أجمل الناس خلقة، لكن ليس في وجهه نور، بل عليه ظلمة، نسأل الله أن ينور قلوبنا وقبورنا ووجوهنا، والله أعلم.

وينبغي التنبيه أن كثيرا منا يفهم هذه الآية فهماً خاطئاً، على أن المقصود في الآية ذلك الأثر الذي يظهر في الجبهة عند بعض المسلمين، ولو كان هذا صحيحاً لظهر أثر السجود في جبهة النساء المسلمات، والصحيح أن هذا الأثر يظهر عند بعض الرجال بسبب حساسية الجلد عند البعض، فتجدها عند البعض كبيرة بارزة، وتجدها عند البعض الآخر رقيقة خفيفة، وقد لا تجدها عند كثير من المسلمين المصلين.

وقد سُئل مجاهد، وهو تلميذ ابن عباس – رضي الله عنهما – عن هذه الآية: أهو الأثر يكون بين عينَي الرجل؟ فقال رحمه الله: “لا ربما يكون بين عينَي الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنه نور فى وجوههم من الخشوع”.

بركة رؤية الصالحين ومشاهدتهم :

وهذا مشاهد في دنيانا بكثرة فمن الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ انشرح صدرك؛ وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والمخاوف .

يقول جعفر بن سليمان رحمه الله:’ كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع – وكان من كبار العباد والصالحين – فإذا نظروا إلى وجهه؛ رقت قلوبهم قبل أن يتكلم لا يحتاجون إلى كثير من كلامه.

وقال بعضهم : ما إن ننظر إلى وجه محمد بن واسع حتى ننشط في العبادة شهرا.

قال ابن القيم رحمه الله عن شيخه ابن تيمية : (وكُنَّا إذا اشتَدَّ بنا الخَوفُ، وساءَتْ مِنَّا الظُّنونُ، وضاقَتْ بنا الأرضُ؛ أتَيْناه، فما هو إلَّا أنْ نراه ونَسمَعَ كَلامَه؛ فيَذهَبَ ذلك كُّله، ويَنقَلبَ انشراحًا وقوَّةً ويقينًا وطُمَأْنينةً.) الوابل الصيب (ص48).

لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على انشراح الصدر، وثبات القلب والتقى والرجاء والخوف من الله، فإن الوجه مرآة للقلب ولهذا قيل:’ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه’ .

كراهة مجالسة أهل المعاصي ومصاحبتهم :

نعم فمن الناس من إذا رأيته أحببته قبل أن يتكلم، ومن الناس من إذا رأيته أبغضته قبل أن يتكلم، وما ذلك إلا أن هذه الأوجه هي صفحات ينقش فيها ما تكنه القلوب ، ومن الناس من إذا نظرت إلى وجهه؛ أظلم قلبك ويشعر الإنسان أحياناً بانقباض لرؤية بعض الوجوه من أجل ما فيها من الظلمة، فإن النظر إلى هذه الأشياء يؤثر على القلب، ولهذا تعلمون أن جريج الراهب دعت عليه أمه كما في صحيح مسلم قالت: [ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ] فقط، والمومسات-أعزكم الله- البغايا اللاتي يحترفن الزنا، لما:[ أَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ،  فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ :هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ .

فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ؟

قَالُوا زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ !!

فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ : يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ ؟ قَالَ : فُلَانٌ الرَّاعِي.

قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا : نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ 

قَالَ لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا…] رواه البخاري ومسلم- واللفظ له-

هذه الدعوة التي دعت بها أمه ماذا كانت نتيجتها؟! كان نتيجتها أنه نظر إلى وجه مومس واحدة امرأة واحدة بغي اتهمته فجئ به إليها، وقيل له أنت فجرت بهذه فأنجبت هذا الغلام، نظر إلى امرأة واحدة فكان ذلك إجابة لدعوة أمه عليه، فكيف بالذي يقلب بصره صباح مساء وقد شخص بصره أمام القنوات والمواقع يرى الإباحية والعري !! كم تؤثر فيه هذه النظرات !!

قال : أفلا أخبركم بشراركم :

قالوا بلى . قال:” المشَّاؤُون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، البَاغُون البُرَآءَ العنت ” 
” والمشَّاء : صفة مبالغة ففيه من صفات الأشرار أنهم يسعون بالنميمة بين الناس ويكثر فيهم هذا الأمر – السعي بالنميمة- أي نقل الكلام بين الناس على وجه الفساد ونشر العداوات .
قال:” المشَّاؤُون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة” . وهذا العطف هنا توضيح لمآل النميمة ونتيجتها وغايتها وثمرتها ؛ فالنميمة : نتيجتها الإفساد بين الأحبة ، إيقاع العداوات بين المتحابين ، وقال يحيى اليماني –رحمه الله- :” يفسد النَّمَّام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة”.فالنَّمَّام كلامه سريع الإفساد .

ثم ذكر لهم صفة أخرى قال:” البَاغُون البُرَآءَ العنت “ الباغون: أي الذين يطلبون : بغيت الشيء أي طلبته وحرصت على تحصيله ونيله ،

” البَاغُون البُرَآءَ” البرآء على وزن العلماء جمع بريء ، البَاغُون البُرَآءَ: أي يبغون في حق الأبرياء من عباد الله العنت: أي الهلكة والمشقة والفتنة والشر. 

“البَاغُون البُرَآءَ العنت ” وهذه أيضا من نتائج النميمة وثمارها ، النَّمَّام يجعل بين الأبرياء عنتا ومشقة وفسادا وشرا ، والنَّمَّام يجعل بين المتآخين شرا وفسادا وعدوانا.

قالمعنى : أي يطلبون العنت والمشقة والشر والفساد في حق الأبرياء المتآخين والمتوادين؛ وهذا كله مما يبين لنا خطورة حال النّمَّام وأنه من أشرِّ الناس .


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


خطبة الجمعة

تفسير جزء تبارك

شرح رياض الصالحين

شرح كتاب الفوائد لابن القيم

دروس في العقيدة

تيسير الفقه

فيديو مختار

الإحصائيات

  • 3
  • 2٬726
  • 2٬199
  • 4٬507
  • 3٬509
  • 3٬471٬404
  • 402٬110
  • 179
  • 2